في مصر من حين لآخر تجري معركة حامية الوطيس بين طوائف شتى وفئات متفرقة المنبع والمشرب حول مشروعية النقاب وحكم ارتداء المرأة له، والنواتج النفسية والاجتماعية وربما السياسية أيضًا المترتبة على ارتدائه، حتى ظننت أن طرح هذه المسألة الاجتماعية وليست الدينية ضمن سلسلة أفلام عجلة الزمن التي تدور إلى الخلف وكأننا أو بالأحرى وكأنهم أقصد وأعني أصحاب المعركة أنفسهم على موعد تاريخي للبقاء في كنف العصور الوسطى أو العودة بأحلامنا ومطامحنا واستشراف مستقبلنا إلى آنية المحراث الخشبي، دون أدنى اكتراث حقيقي وصادق بجملة من المشكلات والأزمات بل والكوارث الاقتصادية المرتقبة، أو الجرائم الاجتماعية الراهنة، وباتت كل جرائم العفة وكل حوادث الاغتصاب والتحرش والعنف الجسدي المرضي سببه غطاء الوجه مدعى الفتنة ومصدر الفجور ومنبع الفساد في نظر كثيرين من أهل الهوس الجنسي الفقهي الذين غابوا عن فقه العبادات والمعاملات وباتوا أكثر تغييبًا في فقه الحالة.
وأنا لم أستغرب أو تعتريني دهشة المشهد من تناول التنويريين ـ إن زعموا الاستنارة من الأصل ـ أو سيدات حقوق المرأة المسميات بالحقوقيات وكذلك الفنانين والفنانات من حديثهم عن الحجاب والنقاب، غير متناسٍ بل دائم التذكير لنفسي وعقلي بأن الحجاب فريضة وجوبية والنقاب فضيلة اجتماعية. هؤلاء لن تجد أمامهم عجبًا في طرحهم الديني الفقهي بشأن ارتداء المرأة للنقاب لأنهم يرون بضرورة توجههم الأيديولوجي أن الإسلام لم يأمر بذلك الملبس، وأن ارتداءه هو بوابة للتطرف الذي يؤدي إلى اشتعال شرارة الإرهاب.. هذا من زاوية معتقدهم الفكري بشأن النقاب وقد أكون مخطئًا أو متحاملاً عليهم أو بالقطعية لم أعي أو أفهم مضامين أفكارهم.. ربما!
لكن، على الشاطئ الموازي للعلمانيين والتنويريين والحقوقيين نجد المشهد أكثر دهشة؛ فمن المدهش أن تتفرغ المؤسسة الدينية الرسمية في مصر لمناقشة ومعالجة بعض المظاهر الاجتماعية ذات الصبغة الدينية مثل النقاب. والدهشة لا تأتي من فراغ المؤسسة الدينية التي كانت لابد وأن تعمل وتفكر بعقلية المؤسسات التي لا تسعى سوى للنجاح، وهذا لا يتحقق إلا بالعمل الدؤوب المخطط والمنظم الذي يتسم بالتقويم الشامل والأداء النشط، بل تأتي من تواجد المؤسسة الدينية في ساحة نزاع وجدل هي في غنى عنها، كما أنها أقحمت نفسها في مخاض التأويلات والتفسيرات التي تصب جميعها في مصلحة أعداء الأزهر الشريف.
فبمجرد حدوث أية ظواهر تحرش بالفتيات والنساء أو توافر معلومات عن حالة انتحار فتاة أو كما جرى في مصر مؤخرًا من قتل لطالبة جامعية عن طريق زميل لها نجد حالة من فوران ذيوع التصريحات الخاصة بضرورة ارتداء النقاب للنساء وبخاصة المعلمات والطالبات في كافة وسائل العمل أو أماكن الدراسة وأيضًا في مواقع التجمعات مثل النوادي والمقاهي والمتاجر الكبيرة. ووسط هؤلاء المنتمين للمؤسسة الدينية الرسمية نجد من بادر الجميع بلافتة إعلامية أو بفتوى فقهية مفادها رفع شعار “لا لارتداء النقاب في العمل والمصنع والمستشفى والمدرسة والجامعة والنادي وحديقة الفسطاط كذلك؛ بحجة أنه يعيق التواصل الفعال، ولم تغفل ذاكرتي أنه منذ عدة سنوات ليست بالبعيدة راح كل وزير مختص ومدير مسئول بالإعلان عن نفسه بأنه أصدر بيانًا بعدم ارتداء النقاب في مؤسسته وكأنه ينازع طارق بن زياد في فتحه للأندلس أو المعتمد بن عباد في استيلائه على قرطبة المسلمة.
وهكذا استطاع الأزهر الشريف وهو منارة التعليم الديني في العالم كله، والرمز الخالد للحضارة الإسلامية في أزهى عصورها أن يسهم بدور غير مقصود في لغط العامة، وشغل الرأي العام بقضية لا أظنها رئيسية تمس عصب المجتمع المصري، ولا هي قضية ضياع الأخلاق وذبح الفضيلة وانهيار القيم الدينية. ونافس الأزهر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ببعض أئمتها من خلال الخوض في مشروعية الارتداء أو ضلالة ارتدائه، وبينهما وقف رجال بين مشهدي الإباحة والتحريم من أجل إغراق المواطن الولع بالدين أساسًا في حالات مستدامة من اللغط والتشويش وانعدام الرؤية أولًا عن مشكلاته الراهنة اقتصاديًا واجتماعيًا، ثانيًا بصدد مسألة النقاب.
وهكذا نجحت فئات شتى لم تعرف للاتفاق الفكري سبيلاً فيما بينها أن تصرف نظر المجتمع المصري الضارب في جذور الثقافة الدينية عن قضاياه المهمة والخطيرة والحازمة، وأيضًا الهامشية التي تدغدغ مشاعره وتثير غرائزه وتداعب طفولته المتأخرة؛ بدءًا من أزمة سد النهضة الأثيوبي الأكثر غموضًا، واحتياطي مصر من القمح والحبوب في ظل المعركة الروسية الشاملة عسكريًا واقتصاديًا في أوكرانيا، وسياسات الكيان الصهيوني العلنية والسرية وما أدراك ما صهيون وكيانه، والهزائم التاريخية التي باتت أشبه بالأفلام الوثائقية لمنتخب مصر الأول لكرة القدم الذي اعتاد الفشل في تحقيق أية بطولة ولو ودية، رغم ملايين الجنيهات التي أنفقت على اللاعبين والأجهزة الفنية له، مرورًا بقضية هل الممثل المصري محمد رمضان هو رقم واحد أم أنه الهضبة عمرو دياب سابق عصره ،انتهاءً بالتعليم وملامحه الذي بات مؤجلاً لاختراق التمايز والانضباط والجودة الواقعية.
والأغرب أنك لو أجريت استطلاعًا لرأي الشارع المصري المهموم بطبيعته عن رأيه في هذه التصريحات الخاصة بشأن ارتداء النقاب بالنسبة للسيدات عمومًا، وللمعلمات والطالبات والطبيبات والممرضات والجميلات لسوف تجد هجومًا شرسًا على تلك التصريحات، وأن منع ارتداء النقاب للمعلمات والطالبات في أمكنة العلم وتلقي المعرفة الرسمية التي تعتبر مناطق مقدسة رفيعة لهو مدعاة للفجور والسفور وقتل العفة وضياع الشرف، وأنه لو ارتدت كل طالبات وتلميذات مصر النقاب لما وجدنا تحرشًا لهن ولما سمعنا أغاني المهرجانات المرهقة للأذن والعقل والقلب أيضًا.
ومما يزيد الأمر غرابة أن معظم هؤلاء لا توجد لهم زوجة منتقبة، أو أخت أو ابنة منتقبة، لكننا اعتدنا في وطننا الغالي مصر أن نوحد مشاعرنا ونصفف اتجاهاتنا وميولنا كما نصفف شعر الرأس.
وليست القضية أننا مع أو ضد، لكن القضية أننا أصبحنا في هوس البحث عن أي شيء وأية ظاهرة وأي تصريح، وأي إعلان تليفزيوني، وأية مباراة رياضية، وأية صحيفة صفراء، وأي.. وأي كي نجمع قوانا وجهدنا في الالتفاف حوله، لا نفكر في العائد، ولا نفكر في حجم وقيمة النتيجة، المهم أننا لا ولن نفكر.
ولأن أساطين القنوات الفضائية والفراغية هم الذين حملوا عنا عبء التفكير والتفسير والتأويل راحوا وجالوا وصالوا بنا في متاهات ودهاليز وأنفاق فقهية دون سند، دارت بين فريضة النقاب وفضيلته، وبين كونه سنة تارة، وكونه عادة اجتماعية تارةً أخرى، وبين النقاب من حيث إنه تصدير خليجي، وأصبحت جدتي وأمي وزوجتي وأختي وابنتي وسط كل هذا في حيرة من أمرهن.
وهكذا نجحت المؤسسة الدينية بامتياز أن تجعلنا ندق مسمارًا جديدًا في نعش حضارتنا ونهضتنا بإصدارها تصريحات وأوامر متباينة؛ مرة بمنع ارتداء النقاب للمعلمات والطالبات، ومرة أخرى بجواز وإباحة الارتداء، وهرعت الجامعات المصرية العريقة التي خرجت من سباق تصنيف الجامعات العالمية ذات الجودة الحقيقية تعلن عن هذا المنع تارة، وحق الطالبة والأستاذة في ارتدائه مرة أخرى، ربما من أجل تسريع دخولنا طوعًا وليس كرهًا إلى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية نتيجة تضارب الرأي.
ولي حق السؤال: هل منع النقاب داخل المعاهد الدينية سيجعل خريجوها وخريجاتها في قوة وعلم ومتانة وحجة الشيخ الإمام محمد عبده؟ وهل في منعه ارتقاء بمستوى أئمة ودعاة المستقبل؟ وهل في منعه بالجامعات المصرية البعيدة عن التصنيف العالمي سننافس جامعات تل أبيب؟ وهل لو أصدرنا بعد قليل ـ وهذا وارد ـ بيانًا آخر نعلن فيه رجوعنا عن قرار المنع ولقد حدث فعلاً هل سيعود الإرهاب والمتطرفون والتكفيريون من جديد؟. وإلى أن تجاب عن أسئلتي السابقة سأهتم بمعرفة آخر أخبار قضية عودة مطرب المهرجانات حمو بيكا إلى الغناء و…..
وأذكر أنني في أكثر من مقال لي قد ناقشت مع أحد القراء الأماجد والأفاضل حديثًا قصيرًا عن النقاب، وقتما أثير على يد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الأسبق ـ رحمه الله ـ وما صاحب وواكب رأيه في النقاب من جدل واسع ولغط بين العامة وعموم القوم آنذاك، وبلغ اللغط مداه حتى فرض بعض رؤساء الجامعات قوته وسطوته في منع دخول المنتقبات لجان الامتحانات بها، لأن التعليم ماء وهواء والمنتقبة تخفي فمها فكيف ستشرب وتستنشق هواء العلم، الذي هو في غالب الظن بدا غائبًا تمامًا عن التعليم الجامعي.
وهل في منعه أو وجوبية ارتدائه وإلزامه ارتقاء بمستوى الثقافة الجامعية؟ وأظن أن الثقافة بوجه عام أصبحت في خبر كان وأخواتها ويكفينا أننا خارج حسابات الثقافة العالمية منذ حصول عميد الرواية العربية نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب.
وبعد أن باغتتنا فرنسا ـ وهي لمن لم يدرك كنهها بعد دولة جمهورية علمانية طاغية في الحريات الفردية والشخصية ـ بقانون جديد لحظر ارتداء النقاب هناك، بل وفرض عقوبة مالية في هيئة غرامة على كل من ترتدي النقاب في الأماكن العامة، وقام المشرعون للقانون الجديد بتحديد المواضعة الخاصة بالأماكن العامة في الفضاء العام، وهو ما يعني الشوارع والميادين والأماكن المخصصة للجمهور (مواطنين وأجانب) كالحدائق والأندية مثلاً، وأيضًا الأماكن الخدمية مثل المستشفيات والمدارس والجامعات والبنوك والمصارف والشركات وغيرها.
وقبل أن يباغتني قارئ بتعليق مثير حول مدى أهمية قانون النقاب في فرنسا، ويشير على بضرورة الحديث عن دون كيشوت المصري أعني الدكتور محمد البرادعي، أو عن أزمة مصر بشأن حصتها في مياه النيل، أو عن ضرورة رجوع تنظيم حسن البنا إلى المشهد السياسي باعتبار أن غيابهم عن الواقع المجتمعي هو سبب حالات انتحار الشباب، أقول لهم على استحياء قدموا شكواكم وهمومكم دون خجل أو استحياء أو ملل لعقولكم التي باتت اليوم أكثر حاجة لإعماله وتثويره بالعصف الذهني.
وبدأت سوريا الشقيقة تداعب أفكار الشارع السوري بضرورة منع ارتداء النقاب، ولا أعلم إن كان منعه سيكون عامًا أيضًا مثل فرنسا، أم سيحظر ارتداؤه فقط داخل أروقة الجامعات البعيدة أيضًا عن أي تصنيف علمي عالمي.
ونعود لقضية النقاب الذي تم منعه في فرنسا التي تتزعم حركة الحريات في العالم وتذكر معي عزيزي القارئ سجن الباستيل، والثورة الفرنسية، وإعلان حقوق الإنسان وغيرها من المؤشرات التاريخية التي تؤكد حق فرنسا في اعتلاء منصة المناداة بالحريات. فلقد تضمن نص القانون بعض الاستثناءات منها عندما يكون الزي منصوصًا عليه بقانون أو قواعد مثل ارتداء الخوذة (غطاء الرأس المعدني) بالنسبة لراكبي الدراجات النارية أو إذا كان مسموحًا به لحماية سرية هوية الشخص كأفراد الشرطة، أو مدرجًا في إطار الاحتفالات والأعياد مثل الأقنعة التي تستخدم في عيد المرفع لدى المسيحيين.
ولست بصدد البحث عن مشروعية النقاب من عدمها، بل إن ظاهرة الحظر نفسها تتطلب التأويل وإعمال العقل والتفكير في استشراف مستقبلنا الذي قد لا ينبئ بوقع مغاير أو بجدة، فبين منتقبات يرتدين النقاب دون سند أو نص صريح يعللن به فقه الارتداء، وبين تشريعات وقرارات إدارية تجيز وتبيح حظر ارتدائه يقف المجتمع في حالة هلع وارتباك حول قيمه ومعتقداته وأفكاره، ويبحث عن مسكنات جديدة تجعله مغيباً طول الوقت.
ولعل السجال الراهن اليوم بين دعاة ورجال دين وحقوقيين وحقوقيات وإعلاميين وفضائيين لم يغادروا الأرض إيابًا للمريخ أو كوكب الزهرة وكذلك فناننات وكتاب وكاتبات قصة ورواية في الوقت الذي لم يعد يقرأ فيه الشباب حرفًا واحدًا سوى بعض سطور إجبارية وإلزامية مقررة عليهم من قبل أستاذ أراه مسكينًا معرفيًا ـ جاء فرصة سانحة وطيبة لبعض نجوم الفضائيات الفراغية، وصار كل واحد منهم سوبر ستار لدى مشاهديه، فصار هذا يدلل على أن ارتداء النقاب هو شرط دخول الجنة، وأصبح هذا يؤكد أن منع النقاب داخل الحرم الجامعي جريمة تنافي القيم والتقاليد الإسلامية، وذهب ثالث بدلاً من يعرض لنا أسس المذاكرة والتفكير للمستقبل ذهب بعيدًا إلى الهجوم على الدولة ومؤسساتها بدعوى أنها تجبر المنتقبات على الانزلاق في الرذيلة والخطية، وتجاوز رابع فأخذ يندد بفرنسا الملحدة والكافرة والسافرة والفاجرة، وهكذا صار الموضوع لهم مصدر رزق ومزايدة.
أما هنا ـ في مصر ـ فالأمر مختلف تمامًا ـ فكان علينا في البدء بعدم تقزيم أنفسنا، أي مناقشة أمورنا الاجتماعية بشيء من التصغير والامتهان، فماذا لو ارتدت المرأة نقابًا مادامت تلتزم بقواعد وآليات المجتمع أو العمل الإداري مثلاً، ومادامت ملتزمة داخل جدران المؤسسة التعليمية التي تدرس أو تعمل بها. وماذا لو أننا على الجانب الآخر بصّرنا أخواتنا المسلمات بظاهرة النقاب وأنه فضيلة أكثر منها فريضة، وأن الحجاب هو الزي الإسلامي الشرعي الذي جاء في القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع الأرض.
ولم يعد لنا حق الرد على القوانين التي تتعلق بأمور عباداتنا وشعائرنا الدينية في خارج القطر المصري ما دمنا في حيرة من أمرنا، ولا نزال نصدّر للغرب الأسلحة الضارية التي يهاجموننا بها وبعد ذلك نكيل لهم التهم والجرائم.
وكفى بالمرء علمًا أن يخشى ربه، فيفكر في مستقبل أمته، وكيف يرتقي بها، لا أن يجد نفسه خاويًا من أي تجديد فيهرع إلى شغل وقته وإزهاق جهده وقوته في مساجلات لا تسمن ولا تغني من جوع، وستكتشف المنتقبات والمحجبات والسافرات عند تخرجهن أنهن بلا ثقافة، وبلا علم، وبلا فقه يسيرهن به حياتهن، وأخيرًا بلا نقاب أو حجاب، فربما يأتي نهار علينا نناقش فيه حظر دراسة علوم اللغة بحجة التواصل مع الآخر، وأن نعتمد كليًا على ثقافة الإنترنت في تداول المعرفة الأكاديمية بدلاً من ثقافة الكتاب الذي لم يعد له رسوخ كما كان من قبل، والنتيجة بالطبع خريج عاطل يعاني من فراغ معرفي، وبطالة فكرية.