20.4 C
Cairo
الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيانتقام وغفران

انتقام وغفران

جلوريا حنا

قرأتُ منذ فترة منشورًا على أحد منصات التواصل الاجتماعي، وهو مترجم من أحد مواقع السؤال والجواب. كان صاحب القصة يتحدث عن تجربة مر بها، إذ كان يتعرض للتنمر من قِبل بعض الأشخاص طوال فترة الدراسة، وذكر أنه لم يعتذر له سوى اثنين وبشكل سطحي. وبعد حوالي عشرين عامًا، عندما أصبح عمر صاحب القصة أربعين سنة، تقابل مع المسئول الأول عن حالة التنمر التي كان يمر بها، كان مسئولًا عن محل للأدوات الرياضية، وطلب منه الآخر أن ينسى الماضي، لكنه قام بضربه بكرة السلة في وجهه مباشرة، إذ كان الآخر يضربه أيضًا حينما كانوا في المدرسة.

ذكر صاحب القصة أن ذلك الفعل جعله يشعر بالراحة على الرغم من رفض أقربائه لذلك، ثم في تحديث آخر للقصة، ذكر أنه لم يكن مرتاحًا، وظل طوال سنة شاعرًا بعدم الارتياح، فقام بالذهاب للمتنمر مرة أخرى لكنه لم يضربه تلك المرة، بل اعتذر له، وفي المقابل اعتذر صاحب المحل، واعتبر نفسه محظوظًا أن ضربة كرة واحدة كانت كافية لكي يشعر صاحب القصة بالرضا. كتب بطل القصة أنهما خرجا لتناول القهوة، وتحدثا عن حياتهما الحالية سويًا، وحينها ذكر شعوره ببعض التخطي لما حدث له، وأن الذكرى لم تعد سوداوية كما كانت من قبل.

يمكن أن تكون للتنمر العديد من التبعات السيئة بالنسبة للضحية، لكن الملفت للنظر في هذه القصة أنه كتب أنه شعر بالراحة ثم في تحديث آخر كتب أنه لم يكن مرتاحًا، مما يعني أن الضربة التي ألقاها كانت لها راحة وقتية، لكن الراحة الأكبر كانت بعد الحديث مع الشخص المتنمر. لا أعرف بالضبط كيف تطورت العلاقة بينهما بعد هذا اللقاء، وهناك مَنْ يقترح أن الضربة الأولى كانت تمهيدًا للراحة التي شعر بها بعد الحديث، والحقيقة لا نستطيع أن نلومه أبدًا على ما فعله على الرغم من أنه أخطأ في رد الفعل، لكن المؤكد أن الضربة لم يكن بها أي شيء من الراحة، بل على العكس، ربما لو كان استجاب لصوت الانتقام أكثر لتمادى في رد فعله.

عزيزي… كثير من الأعمال الفنية اليوم تدعو للانتقام للذات، وبعضها يظهر مساوئه، أما الكتاب المقدس فيؤكد لنا على أهمية المحبة والغفران، فهما يساهموا على توقف مشاعر الشعور بالمرارة والغضب، لكن الكتاب ذكر لنا أيضًا بعض الأمور الهامة مثل: “اغضبوا ولا تخطئوا” (أفسس4: 26)، “لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء، بل أعطوا مكانًا للغضب” (رومية12: 19). إذًا الغضب متاح، بل يجب أن نغضب لكي نخرج مشاعرنا، بشرط ألا نسمح للغضب بأن يجعلنا نخطئ، كما يخبرنا السيد المسيح: “وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه” (متى18: 15)، “إن أخطأ إليك أخوك فوبخه، وإن تاب فاغفر له” (لوقا17: 3). إذًا العتاب ضروري أيضًا، فهو ما سيساعد على عدم حمل أي ضغينة بداخلنا وإخراج مشاعرنا بشكل جيد، لكن يجب أن يكون هناك الرغبة في الغفران والتفاهم أولًا.

حين نشعر أننا تأذينا يكون من حقنا أن نغضب، وقد نضعف ونقوم بتصرف خاطئ نتيجة لذلك الغضب، لكن يجب أن نتعلم كيفية التعامل معها مع هذه المشاعر، فهذه هي أول خطوة تجاه الغفران. الغفران يحتاج لمعونة إلهية كي نستطيع أن نصل إليه، وهي رحلة يجب أن نسير فيها، أولها معرفة كيف نتعامل مع الألم وكيف نقبله، وكيف نقبل أننا سنتألم مادمنا على الأرض حتى وإن كنا مؤمنين، لكن الغفران هو فعل لصالحنا قبل أن يكون لصالح الآخر، فهو يزيل المرارة من داخلنا وتمنحنا سلامًا.

أنصحك بمشاهدة فيلم “الكوخ”، فهو يتحدث عن الألم والقدرة على الغفران، كما يجب أن نحاول تربية أطفالنا على تقبُّل الآخر ومحبته حتى نقلل من التنمر، وأيضًا متابعة أطفالنا في حالة ظهور أي تغير في السلوك، فالتنمر قد يؤدي لانتحار الضحية.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا