أول دعوى قضائية ضد الله! (2) سنوات العناية

8

أ.د. أماني ألبرت

“رضا الله على خيمتي” (أي29: 4)

يناقش المقال سنوات العناية السابقة لضيقة أيوب، والسر الخفي وراء تمتعه بكل هذه البركة.

سنوات العناية

جلس أيوب وسط كومة الرماد، ينظر بأسف لما آلت له حالته، وتذكر تلك الأيام والشهور التي مضت فقال: “ليت حياتي كانت كالشهور السابقة، قبل مجيء الضيق. كتلك الأيام الَتي حماني الله فيها” (أيوب29: 2)

وجلس يعدد جوانب حياته المختلفة التي لمس فيها تأييد القدير، فكان حين يخرج لبوابة المدينة أو يجلس في الساحة يقف الشيوخ احتراماً ويفسح له الشبان الطريق تقديراً، وحين يتكلم يمتنع أي شخص عن الكلام مهما كانت مكانته، بل إنهم كانوا يسمعونه ويمتدحون كلامه، لأنه كان ينقذ البائس واليتيم وطالب المعونة، ويقف في وجه الظلم، كان الجميع يترقب كلامه منتظرين حكمة على الدعاوي فيفتحون أفواههم منبهرين بما يقول، فقد كان لهم قائداً ورئيساً يعزي الحزانى ويرفع الظلم ويزيل الشك ويبتسم للمتألمين فينزع غمهم.

وعبارة “الأيام التي حماني الله فيها” تعني “التي حفظني فيها”، “عندما اعتاد أن يحرسني”، “التي رعاني فيها”، “الأيام التي كانت عين الله عليَّ”، فقبل مجيء الضيق، تمتع أيوب بسنوات من العناية والرعاية الإلهية، اعتاد الله فيها أن يحرسه ويسهر على أموره، وكان تحت نظر الله الذي حفظ بيته وحياته وكل ما له، فتمتع بحماية القدير.

شعر أيوب “برِضى الله مخيمًا فوق بيتِه” (ع 4)، أو “حماية الله فوق خيمته”، والعبارة تعني “اعتنى الله ببيتي”

فقد كان حضور الله يرف ويلف بيته، والكلمة تحمل معني العلاقة الحميمة إذ تترجم “كانت صداقة الله تظلل خيمتي”، “كان الله صاحبي الذي بارك داري”، “صداقة الله استقرت فوق خيمتي”، “صداقة ومشورة الله”، “كان الله أعز أصدقائي” (ع 17).

كما تحمل معنى العلاقة الوثيقة مع الله “كان الله منفردًا بي في مسكني”، “ائتمني الله على أسراره”، “أعطاني مشورته السرية”.

فقد تمتع في سنواته الماضية بعناية فائقة، قال عنها: “منحتني حياة ورحمة وحفظت عنايتك روحي” (10: 12)، وكان سبب هذه العناية الرئيسي هو وجود الله في حياته، ووجوده لم يكن وجودًا عابرًا بل كأساس لحياته، فتمتع بصداقته وكان الله أعز أصدقائه، فلم يباركه فحسب بل انفرد به يعلمه ويكلمه ويعطيه المشورة في كل الأمور ويتئمنه على أسراره. ونتيجة هذه العلاقة الوثيقة، فاضت البركة على حياة أيوب وبيته وكل ما كان له، وهو ما توضحه الترجمة “كان اللهُ صاحبي الذي بارك داري”.

الحضور مفتاح البركة

نفس الأمر حدث مع عوبِيد أَدوم الجتيِ، فبسبب وجود تابوت الرب في بيته ثلاثة أشهر “بارك الرب عوبِيد أَدوم وكل بيته” (2صموئيل6: 11). وكلمة بارك تعني “جعله مزدهرًا”، وهو ما يشمل النجاح المستمر في أي عمل، والنمو، والإثمار، وتحقيق الأهداف، وصنع الثروة. وكان الأمر ملحوظاً فقال الناس لداود: “لقد بارك اللهُ عائلة عوبِيد أدوم وكل ما يملكه بسبب صندوق الله المدس” (ع 12)، وحتى حينما أخذوا التابوت من عنده لم يحتمل عوبيد أن يبقى بعيداً فذهب ليكون ضمن حراس التابوت (1أخبار6: 38).

كذلك حين “تراءى الرب لسليمان في حلم ليلا، سأله اللهُ: «ماذا أُعطيك؟»”، فقال: “أعط عبدك قلبًا فهيمًا لأحكم وأميز” (1ملوك3: 9)، وقلبا فهيمًا تعني “أعطني الحكمة” (ع 25).

وبما أن روح الرب هو “روح الحكمة” (إشعياء11: 2)، فقد كان سليمان يعني كن رفيقي في قراراتي، كن مشيري في المواقف المتخالفة، فهمني ماذا أفعل وماذا أقول، مما يعني أن يظل على تواصل مستمر مع روح الله الذي سيرشده ويكلمه ويفهم ذهنه ما ينبغي أن يفعل.

 أجاب الله لسليمان طلبه وجاءت البركة لتفيض على حياته كنتيجة لعلاقته المستمرة معه، “فقال له الله: «من أجل أنك قد سألت هذا الأمر، ولم تسأل لنفسك أيامًا كثيرةً وَلا سألت لنفسك غنى، ولا سألت أنفس أعدائك، بل سألت لنفسك تمييزًا لتفهم الحكم، هوذا قد فعلت حسب كلامك. هوذا أعطيتك قلبًا حكيمًا ومميزًا حتى إنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. وقد أعطيتك أيضًا ما لم تسأله، غنى وكرامة حتى إنه لا يكون رجل مثلك في الملوك كل أيامك.” (1ملوك3: 11-13).

إذ طلب سليمان حضور الرب الدائم ومصاحبة روح الحكمة، قدر الله جداً هذا الطلب فهو ببساطة يعني أن سليمان يريد صداقة الله الحي، فأعطاه ما سأل وما لم يسأل وهو الغني والكرامة.

أن نتمتع بحضور الله، بعلاقة صداقة دائمة معه، هو مفتاح لكل بركة قادمة على حياتنا، وهو نتيجة طبيعية لحلول البركة وملئها لحياتنا. والكتاب يؤكد “طوبى للرجل المتقي الرب، المسرور جدًّا بوصاياه.. رغد وغنى في بيته.” (مزمور 112: 1-3). والمتقي الرب تعني العابد وتترجم “الرب يبارك كل شخص يعبده ويطيع تعاليمه بسرور” (ع 17)، والعبادة تعني البقاء على تواصل دائم معه كصديق عزيز، والنتيجة الطبيعية هي رغد وغنى في بيته، كما هو مكتوب: “أما طالبوا الرب لا يعوزهم شيء من الخير” (مزمور 34: 10)، فهم طلبوا أن يعرفوه أكثر ويلتصقوا به، فكانت النتيجة أنهم لم يحتاجوا أي شيء. لقد تمتعوا بصداقته وأتت هذه البركات الأخرى كنتيجة جانبية لعلاقتهم معه.

رفقة الروح القدس

وهي دعوتنا نحن أيضًا، إذ يقول الرسول بولس: “ولتكن معكم جميعًا نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس (2كورنثوس14:13)، وكلمة شركة تعني “تناغم”، “تواصل”، “صداقة حميمة”، “رفقة الروح القدس” (ع 27). فغنى نعمة الله على حياتنا ومحبته الفائضة يفتح الباب لنتواصل ونتصادق مع الروح القدس، لنكون في تناغم مع إرشاداته اللطيفة، فيصير رفيقنا في كل تفاصيل الحياة، حتى لو كنا داخل أجواء شيطانية أو في أرض وثنية ليس فيها ذكر لله الحي، وهو نفس ما حدث مع يوسف، فمهما عمل في أمر أزدهر وتبارك، سواء عمل في الحقل، أو في قطع الأحجار، أو في البناء أو في الزراعة والري أو في النجارة أو غيرها. والذي يدعو للاستغراب أنه لم يكن سوى مراهق ذي 17 عامًا ولا خبرة لديه في أي من هذه المجالات!.

فأصعب الأعمال وأعقدها كان يؤديها ببراعة ومهارة فائقة رغم أن خبرته لا تكاد تُذكر، ورغم أن معرفته ضئيلة مقارنة بغيره، ورغم أنه لم يكن يجيد اللغة الأصلية للبلاد، ورغم أنه لم يتجاوز العشرين عامًا ومن قصر فوطيفار إلى السجن ظل يلازمه نفس الأمر، ففي فترة صغيرة وبسبب تميز عمله، تحول من سجين إلى مسئول عن جميع الأسري في السجن، ولم يكونوا يعملون هناك أي شيء بدونه. تُرى ما هو سر نجاحه؟ ما الشيء المميز فيه؟ ما السبب الذي يجعل البركة تدركه أينما ذهب؟

السر هو أنه كان يتمتع بشركة وعلاقة حب، وصداقة مع الرب، “كان الرب مع يوسف، فكار رجلاً ناجحًا” (تكوين39: 2)، لقد نجح لأن الرب كان يظلله بحضوره ويحيط به ويرشده ويعلمه ويهمس في أذنه كصديق، فوضع يديه القوية علي يدي يوسف الضعيفة، فأنجحتهما نجاحًا باهرًا إذ يقول: “تشددت (تقوت) سواعد يديه، من يدي عزيز يعقوب (من يدي إله يعقوب القوي) (ع 29)” (تكوين24:49).

#يُتبع

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا