هايدي حنا
كثير من الأسئلة التي أستقبلها من الأهل حول صراع طفلهم المراهق بين تطبيق المبادئ التي تربى عليها وسط أسرته وبين الأفكار والقوانين التي تضعها الشلة لتطبيقها في حياتهم وتعاملاتهم، ومدى خوفهم على ضياع تعب السنين التي كانوا فيها حريصين على غرس تلك المبادئ في طفلهم المراهق، متسائلين: كيف يتعاملون مع هذه الأزمة؟
في البداية، علينا أن ندرك أن أزمة هذا الصراع تكمن في أنه يريد أن يكون داخل كيان الشلة وهذا لن يحدث إلا إذا خضع لقوانينها، وفي نفس الوقت توجد بعض القوانين التي تتنافى مع المبادئ التي غرسها الأهل فيه منذ نعومة أظافره، فينتج عنه هذا الصراع عند المراهق. وهنا سوف نجد نوعين من المراهقين:
الأول: مَنْ يختار أن يعيش بشخصيتين: شخصية وسط الأسرة حيث تطبق مع أفراد أسرتها ما تربت عليها من مبادئ، والشخصية الأخرى وسط الأصدقاء حيث تضع كل ما تعلمته من أسرتها جانبًا وتتعامل وهي معهم بحسب القوانين التي وضعوها لأنفسهم. وفي هذه الحالة، لن يكتشف الأهل اختلاف طفلهم المراهق معهم لكن سيلاحظون هذا الاختلاف وهو يتعامل مع أقرانه مما يسبب لهم انزعاج.
الثاني: هو الاختلاف الواضح للجميع حيث يصبح شخصية مختلفة تتبنى مبادئ غريبة على الأهل.
وفي كلتا الحالتين، يسبب هذا الاختلاف انزعاجًا للأهل من المراهق وخوفًا عليه في نفس الوقت، ولكن ما لا يعرفونه أنه هو نفسه يعاني من أزمة صراع داخلي. لذا فإن الجدال معه ولومه ليسا هما الحل، بل على العكس سوف يزيد هذا الأمر سوءًا بداخله، حيث قد يختار في النهاية ترك كل المبادئ التي تعلمها من والديه والسير على نهج شلته، لذلك لا بد من التعامل مع هذه الأزمة بحكمة حتى لا يفقدوا ما زرعوه سنوات في حياة طفلهم.
والجدير بالذكر أن المشكلة هنا ليست في القوانين المختلفة لكن في نوعية القوانين، حيث إن البعض منها يكون مؤذيًا من عادات سيئة وممارسات خاطئة، والبعض منها يكون الابتعاد عن الله من خلال ترك الكنيسة، الخلوة…، والبعض منها كسر للأخلاقيات مثل الغش، الشتيمة، والبعض منها وضع طرق للتعامل مع الكبار من تجاهل وعدم احترامهم والرد عليهم بصوت عالٍ… وهذا النوع الأخير من وجهة نظري الأقل خطرًا لأنهم لا يقصدون إهانة الكبار، لكنه رد فعل طبيعي لهذه المرحلة التي تتسم برفض السلطة، وكلما كانوا يعانون من السلطة ازدادوا عنادًا ورفضًا لهم وكان نهج حياتهم عدم احترام الكبار وتجاهل ورفض نصائحهم.
كيف يتعامل الأهل مع هذه الأزمة بحكمة؟
أولًا: التأكد أن سلوكه المختلف عن المبادئ التي زرعتها فيه أساسها الشلة وليس بسبب طريقة تعاملك الخطأ معه أو توتر علاقتك بشريك الحياة. فالمراهق يهتز نفسيًا ويسلك سلوكيات مؤذية عندما تكون حياته وسط أسرته يسودها الصراعات وليس المحبة. لذا فإن أول سؤال تسأله إن وجدت أن طفلك المراهق يسلك سلوكيات سلبية خارج إطار ما تعود عليه وسطكم هو: ما هي شكل علاقتي به وشكل علاقتي بوالده/ والدته؟ إن كانت إجابتك سلبية سيكون دورك هو تعديل سلوكك قبل أن تطلب من طفلك المراهق تعديل سلوكه.
ثانيًا: إن كانت إجابتك إيجابية على السؤال السابق، هنا عليك أن تسأل نفسك سؤالًا آخر: هل سلوكياته هذه تتنافى مع إيمانا أم مع عاداتنا؟ حيث إن هناك فرقًا بينهما؛ السلوكيات التي تتنافى مع إيمانا مقياسها هو الكتاب المقدس، أما العادات فمقياسها نحن البشر لأنها سلوكيات تبناها مجتمعنا وتعودنا أن نقوم بها في حياتنا. وهنا يكون السؤال: هل هذه السلوكيات غير المقبولة لك سلوكيات لا تحترم المبادئ الكتابية أم لا تطبق فيها العادات والتقاليد التي تعودنا عليها؟
هذا السؤال هام جدًا لأن هذا الفرق بين الإيمانيات وبين العادات والتقاليد يجعلنا نهدأ، فالإيمانيات لا تتغير بتغير الزمن والأجيال، بينما العادات والتقاليد تتغير بتغير الزمن والأجيال. لذا فإن الإجابة على هذا السؤال هامة، وسوف تساعدك في الإجابة على هذا السؤال ملاحظة جيل طفلك المراهق، من طريقتهم في الكلام، الملابس، ردود الأفعال، اهتماماتهم… فبهذا تستطيع أن تعرف أن ما يقوم به طفلك المراهق ليس بغريب ومن الصعب تغييره لأنه سلوك هذا الجيل، ومن الجانب الآخر هو سلوك لا يحيد عن إيماننا.
ثالثًا: اختر معاركك فلا تحاول الجدال في سلوكيات تتنافى مع التقاليد بل تذكَّر أنها سمات جيل، لكن عليك أن تواكب عصره وليس عصرك كي لا تخسره، فأنت تحتاج أن يكون قريبًا منك وألا تتسم علاقتكما بالتوتر حتى تحميه من السلوكيات التي تتنافى مع إيماننا.
رابعًا: ترفق بطفلك المراهق، حيث إنه بالفعل يعاني من أزمة صراعه بين العادات والتقاليد التي تعود عليها وسط الأسرة وبين العادات المختلفة وسط شلته بسبب اختلاف الأجيال، فضغط الأهل عليه كي يطبق عادات وتقاليد لا تتناسب مع جيله يضعه في موقف لا يحسد عليه، أولًا لأنه سوف يشعر بالغربة وسط شلته وجيله، وثانيًا لأنه سوف يعاني من مواجهات وصراعات مستمرة مع والديه بسبب ضغط الشلة التي تفرض عليه الحياة بحسب عاداتها وتقاليدها وليس بحسب عادات وتقاليد الجيل القديم – حسب وصفهم للكبار – لذا ترفق به واكسبه كصديق كي يشاركك أسراره والتي من شأنها تساعدك على حمايته من السلوكيات التي تحيد عن إيمانا.
وهنا السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو كانت هذه السلوكيات هي سلوكيات خارج إيماننا وخارج الوصايا الكتابية؟ كيف يتعامل الأهل حينها؟
هذا ما سوف أجيب عليه في المقالة القادمة.