15.4 C
Cairo
الأحد, فبراير 22, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيابن الإنسان: فك رموز الجوهر اللاهوتي للقب المسيح المفضل

ابن الإنسان: فك رموز الجوهر اللاهوتي للقب المسيح المفضل

في المشهد الفسيح للعهد الجديد، تبرز قلة من الألقاب بتلك الهيبة والغموض والعمق اللاهوتي الذي يحمله لقب “ابن الإنسان”. وبينما قد تقود القراءة السطحية للوهلة الأولى بعضا إلى الاعتقاد بأن هذا اللقب يركز بشكل أساسي على ميلاد الرب الجسدي وطبيعته البشرية، إلا أن الاستقصاء اللاهوتي العميق والبحث التفسيري الدقيق يكشفان عن نقيض ذلك تمامًا. فبعيدًا عن كونه مجرد تسمية تشير إلى “الإنسانية”، كان لقب “ابن الإنسان” هو التسمية الذاتية المفضلة لدى الرب يسوع المسيح، وتحديدًا بسبب ثقله اللاهوتي الهائل وجذوره الضاربة في الرؤى السماوية للعهد القديم.

ولكي نفهم السبب الكامن وراء إعطاء المسيح الأولوية لهذا اللقب، يجب علينا أن ننظر إلى ما وراء ظاهر الكلمات، لنتغلغل في قلب التوقعات “المسياوية” اليهودية والسلطان الإلهي المطلق الذي نسبه المسيح لنفسه من خلاله.

الأصل الكتابي: رؤيا دانيآل النبي السماوية

إن المفتاح اللاهوتي الحقيقي لفهم هذا اللقب يوجد في سفر دانيآل النبي (الإصحاح السابع، الآيات 13-14). في رؤيا مهيبة وعظيمة، رأى دانيآل “مثل ابن إنسان” آتيًا مع سحاب السماء. لقد اقترب هذا الكائن من “قديم الأيام” (الله الآب) وأُعطي “سلطانًا ومجدًا وملكوتًا، لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، وسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض”.

في السياق العبري القديم، يعتبر “ركوب السحاب” صفة إلهية بامتياز ومحصورة حصرًا لله وحده، كما نقرأ في (مز104: 3؛ إش19: 1). بناء على ذلك، عندما يطلق يسوع على نفسه لقب “ابن الإنسان”، فهو لا يقول ببساطة إنه كائن بشري عادي؛ بل هو يحدد هويته بوضوح بأنه ذلك “الديان السماوي” و”الملك الأزلي” الذي وصفه دانيآل في رؤياه. هذا اللقب، في جوهره، هو إعلان عن “كريستولوجيا” عالية (لاهوت المسيح)، وتأكيد صريح على وجوده الأزلي السابق وتوليه دور السيادة المطلقة على ملكوت أبدي لا ينتهي.

القراءة الإحصائية والمكانة الرقمية للقب

يظهر لقب “ابن الإنسان” بتكرار مذهل في صفحات العهد الجديد، ويكاد ينحصر استخدامه بالكامل على لسان يسوع نفسه، فهو بمثابة “توقيعه الخاص” أو هويته التي اختارها لنفسه.

عدد المرات: يظهر اللقب حوالي 81 إلى 82 مرة موزعة على الأناجيل الأربعة.

إنجيل متى: يذكره 30 مرة.

إنجيل مرقس:  يذكره 14 مرة.

إنجيل لوقا:  يذكره 25 مرة.

إنجيل يوحنا:  يذكره حوالي 12 أو 13 مرة.

الاستثناء الاستفهامي: من الملاحظ جدًا أن الآخرين نادرًا ما استخدموا هذا اللقب لمخاطبة يسوع أو الإشارة إليه. وخارج نطاق الأناجيل الأربعة، يبرز استخدام فريد وشهيد للقب على لسان الشهيد الأول، استفانوس، في (أع7: 56)، عندما رأى السماوات مفتوحة وشاهد “ابن الإنسان قائمًا عن يمين الله”. وهذا الاستخدام بالذات يعزز ارتباط اللقب بالمجد الإلهي المطلق وبالمجال السماوي الفائق.

لماذا ركز المسيح على هذا اللقب دون غيره؟

يطرح كبار اللاهوتيين عدة أسباب جوهرية جعلت يسوع يفضل استخدام لقب “ابن الإنسان” على ألقاب أخرى مثل “ابن الله” أو “المسيا” في خطابه العلني أثناء خدمته على الأرض:

1- تجنب المفاهيم السياسية المغلوطة : في القرن الأول الميلادي، كان مصطلح “المسيا” (المسيح) محملًا بشكل مفرط بتوقعات سياسية وعسكرية. كان الكثير من اليهود ينتظرون مسيحًا أرضيًا يطيح بالإمبراطورية الرومانية بالقوة. وباستخدام “ابن الإنسان”، استخدم يسوع لقبًا يشير بوضوح إلى أصل سماوي وفوق طبيعي، مبتعدًا عن أي صبغة سياسية أو طموح أرضي.

تجسيد مفارقة التجسد (الاتحاد الأقنومي): سمح هذا اللقب للسيد المسيح بالربط العميق بين آلامه المصلحية ومجده الأزلي. لقد لخص اللقب مفهوم “الاتحاد الأقنومي”؛ حيث أن ذاك الذي هو إله حق صار إنسانًا حقًا. لقد مكنه اللقب من التحدث عن موته ودفنه القادمين، وعن عودته المستقبلية المهيبة كديان للكون في جملة واحدة وبسلطان واحد.
مفهوم “السر المسياني”: كان اللقب يعمل كنوع من الإعلان المحجوب أو المستتر. فبالنسبة للذين لا يملكون الإيمان أو البصيرة، كان يبدو وكأنه يعني مجرد “إنسان”. أما بالنسبة لأولئك الذين تعمقوا في دراسة الكتب المقدسة وفهموا نبوة (دا7)، فقد كان اللقب ادعاء صادما ومذهلا بالمساواة التامة مع الله القدير.
البراهين اللاهوتية على الطبيعة الإلهية للقب

يمكن تصنيف أقوال السيد المسيح المتعلقة بلقب “ابن الإنسان” في الأناجيل إلى ثلاثة مجالات لاهوتية كبرى، وكلها تشير بشكل لا يقبل التأويل إلى لاهوته:

1- السلطان المطلق على الشريعة وغفران الخطايا

في (مر2: 10)، يصرح يسوع قائلًا: “ولكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاًنا على الأرض أن يغفر الخطايا..”. وحسب اللاهوت العبري، فإن الله وحده هو صاحب الحق والقدرة على غفران الخطايا. ومن خلال ربط لقب “ابن الإنسان” بسلطان الغفران، يبرهن يسوع أن هذا اللقب يحمل كل الصلاحيات والامتيازات الإلهية. علاوة على ذلك، في (مت12: 8)، يعلن يسوع بكل قوة: “فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا”. وبما أن السبت مؤسسة إلهية وضعها الله نفسه، فإن الخالق والواضع للسبت وحده هو من يمكنه أن يكون “ربًا” عليه. هذا الادعاء هو تأكيد لاهوتي صارخ على ألوهيته.

2- دور الديان الأزلي للكون كله

يربط يسوع مرارًا وتكرارًا بين لقب “ابن الإنسان” وبين “الباروسيا” أو المجيء الثاني المجيد.  يقول في (مت25: 31-32): “ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب …”. إن الله وحده، في كل الكتاب المقدس، هو ديان المسكونة كلها. وبنسب هذا الدور “لابن الإنسان”، يضع يسوع نفسه في مرتبة الذات الإلهية التي تجلس على عرش القضاء الكوني.

3- البرهان القاطع في محاكمة السنهدريم

لعل الدليل اللاهوتي الأكثر قطعية على أن “ابن الإنسان” هو لقب إلهي، يظهر بوضوح في محاكمة يسوع أمام رئيس الكهنة قيافا. فعندما سأله رئيس الكهنة بصرامة إن كان هو “المسيح ابن المبارك”، أجاب يسوع: “أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب السماء” (مر14: 62).  رد فعل رئيس الكهنة كان فوريًا وصادمًا؛ فقد مزق ثيابه وصرخ صرخته الشهيرة: “قد جدف! ما حاجتنا بعد إلى شهود؟”. والسؤال الجوهري هنا: لماذا اعتبر كلامه تجديفًا؟ لو كان لقب “ابن الإنسان” يعني مجرد “إنسان عادي”، لما كانت هناك أي تهمة بالتجديف. لقد فهم رئيس الكهنة بدقة متناهية ما كان يسوع يرمي إليه: لقد طبق يسوع نبوة (دا7: 13) على شخصه، معلنًا أنه ذلك الكائن الإلهي الذي يشارك الله عرشه ويأتي بسحاب السماء.

البعد اللاهوتي في إنجيل يوحنا: الأصل السماوي قبل الدهور

في إنجيل القديس يوحنا، يأخذ اللقب بعدًا عميقًا في التأكيد على “النزول من السماء” والوجود السابق:

(يو3: 13 (“وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء”.

(يو6: 62) “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أولًا!” هذه النصوص تقضي تمامًا على أي محاولة لتفسير اللقب في إطار “ناسوتی بحت”. فابن الإنسان، حسب شهادة يوحنا، كان كائنًا في السماء قبل أن يتخذ جسدًا، وهو الكلمة الأزلي الذي “كان عند الله وكان الله”.

الجسر اللاهوتي بين السماء والأرض

في المحصلة النهائية، يتضح لنا أن لقب “ابن الإنسان” هو التعبير الأسمى والأكثر دقة عن “سر التقوى”. إنه لقب لاهوتي بامتياز لأنه يحدد هوية يسوع بكونه ذلك الكائن الذي شاهده دانيآل النبي في الغمام؛ وهو لقب فدائي لأنه يحدده بكونه الشخص الذي جاء ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين؛ وهو لقب “إسخاتولوجي” (أخروي) لأنه يحدده بكونه الملك الآتي ليدين الأحياء والأموات.

لذلك، عندما ندعوه بلقب “ابن الإنسان”، فنحن لا نقر فقط بصلة القرابة التي تربطه بنا كبشر، بل نحن نسجد بالروح والحق لذاك الذي، رغم كونه ابن الله الأزلي، تنازل واتخذ صورتنا لكي ما يرفع طبيعتنا ويجلسنا معه في عرشه. إنه لقب السلطان، ولقب اللاهوت، ولقب النصرة النهائية التي لا تقهر.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا