يؤمن الكثير من علماء الآثار بمبدأ هام هو: “ما لم يذكره الأثر، فلا دليل مادي على وجوده”؛ هذا المبدأ وضع الروايات الدينية عن هيكل سليمان في قفص الاتهام. فبينما تصف النصوص بناءً أسطوريًّا من الذهب والأرز، يصمت التراب في أورشليم صمتًا مطبقًا؛ فلا حجر نطق بلقب “سليمان”، ولا نقش خلّد بناء الهيكل الأول. هنا تنقسم الرؤى: هل نحن أمام “أسطورة أدبية” صيغت لاحقًا، أم أمام “حقيقة تاريخية” سُحقت تحت سنابك الغزاة وعوامل الهدم المتكرر التي لم تترك للقلم الأثري ما يدونه؟
في طليعة المشككين يبرز المفكر السوري فراس سواح، الذي لا ينكر وجود المدينة، بل ينكر “صورة الإمبراطورية”. يرى سواح أن أورشليم في القرن العاشر قبل الميلاد كانت مجرد بلدة جبلية متواضعة، لا تمتلك القاعدة الاقتصادية ولا الكثافة السكانية التي تسمح ببناء صرح كالذي وصفه سفر الملوك. غرض سواح هو “تفكيك التضخيم التوراتي”، معتبرًا أن “سليمان التاريخي” كان زعيمًا محليًا، وأن الهيكل العظيم هو “إسقاط أدبي” صاغه كهنة بابل في العصور المتأخرة ليمنحوا شعبهم هوية وجلالًا مفقودًا.
كما ذهب تيار آخر من المفكرين بعيدًا عن فلسطين تمامًا، متبنيًا نظرية “الجغرافيا البديلة”. زعم كمال الصليبي ومن بعده فاضل الربيعي أن أحداث التوراة وموقع الهيكل الحقيقي يقعان في جنوب جزيرة العرب (اليمن وعسير). استند هؤلاء إلى تشابه الأسماء اللغوية، محاولين إثبات أن “أورشليم” الفلسطينية هي “إسقاط جغرافي” متأخر. غرض هذا التيار هو سحب بساط “الحق التاريخي” من تحت أقدام الحركة الصهيونية، لكنهم في المقابل اصطدموا بصمت الآثار اليمنية أيضًا، التي لم تمنحهم نقشًا واحدًا يؤيد صعود سليمان أو هيكله هناك.
وتبنى علماء آثار مثل إسرائيل فينكلشتاين رؤية تقول إن الهيكل الأول لم يكن سوى “مزار ملكي” صغير، وأن قصص الذهب والاتساع هي “بروباجندا” سياسية كُتبت في عهد الملك “يوشيا” لتوحيد عبادة اليهود في مكان واحد تحت سلطته. هذه المدرسة تحول الهيكل من “حقيقة فيزيائية” إلى “أداة سياسية”، وتعتبر أن صمت الآثار هو الدليل القاطع على أن النصوص كانت تبالغ في وصف بناء لم يره أحد بمثل تلك الضخامة.
في المقابل، يقف المدلول الديني صامدًا؛ فالدين لا يبحث عن “كربون 14” ليؤمن، بل يبحث عن “المعنى”. هيكل سليمان في الوجدان الديني ليس مجرد حجارة، بل هو “نقطة الوصل” بين السماء والأرض. صمت الآثار لا يعني العدم، فالتاريخ يخبرنا أن القدس دُمرت كليًا أكثر من 20 مرة، وأن تحويل المدينة إلى “إيليا كابيتولينا” الرومانية مسح ملامحها القديمة. بالنسبة للمؤمن، شهادة الأنبياء وتواتر الرواية هي “أثر روحي” أقوى من الأحجار الصماء التي قد تُسرق أو تُطمر.
عندما نصل إلى العهد الجديد، نجد أن “الهيكل” انتقل من كونه مادة للجدل الأثري إلى كونه “عقيدة حية”. لقد أقرّ السيد المسيح بوجود الهيكل المادي (هيكل هيرودس الذي كان قائمًا حينها)، لكنه طرح “البديل الروحي”. لم يعد الربط معلقًا بمدى ضخامة أحجار سليمان، بل بكون المسيح هو “الهيكل الحقيقي”. هنا تلاشت أهمية “الحجر”؛ فسواء كان الهيكل الأول ضخمًا أو متواضعًا، فقد انتهت وظيفته لاهوتيًا بانشقاق الحجاب، ليصبح “الإنسان” هو الهيكل الجديد الذي يسكنه الروح.
وفي رأي كاتب المقال، أن وجود هيكل هيرودس لهو خير دليل على وجود سلسال ديني ممتد للوراء، يذكره بالتواتر شعب إسرائيل وقت المسيح، والحوار المسجل للمسيح حول عظمة هيكل سليمان لهو دليل كافٍ على وجوده.
بعيدًا عن المعامل، هناك حقيقة “التواتر”؛ إن وجود عبادة منظمة وطقوس ذبائحية ممتدة لقرون يشير بالضرورة إلى وجود “مركز” لهذه العبادة. إن نفي وجود الهيكل تمامًا يتطلب نفي تاريخ كامل من الأدب والشعر والنبوءات التي تشكلت حوله. التاريخ لا يُبنى فقط من الأحجار، بل من “الذاكرة الجمعية” للشعوب، وهذه الذاكرة في القدس متصلة وممتدة، ولا يمكن تفسير نشأة المسيحية نفسها دون وجود “خلفية الهيكل” التي جاء المسيح ليتممها ويهدم جدرانها المادية.
ختامًا، يظل الهيكل “آية” للمؤمن و”علامة استفهام” لرجال الآثار. ولكن، حتى لو انتصر “صمت التراب” على “صراخ النصوص”، فإن ذلك لا يغير من الحقيقة اللاهوتية شيئًا؛ فالهيكل المادي كان دائمًا “ظلًا” لأمور عتيدة. لقد تحول الهيكل من جغرافيا “جبل المريا” ليصبح لاهوت “كل الأرض”، ومن كونه بناءً يسكنه الله، إلى كون الإنسان بناءً يسكن فيه الله. إن البحث عن الهيكل في التراب قد يخذل الباحثين، لكن البحث عنه في “الروح” هو الذي يمنح الإيمان يقينه الذي لا يتزعزع.