21.4 C
Cairo
الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيهل تصلح المعجزات حجة لإثبات وجود الله؟

هل تصلح المعجزات حجة لإثبات وجود الله؟

داني سمارنه

متى يمكن حسبان حدث ما معجزة يمكن توثيقها؟ ومتى لا ينبغي حسبانه كذلك؟

المعجزة هي واقعة استثنائية شاذة غير اعتيادية حدثت في مكان وزمان ما، ولأشخاص محددين يمكن التحقق من هويتهم، ولتحقيق غاية ما يمكن رصدها وتوثيقها دون القدرة على تفسيرها إلا على أساس تدخُّل فائق للطبيعة.

وما دامت شهادة مَنْ عاينوا الواقعة تُعد نقطة محورية في هذه الحجة لا يمكن تجاوزه، يصبح من غير المستبعد حدوث تدخلات فائقة للطبيعة أثَّرت في مجريات الأحداث في إطار المكان والزمان، ويدلل هذا على وجود كيان مقتدر يقع خلف كل شيء.

أعلم يقينًا التعقيد الكامن في استخدام هذه الحجة في التدليل على وجود الله الذي يقع خلف تلك الأحداث الفائقة للطبيعة، والتي يدَّعي المؤمن حدوثها بوسائل عدة؛ فهي لا تُستخدم مع الآخر ذي التفكير المادي الذي يرفض مسبقًا أي تلميح ميتافيزيقي أو فائق للطبيعة. فالحديث بشأن معجزة من نوع ما حدثت هناك في زمان ومكان معينين لا يُعد من المنهجيات المقبولة على نطاق واسع في أوساطنا الحديثة التكنوقراطية.

ورغم ذلك، فأعتقد أننا أمام حجة قوية جرت صياغتها بعناية وإحكام. وقبل التعمق في المقدمات الخاصة بهذه الحجة واستدلالها النهائي، علينا أولًا تعريف ميكانيكية عمل المعجزات حتى يتسنى لنا استيعاب هذه الحجة.

التعبير عن المعجزات: القوات والعجائب والآيات

هنا في كلمات الرسول بطرس تصريحات مميزة تتحرك فيها الألفاظ بوضوح وشمولية، فيقول في معرض خطابه من سفر أعمال الرسل الإصحاح 2، والعدد 22: “أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضًا تعلمون”.

وهذه ألفاظ تؤكد دلالات قوية يجب توضيحها بجزيئاتها قبل التعمق في مضمون الحجة، إذ أعتقد أنه يمكن أن تُعد هذه الصفات الدلالية الثلاث إطارات متنوعة للمعجزة في صيغتها الوجودية.

قوات (Dunamis): إحدى الكلمات الخاصة التي يستخدمها النص المقدس لتأكيد أن هناك أعمالًا تحتاج إلى قوة تفوق قدرة الإنسان الطبيعي، وتتجاوز إمكاناتنا المحدودة في الإطارات المادية. ويبدو هذا صريحًا في وصف السيد المسيح المعجزات الإلهية بالقوات قائلًا في إنجيل متى: “حينئذ ابتدأ يوبخ المدن التي صُنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تتب: «ويل لك يا كورزين! ويل لك يا بيت صيدا! لأنه لو صُنعت في صور وصيداء القوات المصنوعة فيكما، لتابتا قديمًا في المسوح والرماد. ولكن أقول لكم: إن صور وصيداء تكون لهما حالة أكثر احتمالًا يوم الدين مما لكما. وأنت يا كفرناحوم المرتفعة إلى السماء! ستهبطين إلى الهاوية. لأنه لو صنعت في سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم»”. وقال عن الذين يصنعون المعجزات باسمه ويرتدون: “كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب! أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟” (مت7: 22). وقال عنه اليهود أهل وطنه: “ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا: «من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟»” (مت13: 54).

عجائب (Terata): تشير هذه الكلمة إلى الدهشة التي تجتاح الجميع عند معاينتهم للمعجزة في سياقاتها المختلفة. فتلك الأعمال غير الاعتيادية تثير العجب والانبهار والروعة والحيرة والخوف في الوقت نفسه. فإن حدثت المعجزات، فستجتاح الرهبة قلوبنا والفرح وجداننا والخوف من الصدمة. وتتضمن تلك الأحداث ما هو أكثر من مجرد حدث فائق للطبيعة يُظهِر قدرة استثنائية، بل لها مدلول أبعد من الأعمال نفسها، وهو الدهشة التي تولدها تلك الأحداث في أذهان معاينيها.

آيات (Semeion): هي من الكلمات الخاصة التي تُستخدم بوصفها إشارة إلى موضوع ما أعمق من مجرد الحدث المبهر. فهي تدل على أن حدثًا ما فائقًا للطبيعة وقع ليؤكد حقيقة ما بعينها تقع خلف الحدث والأحداث الشخوص والنيات والمفاهيم والزمان والمكان، إذ يمكن حسبان أن هذا اللفظ يشير إلى الغرض النهائي للمعجزة والغاية العظمى مما يحدث من تسلسل الأحداث وتوقيتها. وهذا ما يمكن أن نراه بوضوح في طلب اليهود آية من السيد المسيح في إنجيل متى الإصحاح الثاني عشر: “حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: «يا معلم، نريد أن نرى منك آية». فأجاب وقال لهم: «جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي”. كما يقول أيضًا في الإصحاح السادس عشر: “وجاء إليه الفريسيون والصدوقيون ليجربوه، فسألوه أن يريهم آية من السماء.” ويقول أيضًا لوقا في الإصحاح الثالث والعشرون: “وأما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جدًا، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه، لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يري آية تصنع منه”.

أما عن طبيعة عمل المعجزات في مضمونها اللغوي السابق، فهي تتحرك أحيانًا بصورة ديناميكية بواسطة القوانين الطبيعية وأحيانًا بتجاوزها. أعلم أن مثل هذه التصريحات قد تُغضِب بعض القراء معتقدين أن هذه الحجة لا ترتقي إلى أدنى مستويات الموضوعية؛ فهم يرون أن هذه التصريحات ليست سوى “شطحات” وجدانية وهلوسات وأوهام لا يمكن تبريرها بتاتًا على يد مَنْ يؤمنون بوجود إله من نوع ما يحكم العالم بطريقة غيبية.

المنهجيات المستخدمة من قِبل الله لإتمام المعجزة في سياقاتها المختلفة

إن قضية المعجزات قضية تابعة لقضية أكبر منها تسبقها. فالقضية ليست المعجزات بحد ذاتها، بل هي وجود كيان إلهي متسامٍ من عدمه؛ فإن كان هناك إله، تصبح المعجزات تصورات مقبولة متوقعة بل مطلوبة في إطارات وسياقات مختلفة. فأنا شخصيًا لا أستخدم هذه الحجة لإثبات وجود الكيان الإلهي، بل أستخدمها بوصفها دليلًا على وجوده، وهذا فرق كبير ينبغي إدراكه في إطار الاستخدام والتطبيق. فالله يدير شؤون الكون والطبيعة والحياة بمنهجيتين شاملتين لكل منهما خصوصية يمكن إدراكها وجوديًا.

فمن ناحية، هو يدير كل شيء في الكون المؤطر بالزمان والمكان والمادة والطاقة بواسطة تلك القوانين الطبيعية التي وضعها هو بنفسه لتسيير الأنماط الحياتية بصورتها الموضوعية المنطقية المقبولة من عقولنا، مع التشديد على أن هذه القوانين لم تُفرض على الله، أو أُجبر على استخدامها، بل هي تمثله في إطار الانضباط والانسجام والتناسق والاتساق. وهو مَنْ اتخذ القرار بإدارة كل شيء بواسطة تلك القوانين المحكمة.

ومن المهم التشديد أن الإنجاز البشري المزدهر في استخدام العلوم لا يمثل تهديدًا للمكانة الإلهية بتاتًا، لكنه يُعد امتدادًا صريحًا مباشرًا للعناية الإلهية، إذ يمكن حسبانه شكلًا من أشكال التفويض الإلهي للإنسان الذي أهله الله أن يكون متسلطًا فاهمًا مفكرًا مُدركًا واعيًا لكل القوانين الطبيعية الكامنة في الطبيعة.

ومن ناحية أخرى، يمتلك الحق في تدخلات مباشرة في كل شيء، وهو الإله المتداخل في كل جوانب الحياة.

بكلمات أخرى، يدير الله كل التفاصيل على مستوى الكون والطبيعة الحياة بواسطة القوانين الحكيمة التي وضعها بحكمته المتسامية، فكان لنا هذا الانتظام والنظام والغاية والتصميم الغائي. لكنه في الوقت ذاته يتداخل في حياتنا بأساليب معجزية بصور وأنماط مختلفة، فنعاين ما نسميه المعجزات، وهي وقائع يمكن رصدها ومعاينتها بواسطة تلك القوانين الطبيعية التي وضعها الله، أو يتجاوزها كما سنشرح لاحقًا.

إن لله القدير كل الحق أن يصنع معجزة ما بواسطة القوانين الطبيعية بضبط ارتباطاتها معًا لتحقيق غاية إلهية ما، وهذا تصريح تقني يحتاج إلى الكثير من الوعي في المعالجة، أو بتنظيم توقيتاتها ما سيؤدي إلى إعجاز مبهر، أو بتدبير حكيم لها لتعمل معًا، فيحدث ما يسمى المعجزة، أو باستخدامها الحكيم ضمن إطاراتها.

في المقابل، تتحرك بعض المعجزات الأخرى وتحدث ونعاينها بتجاوز القوانين الطبيعية التي وضعها الله. فالله، وهو المسبب الأول، لا يزال يحتفظ بحقه في التدخل المباشر في الكون والطبيعة والحياة. فكثيرًا ما يصنع الله معجزاته بتعطيل بعض القوانين الطبيعية الاعتيادية دون تدمير بنيتها واتساقها، أو بتفعيل بعض القوانين الطبيعة الاعتيادية دون هدم ديمومتها وتجانسها، أو بإضافة قانون طبيعي غير معروف لنا.

ولن أقدم المزيد من الأمثلة في هذا السياق؛ لأنه ليس موضوعًا أساسيًا، لكني رأيتُ أن من المفيد مراجعة ماهية المعجزات باختصار في إطار اللغة والميكانيكية.

البنية التركيبية للحجة

بعد التطرق إلى المفردات المستخدمة في هذا السياق، وإلى بعض المنهجيات المستخدمة من قِبل الله لإتمام المعجزة في سياقاتها المختلفة، إما بالقوانين الطبيعية وإما بتجاوزها. وسنبدأ بمعالجة هذه الحجة بمقدماتها الأساسية التي ستنتهي بنتيجة منطقية على النحو الآتي.

المقدمة الأولى

المعجزة هي حدث استثنائي يقع في مكان وزمان ولأناس بعينهم بأسلوب يفهمونها ويدركونها. ويجب أن يكون حدثًا محددًا مؤطرًا لتحقيق غاية ما يمكن رصدها وتوثيقها، أي أنه حدث استثنائي عن الطبيعة، أو عن تحرك الطبيعة النمطي المتكرر. ولا يمكن تفسير هذا الحدث إلا على أساس تدخُّل مباشر من قوة فائقة للطبيعة يحسبها المؤمنون تدخلات إلهية في حياة البشر.

المقدمة الثانية

هناك الكثير من المعجزات التي يمكن توثيق حدوثها بشهادة الأشخاص المعنيين والذين يمكن احترام شهاداتهم الشخصية بوصفها دليلًا قويًا لا يمكن تجاهله.

وهنا تحضر عبارة قضائية تتسيد الأحكام القانونية: “الاعتراف سيد الأدلة”؛ فالشهادة الشخصية الصحيحة ضمن الوقائع لأحدهم تفوق بما لا يقاس أي دليل آخر في الحدث مدار البحث من جهة مضمونه ومدى صدق حدوثه.

النتيجة

يبدو أنه من الضروري وجود كيان شخصي مقتدر ذي سمات متسامية يكون قادرًا على صنع المعجزات في إطاراتها الوجودية بتدخلات مباشرة أو غير مباشرة في الحدث المحدد في إطار الزمان والمكان. وهذا الكيان المقتدر هو الله بحسب التصور المسيحي.

وأود هنا التأكيد أنني لا أعتمد على هذه الحجة لإثبات وجود الله، بل هي دليل على وجوده.

والسؤال المحوري في هذا التصريح الدقيق: متى يمكن حسبان ذلك الحدث معجزة ما بعينها يمكن توثيقها؟ ومتى لا ينبغي حسبانه كذلك؟ لأن هناك تداعيات جدية لهذا الاستدلال. فإن كانت المعجزات قد وقعت حقًا وجرى توثيق حدوثها بحسب المعايير، فسوف يستدعي هذا بالضرورة وجود تفسير من نوع ما، والله أفضل تفسير لها من وجهة نظري.

لكن إن لم يجرِ الاعتراف بذلك الحدث بوصفه معجزة فائقة للطبيعة، فلن يكون متسقًا المطالبة بضرورة وجود كيان شخصي مقتدر لتفسير ما حدث، لأنه لم يحدث ما يستدعي ضرورة التفسير. وهنا تكمن أهمية فهم الكيفية التي يجب اعتمادها لتوثيق حدث ما بعينه وتصنيفه بوصفه حدثًا استثنائيًا، أو حسبانه مجرد حدث قابل للتفسير بطريقة عادية بحسب تصوراتنا البشرية الاعتيادية.

ومن المهم تذكُّر أن الموقف المبدئي بحسب الخبرة الإنسانية الاعتيادية المتكررة هو حسبان كل حدث يقع في إطار الكون حدثًا طبيعيًا خاضعًا للقوانين الطبيعية، ويمكن تفسيره باستخدامها. لذا، فإن كل الأحداث هي طبيعية إلى أن يثبت خلاف ذلك.

فما يجعل تلك الأحداث غير طبيعية، أو فائقة للطبيعة، هو خروجها عن المألوف إما بالقوانين الطبيعية بواسطة ضبط ارتباطاتها وتنظيم توقيتاتها وتدبير حكيم لعملها، وإما بتجاوز تلك القوانين بتعطيلها دون تدميرها، وتفعيلها دون هدم ديمومتها، وإضافة قانون غير معروف إليها.

وهكذا نصفها بأنها أحداث معجزية أو فائقة للطبيعة إن انطبقت عليها السمات التي تثير الدهشة لتُنتج في عقولنا رغبة صريحة في التفسير أو تقدير أفضل تفسير.

وألفت انتباهكم إلى أنني لا أتحدث بشأن التصريحات الاعتباطية التي تطلق على أحداث عادية حاسبة إياها معجزية دون أية موضوعية. لذلك كان الحديث بشأن الكيفية التي ينبغي فيها تصنيف ذلك الحدث على أنه معجزة من نوع ما أو مجرد حدث عادي، هو حديث غاية في الأهمية في مضمون حُجتنا هذه.

معجزات أم مجرد أحادث عادية

وفي السياق نفسه، هناك الكثير من الأحداث القوية في تأثيرها والمذهلة في حدوثها إلا أنه يمكن تصنيفها على أنها معجزات فائقة للطبيعة. وذلك لأسباب كثيرة، ومن أهمها:

السبب الأول: إمكانية التفسير بواسطة القوانين الطبيعية الاعتيادية في تبعيتها وتوقيتها في إطار عملها المباشر. علمًا بأن عمل القوانين الطبيعية بهذه المنهجية لا يثير أية دهشة أو ريبة بتاتًا، أو فضول بمعرفة السبب الحقيقي الذي يقف وراء ذلك الحدث كما وقع وجوديًا.

وقد تحضر في أذهاننا الآن أحداث حُسبت معجزية بسبب محدودية العلوم، أو بسبب فهم مغلوط لأفكار كانت سائدة في حينه، مثل مركزية الأرض في النظام الشمسي، أو أزلية الكون، أو ثبات الزمان في كل المنظومة الكونية، وغيرها. ثم جاءت العلوم الحديثة لتنسف كل تلك التصنيفات.

على هذا الأساس، كان البحث في كيفية تصنيفنا لتلك الأحداث على أنها معجزات أم لا مسألة محورية. فليس كل حدث معجزة لمجرد أنه مبهر بطريقة ما. فقد يكون الأمر هو غياب التفسير في حينه، أو بسبب انعدام الأدوات المناسبة للبحث، أو الجهل بالقوانين المحركة والمسيرة لمجريات الأحداث.

ويمكن أيضًا أن تكون المعجزات جراء تدخل قوى إلهية صالحة أو قوى شريرة ولغاية شريرة. فنقرأ مثلًا في سفر الرؤيا الآتي: “ويصنع آيات عظيمة، حتى إنه يجعل نارًا تنزل من السماء على الأرض قدام الناس، ويضل الساكنين على الأرض بالآيات التي أعطي أن يصنعها أمام الوحش، قائلًا للساكنين على الأرض أن يصنعوا صورة للوحش الذي كان به جرح السيف وعاش” (رؤيا 13)، ويقول أيضًا: “فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات، تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة، لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم، يوم الله القادر على كل شيء” (رؤيا 16).

وبناءً على ما سبق، فإن قضية المعجزات هي ليست القضية الأهم، بل وجود كيان إلهي متسامٍ من عدمه هو أساس الحجة؛ لأنه إن وُجِدَ إله مقتدر حاكم لكل التفاصيل، فستصبح تلك الأحداث ممكنة الحدوث.

السبب الثاني: ومما ينزع عن الحدث إعجازه هو عدم وجود أي ارتباط إيماني بالحدث مدار البحث؛ فغياب الارتباط الروحي بالحدث مجرد أمر عادي بلا استثناء. إذ قدم لنا الفيلسوفان بيتر كريفت ورونالد تاكيلي مثلًا دقيقًا ذكرته بتصرف ليصبح أكثر ارتباطًا بواقعنا الشرق أوسطي ليعطي صورة دقيقة عما نعنيه بالسبب الثاني، أي ارتباط الحدث بالإطار الروحي وإلا فقد أي دلالات معجزية.

ماذا لو توقف أحدهم في وسط مكتظة بالمارة وقال أمام الجميع: “إنني أحذركم من الاستمرار في حياتكم بهذه الطريقة غير الأخلاقية التي يرفضها الله؛ فالله غير راضٍ عما تفعلون. وكي أؤكد لكم صدق رسالتي وحقيقة مصدرها، ستمطر عليكم السماء ماء أحمر”؟ وبعد أقل من دقيقة، انهمر المطر الأحمر على الناس على نحو واضح لا لبس فيه، وعاينه كثيرون بخبرات شخصية يمكن توثيقها. عندها سنعتقد تلقائيًا، دون مبالغة أو إقحام، أن معجزة حدثت على يد ذلك الشخص دون أدنى تردد، وذلك بسبب الارتباط ما بين الحدث بصيغته الوجودية والطرح الروحي الذي سبقه بحسب تصريحات ذلك الإنسان وسط السوق على مرأى الجميع ومسمعهم.

لسنا مضطرين لأن نكون مؤمنين بوجود إلهي من نوع ما حتى تتكون في أذهاننا فكرة أن ما حدث هو معجزة. لكن وجود هذا السياق والإطار الروحي وانهمار المطر الأحمر بعد تحذيرات ذلك الرجل في السوق هو ما جعل فكرة المعجزة أقرب التفسيرات التلقائية المقبولة لما حدث.

ولو كانت تحذيرات ذلك الرجل تقابل حياة حافلة بالخطية لصاحب التصريحات، سنصدقه جميعًا حاسبين أن الله موجود وقد تكلم بقوة فائقة للطبيعة لا يمكن إنكارها، أي أن ما حدث هناك هو معجزة من عند الله، ولن نقبل أي اعتراض من أحد بأن ما جرى هو مجرد خداع (Deception) أو صدفة استثنائية (Extraordinary coincidence)، بل معجزة موثقة دون أدنى شك. ويؤكد هذا أن الإطار الذي يقع فيه الحدث الفائق للطبيعة مهم جدًا للتصنيف العام للأحداث.

علاوة على الإطار الروحي الذي له التأثير الأكبر في تصنيف الأحداث على أنها معجزات، هناك محوران آخران غاية في الأهمية في توثيق الحدث وتصنيفه على أنه معجزة: شخصية المتحدث والرسالة من وراء الحدث. ويمكن أن نلاحظ هذا جليًا في تلك الأحداث التي جرى تصنيفها على أنها معجزات في العهد الجديد.

فإن أية محاولة لسلخ يسوع المسيح أو تلاميذه والرسالة التي يقدمونها من تلك الأحداث تُسقِط صبغة المعجزة عن تلك الأحداث ليحل محلها تصنيف آخر يجعل تلك الأحداث مجرد أحداث غريبة.

فالشخصيات المحورية في تلك الأحداث التي تجري في إطار روحي ما يجب أن تكون ذات سلطة أخلاقية خاصة تميز ذلك الإنسان لتجعل من الحدث معجزة بالمعنى السليم الذي نتناوله به. كما أن رسالة الموضوع مدار البحث لها أهمية كبرى في تحديد نسق الحدث وتصنيفه؛ فليست المعجزات أحداثًا للترفيه أو التباهي أو الانتقام أو التسلية أو الإبهار وإثارة الدهشة أو لمجرد الاستعراض، بل المعجزة، وكل معجزة، تمتلك غاية وقضية محورية في الحياة تحاول تأكيدها أو استردادها أو افتداءها.

وعليه فغرابة الحدث فقط لا تكفي لتجعل من الحدث معجزة بالمعنى الحقيقي السليم، بل نحن نحتاج إلى ذلك الإطار الروحي والشخص المحوري في الحدث ورسالة الحدث كي نكون مستعدين لاستبعاد أي سبب مرجح من داخل النظام الكوني الطبيعي.

فما يدهش عند قراءة الكتاب المقدس ليس فقط الحدث الفائق للطبيعة بحد ذاته أو مدى غرابته، بل ذلك الإطار الروحي الذي تم فيه الحدث، وشخصية الرب يسوع أو تلاميذه، والرسالة التي هي موضوع الحدث نفسه. وتلك المحاور الثلاثة هي ما يفرض علينا أن نتعامل مع تلك الأحداث بوصفها معجزات وليس مجرد أحداث عادية أو غريبة أو مدهشة.

المضمون الأقوى للمعجزات

ويعني هذا ضمنيًا أن المضمون الأقوى للمعجزات ليس المعجزات بحد ذاتها، بل معاينة تفاعل الله في الحدث ضمن إطار روحي خاص مباشر للمتلقين، وشخصية ذات سلطة تحرك الأحداث، ورسالة حقيقية ذات ارتباط بالواقع الإنساني يمكن إدراكها. وعليه ستتحرك عقولنا تلقائيًا ومباشرةً من التركيز على الحدث وتفاصيله إلى المضمون الحقيقي الذي يريد الحدث إيصاله.

ونصل هنا إلى تلك النقطة المحورية الأخيرة التي تساعدنا على تكوين إدراك واعٍ وتمييز دقيق لمضمون ذلك الحدث مدار البحث. إنه الناتج النهائي لذلك الحدث الذي صُنِّف على أنه معجزة. وهكذا تصير المحاور التوثيقية للمعجزة هي الإطار الروحي والشخص والرسالة والناتج النهائي.

ومن الواجب التشديد هنا على أن المجد في حالة المعجزات يجب أن يكون لله وحده في إطار صريح وناتج حتمي لذلك الحدث، وليس للإنسان أو الرسالة أو الحدث نفسه، وهنا تتمايز الأحداث بعضها من بعض، وهكذا تكون المعجزات.

الموضوع النهائي إذًا الذي يعطي أي حدث صلاحية أن يكون معجزة أم لا هو “استعلان تدخل الله بطريقة ما”. وما دامت الأحداث المعجزية قد وقعت بتلك الصيغة التي ناقشناها آنفًا، فيعني هذا ضمنيًا ضرورة وجود مُسبب لها يبرر حدوثها بذلك الإتقان والانسجام والتداخل الأنيق.

وأكثر الأسباب اتساقًا ومنطقية في هذا السياق هو وجود كيان إلهي كلي الصلاح والعلم والقدرة تدخَّل بطريقة ما ليخلق لنا حالة استثنائية تمتلك في ذاتها غاية وضرورية لحياتنا يعود فيها المجد والكرامة إليه.

ولإيصال الغاية بكل مضامينها، كان لا بد من إطار روحي يحكم تلك الأحداث، وشخصية أساسية تصنع الحدث، ورسالة صريحة تؤكد موثوقية المصدر، مع التشديد على أن هذه الحجة تُعد علامة قوية ذكية لخلق حوار قوي حول وجود الله، وليست دليلًا دامغًا على وجود الله.

المقاله السابقة
المقالة القادمة
مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا