هل محبة النفس خطية..؟!

2

بقلم الدكتور القس جورج شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

بادئ ذي بدء أعتقد أن محبة الإنسان لنفسه أساس أصيل في علاقة الإنسان مع نفسه ومع غيره ومع إلهه.

وفي يقيني أنه كما في حياتنا اليومية الإنسان يحب أن يعمل مع شخص ينسجم ويتوافق معه، ولذلك فمن البديهي أن ذواتنا التي نعمل معها طول الوقت ليلًا ونهارًا ولا تمر لحظة يمكن أن نبتعد عنها، نحن في شديد الحاجة لأن يكون لنا تصالح وسلام مع ذواتنا، ولن يحدث هذا إلّا إذا كنّا نحب أنفسنا.

كما أننا إذا كنّا لا نحب أنفسنا، فكيف نحب الآخرين؟!

ولعل أقوى دليل على ذلك أن الرب يسوع عندما سئل يومًا عن الوصية العظمى في الناموس، فأجاب قائلًا:

“فقال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها: تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء” (مت 22: 37–40).

ثم يأتي الرسول بولس ويسطر في رسالته إلى أهل غلاطية قائلًا: “لأن كل الناموس في كلمة واحدة يكمل: تحب قريبك كنفسك” (غلا 5: 14). ونفس الفكرة يسجلها الرسول يعقوب في (يع 2: 8).

ومن هنا نرى أنفسنا أمام السؤال الكبير:

إذا كانت الوصية تطالبنا أن نحب الآخر بنفس مستوى محبتنا لأنفسنا، فإذا كنّا لا نحب أنفسنا فكيف نحب الآخر؟

وإذا كان الله خالق نفوسنا قد أحبنا بمحبة تفوق الوصف ويقبلنا كما نحن، فكيف لا نحب أنفسنا ونقبلها؟!

إذًا فمحبة النفس أمر بديهي ومنطقي، ولهذا نجد سليمان الحكيم يقول: “المقتني الحكمة يحب نفسه” (أم 19: 8).

إن المشكلة أن البعض يخلط بين حب النفس والأنانية، ولا يفرق بينهما، بالرغم من أن بينهما فرقًا كبيرًا، كما نرى في الأمور الآتية:

1

حب النفس: يجعل الإنسان يبني نفسه ويحقق ذاته ويهتم بمصالحه الشخصية ويجتهد في حاضره ويخطط لمستقبله.

أما الأنانية: فتجعل الإنسان يبحث عن مصالحه دون اعتبار لأي شخص آخر. لا يهمه سوى نفسه، شعاره: “أنا وبعدي الطوفان”.

يفكر فقط في ذاته وملذاته، مثل الغني الذي في (لو 16) كان يتنعم كل يوم، وكان عند بابه مسكين اسمه لعازر يشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدته.

وكذلك مثل الغني الغبي الذي أخصبت كورته، فلم يفكر إلّا في نفسه وممتلكاته وكيف ينميها ويستمتع بها، دون أن ينظر لحظة واحدة لاحتياجات الآخرين أو لإكرام إلهه الذي باركه (لو 12: 13–21).

2

حب النفس: يجعل الشخص يحب الآخرين ويشاركهم آلامهم وآمالهم، ويتعاون معهم.

أما الأنانية: فتجعل الإنسان يتمركز حول ذاته ولا يرى إلّا نفسه، ولا يتفاعل مع الآخرين.

3

حب النفس: يدفع الإنسان للاهتمام بنقاء نفسه وطهارة سيرته وحفظ نفسه بلا لوم، ويهتم بمصير نفسه الأبدي.

حب يطهر النفس من ضعفها.

4

الأنانية: تجعل الإنسان معجبًا بذاته، يضع نفسه في المرتبة الأولى، وينسى غيره، بل أحيانًا يعبد ذاته.

وإن فكر في غيره يكون تفكيرًا سطحيًا أو عابرًا.

5

حب النفس: يجعل الإنسان يعرف كيف يحب الآخر محبة صحيحة لأنه شخصية سوية.

أما الأنانية: فإنها تجعل الإنسان يحب الآخر بدافع المصلحة. يحب من يمدحه، ومن يشبع رغباته، ومن يحقق له منفعته.

هذا ليس حبًا بل استغلالًا.

وهذا يفسر فشل كثير من الزيجات التي ظن أصحابها أنها بدأت بحب، لكنها في الحقيقة كانت أنانية مقنعة.

6

حب النفس: لا يجعل الإنسان يبني سعادته على شقاء الآخرين.

قد ينكر نفسه أحيانًا، ويفرح لأفراح الناس ويحزن لآلامهم، فهو شمعة تحترق من أجلهم.

أما الأنانية: فتطفئ شموع الآخرين لتظل شمعته مضيئة.

7

حب النفس: يجعل الإنسان يحترم نفسه ويسلك باستقامة ويرفض الباطل، ويبني حياته على المبادئ.

أما الأنانية: فتجعل الإنسان نفعيًا، يصعد على أكتاف غيره، ويحقق مكاسبه ولو على حساب الأمانة.

8

حب النفس: يجعل الإنسان مخلصًا لصاحبه، صادقًا مع صديقه.

نرى هذا في محبة يوناثان لداود (1 صم 18: 1؛ 20: 17).

أما الأنانية: فتجعل الإنسان مستعدًا لبيع صاحبه عند أول فرصة، مثل يهوذا الإسخريوطي الذي باع سيده بثلاثين من الفضة (مت 26: 14–16).

9

حب النفس: يدفع الإنسان للعطاء والتضحية، ويطبق قول الرب: “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أع 20: 35).

أما الأنانية: فتدفع صاحبها إلى الطمع والجشع والاستحواذ وتسبب النزاعات، كما في (لو 12: 13، 15).

10

حب النفس: يبني الذات، ويخلق الرضى وضبط النفس والتحكم في الانفعالات.

أما الأنانية: فتجعل الإنسان يعاني من التمزق الداخلي ويضر نفسه والآخرين.

حب النفس يحتاج تدريبًا، وأول مشكلة يجب أن يتغلب عليها الإنسان هي قبول النفس:

قبول ظروفه، وقبول شكله، وقبول إمكانياته، ثم السعي لتطوير ذاته.

عبرة في عبارة

كلما زاد حب الإنسان لنفسه بأسلوب واضح

كلما قل حب الناس له بأسلوب فاضح.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا