من التهميش إلى التطلع للوجود الإنساني

2

د. فيولا موريس

تابعنا بشغف في الأونة الأخيرة ومن خلال السوشيال ميديا أبطال عرض فيلم (رفعتُ عيني إلى السماء) الذي ملأ فضاء العالم، وقدمته فتيات من قلب صعيد مصر تعبِّرن فيه عن صرخاتهن التي تعكس معاناتهن وآلامهن النفسية تجاه ما يواجهوه من مشاكل وتحديات.

والفيلم مستوحى من الفلكلور الشعبي، وهو يجسد شخصيات مصرية أصيلة تحاكي الواقع، إلا أنه ينم عن موروث ثقافي فاسد يقف عائقًا أمام مسيرة حياتهن.

ومن الغريب والملفت للنظر أن أبطال هذا العرض فتيات صغيرات لا تتجاوز أعمارهن العشرين عامًا، بسطاء اجتماعيًا وماديًا وعلميًا، يعشن في إحدى القرى المهمشة في صعيد مصر، وهي قرية البرشا محافظة المنيا، وفي اعتقادي أن هذه القرية ليس لها وجود على خرائط جمهورية مصرنا الحبيبة.

لقد تناول العرض بعض الظواهر الحساسة والتي تمس الكيان الاجتماعي في أغلب قرى ونجوع ريفنا المصري، ومن أهمها عدم إتاحة الفرصة لتعليم الفتيات والزواج المبكر والعنف الأسري والتحرش الجنسي. لقد استطاعت الفتيات المراهقات أن يعبرن عما يجول في صدورهن من أحلام وطموحات يردن أن تخرج إلى حيز الوجود حتى تُحدِث تغييرًا جذريًا ليس في واقعهن كإناث فحسب، بل في المجتمع بأسره.

ورغم أن العرض تغلب عليه بساطة وتواضع الإمكانيات المادية والمهارات الفنية، إلا أنه استطاع أن يخترق الحيز المحلي ليصل إلى العالمية، وذلك بعرضه في مهرجان كان السينمائي، حيث تنافس مع اثنين وعشرين فيلمًا تسجيليًا من دول أوروبا وأمريكا، وحصل على جائزة العين الذهبية كأفضل فيلم تسجيلي عن عام 2024.

لقد أخذت هؤلاء الفتيات على عاتقهن أن يحملن شعلة التنوير لتضيء الطريق أمام الأجيال القادمة وخاصةً من جنسهن، وهو ما عجزت أغلب مؤسسات الدولة وقصور الثقافة أو في المؤسسات الأهلية عن تقديمه أو مواجهته رغم الفارق الشاسع في الإمكانيات المادية والفنية بينهما.

إن هذا الحدث لم يتعد الحدود الجغرافية فقط بل تعدى الحدود النفسية، فهؤلاء الفتيات خرجن من حيز التهميش إلى حيز الاعتراف بوجودهن كإناث لهن حق المساواة مع الجنس الذكوري، وهو ما يؤكده الكتاب المقدس حينما ذكر لنا أن ليس المرأة من دون الرجل أو الرجل من دون المرأة، ولكن الكل متساوٍ، حيث إن الجميع خليقة الله والتي هي على صورته الكاملة.

إن هؤلاء الفتيات الصغار استطعن أن يجذبن انتباه المجتمع الدولي، وذلك بالنظر إلى أحلامهن وطموحاتهن وتطلعاتهن في مجتمع تسوده المساواة والعدالة ويخلع رداء الجهل والتعصب، وهن في ذلك يتطلعن إلى الوجود والقبول كجنس يبحث عن هويته وقيمته من أجل حياة كريمة، يتاح له فرصة كي يأخذ مكانته ويلعب دوره، كفء قادر على القيام بأي شيء، يشعر بالأمان ويحصل على الحب والاهتمام والتشجيع والشعور بالأمان والاعتراف بوجوده كإنسان له هويته المميزة.

إن هذا الحدث هو بمثابة نقلة حضارية في مجتمعنا الصعيدي، فقد فتح الطريق أمام الفتيات لكي يواجهن مشاكلهن لا باللجوء إلى الهروب والاختفاء من بيوتهن والارتماء في أحضان المجهول، بل بالتعبير عن معاناتهن وإعلان صرخاتهن على الملأ، وذلك من خلال تقديم فن يرتقي بالفكر والوجدان والذوق الإنساني، وهو ما يُعرف في لغة علم النفس بالتسامي والإعلاء.

إن من الملفت للنظر أن كلمات أغنية الفيلم (أنا جسمي مش خطية) هي دعوة لتغيير القيم والمفاهيم المغلوطة التي سادت عقول وأفكار المجتمع والتي صُدِّرت لنا من المجتمعات الصحراوية. إن لغة الفن هي أقوى لغة للتعبير عما يعانيه المجتمع من أمراض اجتماعية وثقافية، كما يعمل على طرد الظلام الذي عشش في عقول الأغلبية، والذي أفرز الجهل والتطرف وتغلغل في أغلب مؤسساتنا، وخاصةً التعليمية، في صعيد مصر. ولعل هذا الحدث المؤثر يجد صدى لدى المسئولين لإعادة المنظومة التعليمية، وذلك بإحياء الفن الهادف الذي يعمل على بث الوعي الحضاري الذي يضعنا على طريق التقدم حتى تستعيد مصر أمجادها وحضارتها التي عُرفت منذ فجر التاريخ.

تحية لفتاة الصعيد التي استطاعت أن تعبَّر عن إرادتها في تغيير أنماط الحياة السائدة والتي تعكس مجتمع مملوء بالظلمة. وأخيرًا، وحتى إذا لم ينصف المجتمع ويستمع لصرخات فتياتنا، فيكفي أنهن رفعن عيونهن إلى السماء للإله القدير الذي في يده سلطان الاعتراف بوجودهن وبالتالي يرد لهن هويتهن الأصلية، والتي هي على صورة الله الكاملة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا