هايدي حنا
من قريب كنت أشاهد حلقة لمسلسل اسمه “للأذكياء فقط”، كان هدفها أهمية التعبير عن مشاعرنا بتشجيع الآخرين، وذلك من خلال إقامة تجربة على ثلاثة أشخاص. هذه التجربة هي جعل أذهانهم كأنها بطارية للمشاعر يتم شحنها بكلمات الامتنان والتشجيع، شرط أن تكون نابعة من القلب، ولو هذه البطارية لم يتم شحنها بتلك الكلمات ستكون النتيجة هي تبلُّد مشاعرهم.
عندما بدأ أبطالنا التجربة توقعوا أن يكون الأمر سهلًا، لكن للأسف اكتشفوا أنه لا يوجد أحد يعبر عن مشاعره بالامتنان تجاه غيره. حاولوا كثيرًا لكن بدون فائدة، وذلك لأنه إما الآخرون مشغولون أو غير معتادين… ووصلت محاولتهم إلى أن:
أحدهم اشترى شوكولاتة لأخته قائلًا: “ألن تقولي لي كلمة حلوة؟”، فكان ردها: “أنت مسافر؟”، فأجاب: “لا”، عندها كانت إجابتها له: “خلاص ليه عايز أقولك كلمة حلوة!”.
أما الآخر فقد حاول المساعدة بأن يحمل “شنطة الخضار” عن امرأة مُسنَّة، لعله يسمع منها كلمة تشجيع وامتنان، لكن كانت النتيجة أنها خافت منه واعتقدت أنه حرامي يرغب في سرقتها، وأخذت تصرخ لينقذها الناس منه.
أما الثالث فقد حاول شراء هذه الكلمات بالمال، فكان يعرض المال على الآخرين، والنتيجة أيضًا سلبية لأنهم اعتقدوا أنه مجنون.
ثم أخيرًا حاول الثلاثة تشجيع بعضهم بعضًا، لكن المشكلة أن هذه الكلمات لم تكن من القلب، بل كان هدفها هو شحن بطارية أذهانهم.. ففشلت التجربة.
وعلى قدر أن الحلقة كانت في إطار كوميدي، لكنها في الحقيقة كانت مؤلمة؛ لأنها تعكس حال مجتمع لم يتعود على التعبير عن مشاعر الامتنان والتشجيع، في الوقت الذي يسهل عليه إلقاء كلمات النقد اللاذع والاعتراض…. فما هو سبب هذا؟
غياب القدوة: فغياب كلمات التشجيع والامتنان من الوالدين يجعل الأطفال نسخة من والديهم، لم يتعودوا على التعبير عن مشاعرهم بالامتنان؛ لأنهم ببساطة لم يكن لديهم مثل أعلى “قدوة” يعلمهم هذه الكلمات.
الاعتقاد بأن التشجيع غير ضروري: فالذي يقوم به الآخر واجب عليه: الأم تقوم بالتنظيف وإعداد الطعام…، الأب يتعب في عمله من أجل تسديد احتياجات الأسرة…، الموظف الذي ينهي أوراق المواطن، عامل النظافة الذي يقوم بجمع القمامة، حارس العمارة الذي يسدد احتياجات الساكنين… كل هؤلاء يعتقد البعض أنهم لا يستحقون الشكر والتشجيع لأنهم يقومون بدورهم، واجبهم… لذا لا شكر على واجب.
قلة الوعي بتأثير التشجيع: خاصة إن كان لم يختبر تأثيرها على نفسه من والديه ومجتمعه.
الاعتقاد أن السلوك يكفي والكلام غير هام: مثلًا.. طالما أكلت وجبتك كاملة يعني هذا أن الطعام أعجبك بدون التعبير عن ذلك؛ طالما المدير لم يعلق أي تعليق سلبي على عمل الموظف فهذا يعني أنه راضٍ عنه بدون التعبير عن هذا، أو أننا كأصدقاء، أحباء، أسرة… لا نحتاج لهذه الكلمات، يكفي التعامل الحلو بدون كلام.
الاستسلام أن هذه طبيعته وغير قابلة للتغيير وعلى الجميع قبوله كما هو: وهذا أصعب سبب؛ لأن صاحبه لا يعترف من الأساس بأن هذه مشكلة ويحتاج إلى تعديلها، بل ويطالب الآخرين بقبولها.
ما أهمية التعبير عن مشاعر الامتنان والتشجيع؟
بالنسبة للشخص الذي تشجعه.. فهذه الكلمات تعمل على:
تعزيز ثقته بنفسه: مما يجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات، فتكون دافعًا للوصول لهدفه الذي يسعى إليه.
التشجيع في العمل يحفز على المزيد من العمل والإنتاج: لشعوره بالتقدير من المسؤول، مما يجعله يبذل أقصى جهد ليكون عند حسن ظنه.
بالنسبة للعلاقات بصفة عامة، فهي تعمل على تحسين التواصل مع الآخر؛ حيث إن كلمات التشجيع تساعد على إزالة التوتر الموجود في العلاقات، مما يؤثر بصورة إيجابية على الحوار ليكون أكثر انفتاحًا.
لذا عليك التدريب على لغة التعبير عن مشاعر الامتنان والتشجيع وعدم التأجيل، وذلك من خلال:
جدد ذهنك بأهمية التعبير عن مشاعرك الإيجابية، وإدراك أن الفعل وحده لا يكفي، بل الكلمات مهمة ولها تأثير قوي على الآخر وعلى علاقتك به كما سبق وأشرت.
استخدام كلمات بسيطة لكن من القلب، فليس المطلوب منك أن تقول كلامًا منمقًا، لكن عبِّر عن المشاعر التي بداخلك فعلًا، فجمال هذه الكلمات وتأثيرها أن تكون من القلب مهما كانت بسيطة، مثل: “أنا فخور بيك، شكرًا لتعبك، وجودك في الوقت ده فرق معايا، شكرًا لأنك سمعتني….” مثل تلك الكلمات تبدو بسيطة لكن تأثيرها قوي جدًا على الآخر وعلى علاقتك به.
في حال أنك لم تعبر عن مشاعرك هذه من قبل، عليك تدريب نفسك بالتدريج، فمثلًا ابدأ بكتابة رسالة خاصة بها كلمات مُشجعة له، أو في مكالمة تليفونية… وهكذا حتى تستطيع التعبير عن مشاعرك بالكلام المباشر للآخر.
لا تضع أمامك ضغوط الحياة ومشغولياتك والإنهاك النفسي والجسدي كعائق للتعبير عن مشاعرك هذه، على العكس فكلماتك هذه تسعد غيرك، وهذه السعادة سوف تنتقل لك، هذا بالإضافة إلى أن هذه الكلمات سوف تجعلك ترى الجانب الإيجابي الذي في حياتك، مما يؤثر عليك وعلى نظرتك للضغوط التي تمر بها.
مهما كان انطباعك أن ما يقوم به الآخر هو واجب، عمله… لذا “لا شكر على واجب”، عليك تغيير هذا الاتجاه من الفكر، فالإنسان يحتاج لكلمات تقدير، كلمات تجعله يشعر أنه “متشاف”، حتى لو كان ما يقوم به واجبًا أو عملًا… فهذه الكلمات ترفع من ثقته بنفسه وكذلك من روحه المعنوية، فتجعله يقدم المزيد بمحبة وليس عن اضطرار، لأنه يوجد مَنْ يراه ويشعر بتعبه؛ والجدير بالذكر أن هذه الفئة هي أكثر فئة تحتاج للتشجيع والتقدير.
كان بولس الرسول مثالًا لنا في التعبير عن مشاعره بالامتنان والتشجيع… على سبيل المثال لا الحصر:
(فيلبي 1: 3-4): “أشكر إلهي عند كل ذكري إياكم، دائمًا في كل أدعيتي، مقدمًا الطلبة لأجل جميعكم بفرح.”
(رومية 1: 8): “أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم، أن إيمانكم يُنادى به في كل العالم.”
(تسالونيكي الأولى 1: 2-3): “نشكر الله كل حين من جهة جميعكم، ذاكرين إياكم في صلواتنا، متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم، وتعب محبتكم، وصبر رجائكم”.
أخيرًا لنتعلم من السيد المسيح في التعبير عن مشاعر الامتنان والتشجيع.. ومن أهم المواقف التي تعكس هذا، موقفه مع بطرس: “فأجاب يسوع وقال له: «طوبى لك يا سمعان بن يونا، أن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات».” (متى 16: 17).