حسمت محكمة القضاء الإداري في مصر، الجدل الدائر حول فيلم «الملحد»، بعدما قضت بالسماح بعرضه وإلغاء قرار منعه، مؤكدة أن العمل حاصل على ترخيص رسمي من الرقابة على المصنفات السمعية والبصرية. كما رفضت المحكمة الدعاوى التي طالبت بوقف عرضه، واعتبرت إحداها غير مقبولة لانتفاء القرار الإداري القابل للطعن.
صدرت الأحكام برئاسة السيد المستشار الدكتور/ فتحي محمد السيد هلال، وعضوية كل من السادة المستشارين/ حسن أحمد شوقي ونوح محمد حسين ود. محمد حسن علي وأحمد جلال زكي وأحمد صلاح عمر ومحمد عبد الله مقلد، وحضور السيد المستشارمفوض الدولة/ محمد بدر الدين محمد، وأمانة سر/ وائل أحمد أحمد.
ترخيص رسمي وحيثيات قضائية واضحة
قدمت وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة مستندات رسمية تؤكد حصول الفيلم على ترخيص عرض برقم 121 لسنة 2023. وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن الدعاوى المقامة افتقرت لأي دليل يثبت الادعاءات المتداولة حول «مساس الفيلم بالدين» أو «الترويج للإلحاد»، ووصفتها بأنها «مجرد أقوال مرسلة».
وشددت المحكمة على أن الرقابة الفنية هي الجهة المختصة قانونًا بسحب ترخيص أي عمل فني إذا توافرت أسباب واضحة لذلك، وهو ما لم يثبت في الحالة المعروضة. كما أكدت أن التشريعات المنظمة للرقابة لا تجيز المنع إلا عند تعارض العمل مع الآداب العامة أو القيم الدينية أو النظام العام، بينما كشف تقرير الرقابة أن الفيلم يعرض قصة شاب يتمرّد على تشدد والده قبل أن يعود إلى الدين، من دون أي تمجيد للإلحاد.
حرية الإبداع.. مبدأ دستوري راسخ
أوضحت المحكمة أن المدعين استندوا إلى مزاعم بأن الفيلم يروّج لأفكار هدامة تهدد ثوابت المجتمع، إلا أن أوراق الدعوى جاءت خالية من أي دليل، وأن روايتهم لم تتجاوز «القول المرسل». وشددت على أن النيابة العامة ليست جهة اختصاص في تحريك الدعاوى أمام القضاء الإداري لوقف أو سحب ترخيص عمل فني، وأن للجهة الإدارية حق الرقابة وسحب الترخيص إذا وُجدت أسباب قانونية واضحة، وهو ما لم يتوافر في الحالة المعروضة.
وأكدت الحيثيات أن التشريعات المنظمة للرقابة الفنية تجيز المنع فقط عند تعارض العمل مع الآداب العامة أو القيم الدينية أو النظام العام، بينما أظهر تقرير الرقابة أن الفيلم يعرض قصة شاب تمرّد على تشدد والده قبل أن يعود للدين، دون أي تمجيد للإلحاد أو إساءة للأديان السماوية.
واستشهدت المحكمة بأحكام الدستورية العليا التي اعتبرت السينما من أهم وسائل التعبير، وأن الإبداع لا يُقيّم إلا باعتباره عملاً فنياً. كما شددت على أن حرية التعبير ليست مطلقة، لكنها لا تُقيَّد إلا بضوابط صارمة لا يتحقق منها إلا في أضيق الحدود، حفاظاً على توازن المجتمع دون مصادرة الفكر.
وردّت المحكمة على الجدل حول عنوان الفيلم مؤكدة أن مناقشة ظاهرة الإلحاد في عمل فني أمر مشروع، بل قد يساهم في كشف أسبابها والحد من آثارها. وأكدت أن ربط الإلحاد بالتشدد الديني لا يمس الدين نفسه، لأن «الدين من المتشددين براء».
وفي ختام حيثياتها، نصحت المحكمة المدعين بالنظر إلى الفيلم باعتباره عملاً فنياً يخضع لاختلاف الأذواق، مؤكدة انتفاء أي سبب قانوني يلزم الجهة الإدارية بسحب ترخيصه، لتقضي برفض الدعاوى وإلزام رافعيها بالمصروفات.إبراهيم عيسى يعلّق: السينما وسيلة للتعبير وليست تهمة
نشر الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى، مؤلف الفيلم، نصّ حيثيات الحكم عبر منصة «إكس»، مؤكدًا أن القضاء أثبت عدم وجود أي تحريض على الإلحاد في العمل، وأن السينما «من أهم وسائل التعبير»، وأن الحكم انتصار لحرية الإبداع.
ردود فعل نقدية: قرار ينتصر لحرية التعبير
رحّب الناقد الفني طارق الشناوي بقرار المحكمة، واعتبره «شجاعًا» و«منصفًا»، موضحًا أن الفيلم تعرض لمحاولات للمنع وصلت إلى إرسال نسخة منه للأزهر بهدف دفع المؤسسة الدينية للاعتراض عليه، رغم أنه ليس عملاً دينيًا.
وأشار الشناوي إلى أن تقرير الرقابة أكد سابقًا أن الفيلم لا يسيء إلى الإسلام، بل يعرض شخصية تتأثر بأفكار إلحادية وتنتهي حياتها بشكل مأساوي، وهو ما ينفي أي دعوة للإلحاد.
بداية الأزمة وتأجيل العرض
تعود الأزمة إلى أغسطس 2024 حين حدد المنتج أحمد السبكي موعدًا لعرض الفيلم، لكن الجدل اشتعل بعد نشر البرومو الدعائي، وتعرض الفيلم لموجة انتقادات واسعة قبل مشاهدته، بدعوى «الترويج لأفكار منافية للدين».
وقبل ساعات من العرض الخاص، تقرر تأجيل طرحه بعد اعتراضات رقابية على بعض المشاهد، ما دفع صناع الفيلم لإجراء تعديلات وحذف لقطات استجابة لملاحظات الرقابة، وهو ما أدى إلى تأخر عرضه.
وبالتزامن، أقام أحد المحامين دعوى قضائية للمطالبة بوقف عرض الفيلم بدعوى «الإساءة للإسلام»، لينتقل الملف إلى ساحات القضاء حتى صدور الحكم النهائي.
صناع العمل والتعديلات المطلوبة
كشف المنتج أحمد السبكي أن الفيلم خضع لجميع الإجراءات القانونية واستوفى تراخيص التصوير والعرض، مؤكدًا أن فريق العمل تجاوب مع كل ملاحظات الرقابة، ما أدى إلى تعديل وحذف عدد من المشاهد «حفاظًا على الرسالة الفنية».
طاقم الفيلم
فيلم «الملحد» من تأليف إبراهيم عيسى وإخراج محمد جمال العدل، وبطولة أحمد حاتم، محمود حميدة، شيرين رضا، نجلاء بدر، صابرين، وتارا عماد.