إعداد: نيفين عاطف مشرقي
عندما تغيب الشمس، وبدلًا من أن تستمتع بهدوء المساء، تجد نفسك محاصرًا في ضباب كثيف لا تفرق فيه بين الرصيف والهاوية. هذا ليس مجرد “ضعف نظر” عادي، بل هو التحدي اليومي الذي يواجه المصابين بـ “العشى الليلي”.
هذا الاضطراب البصري لا يعني فقدان الرؤية تمامًا، بل هو عجز العين عن التكيف مع مستويات الإضاءة المنخفضة، مما يحول أبسط المهام كقيادة السيارة ليلًا أو المشي في ممر خافت إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. فما هي الأسباب الكامنة وراء العشى الليلي؟ وهل هو مجرد نقص في الفيتامينات، أم مؤشر لخلل جيني أعمق؟
في هذا المقال، نتعرف على مفهوم العشى الليلي، أسبابه، وأعراضه، وذلك من خلال لقائنا مع الدكتور محمد جودة، استشاري العيون والليزك، وزميل كلية الجراحين الملكية والزمالة المصرية للعيون.
ماهية العشى الليلي
في البداية، أوضح د. محمد جودة أن العشى الليلي هو ضعف القدرة على الرؤية في الإضاءة الخافتة أو أثناء الليل، مع صعوبة التكيف عند الانتقال من مكان مضيء إلى مكان مظلم. وأكد أنه “عرض وليس مرضًا بحد ذاته”، وقد يكون علامة على وجود مشكلة في الشبكية أو نقص في بعض العناصر الغذائية.
تعدد الأسباب
وأشار د. محمد إلى أن أسباب العشى الليلي تتنوع، وأشهرها:
نقص فيتامين (أ): وهو عنصر أساسي لعمل خلايا الشبكية المسؤولة عن الرؤية الليلية، ونقصه يؤدي إلى ضعف الرؤية في الظلام، وقد يتطور لمشاكل أخطر.
أمراض الشبكية: مثل “التهاب الشبكية الصباغي” (Retinitis Pigmentosa)، وهي أمراض وراثية تؤثر على الخلايا الحساسة للضوء، بالإضافة إلى أمراض أخرى.
التهاب الشبكية الصباغي.. المقصود بالأزمة
واستطرد د. جودة في الحديث عن “التهاب الشبكية الصباغي”، كونه غالبًا ما يكون المقصود بالعشى الليلي في الحالات المزمنة، وهو عبارة عن مجموعة من الأمراض الوراثية التي تؤثر على خلايا الشبكية الحساسة للضوء، خاصة “الخلايا العصوية” (Rods) المسؤولة عن الرؤية الليلية والرؤية الطرفية. ويؤدي المرض إلى تدهور تدريجي في الإبصار، يبدأ بأعراض بسيطة تتطور بمرور الوقت.
وعن سبب الإصابة الرئيسي، أكد د. محمد أنه يعود لخلل جيني وراثي يؤدي إلى تلف تدريجي في خلايا الشبكية، وقد ينتقل المرض بعدة أنماط وراثية: (وراثة متنحية، وراثة سائدة، أو وراثة مرتبطة بالكروموسوم X)، ولهذا قد يظهر المرض في بعض العائلات دون غيرها.
الأعراض الشائعة
وعن الأعراض، أشار د. جودة إلى أنها تختلف من حيث الشدة وسرعة تطورها من شخص لآخر، ومن أبرزها:
1- ضعف الرؤية الليلية (العشى الليلي).
2- صعوبة التكيف مع الظلام.
3- تضييق مجال الرؤية (ما يعرف بالرؤية النفقية).
4- فقدان الرؤية الطرفية تدريجيًا.
5- في المراحل المتقدمة، قد يحدث ضعف في الرؤية المركزية.
وغالبًا ما تبدأ تلك الأعراض في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وقد تتأخر في بعض الحالات حتى سن البلوغ.
التشخيص والعلاج
شدد د. محمد جودة على أن التشخيص يعتمد على التاريخ المرضي والعائلي، وفحص قاع العين لرصد أي ترسبات صبغية مميزة، وكذلك إجراء اختبارات مجال الإبصار، ورسم كهربية الشبكية (ERG) وهو الفحص الأهم، بالإضافة إلى التحاليل الجينية لتحديد نوع الطفرة الوراثية.
أما عن طرق العلاج، فقد أكد د. محمد أنه حتى الآن لا يوجد علاج شافٍ تمامًا لالتهاب الشبكية الصباغي، لكن توجد وسائل للتعامل مع المرض وإبطاء تطوره، تتمثل في:
1- المتابعة المنتظمة: لاكتشاف المضاعفات مبكرًا مثل المياه البيضاء أو تورم مركز الإبصار.
2- العلاج الداعم: باستخدام نظارات مناسبة، وفلاتر ضوئية لتقليل الإبهار، ومساعدات بصرية للحالات المتقدمة.
3- المكملات الغذائية: في بعض الحالات يُستخدم فيتامين (أ) بجرعات محددة وتحت إشراف طبي دقيق.
4- العلاجات الحديثة: مثل العلاج الجيني لأنواع محددة، أو زراعة الشرائح الإلكترونية للشبكية.
الوقاية والنصائح
وأشار د. محمد إلى أن العشى الليلي (الوراثي) لا يمكن الوقاية التامة منه، لكن يمكن تقليل خطر انتقاله للأبناء عبر الاستشارة الوراثية والتحاليل الجينية قبل الزواج، وتجنب زواج الأقارب في العائلات المصابة.
وقدم د. جودة جملة من النصائح للمصابين، منها: المتابعة الدورية مع طبيب العيون، تجنب الإضاءة الضعيفة أثناء الحركة، استخدام إضاءة جيدة داخل المنزل، الحفاظ على نمط حياة صحي، وتقديم الدعم النفسي للمريض للتكيف مع حالته.
في الختام، يظل العشى الليلي لغزًا طبيًا يتراوح ما بين حالات بسيطة يمكن علاجها بتغيير العادات الغذائية وتعويض فيتامين (أ)، وبين حالات وراثية معقدة تتطلب رعاية طبية خاصة. إن أهم رسالة يمكننا الخروج بها هي أن “الوقاية والتشخيص المبكر” هما البوصلة الحقيقية للنجاة من تدهور البصر. فالعين ليست مجرد نافذة نرى منها العالم، بل هي جهاز حساس يحتاج منا الرعاية والانتباه لأدق الإشارات؛ فلا تتجاهل الصعوبة التي تجدها في رؤية النجوم أو المشي ليلًا، فخلف كل ظلام غامض هناك دائمًا فرصة لاستعادة وضوح الحياة، بشرط البحث عن الحل في الوقت المناسب.