19.4 C
Cairo
الأحد, فبراير 25, 2024
الرئيسيةتحقيقاتمركز الكلمة للأبحاث والدراسات يناقش هوية مصر

مركز الكلمة للأبحاث والدراسات يناقش هوية مصر

تغطية: إيهاب أدونيا

في قاعة جدرانها تفوح منها رائحة الثقافة والمواطنة، وسط نخبة من صفوة المثقفين والمفكرين المصريين المؤمنين بأهمية الحوار وتحقيق المواطنة، استضاف مركز الكلمة للأبحاث والدراسات صالونه الثقافي الثاني تحت عنوان “الهوية المصرية”. ضمت المنصة القس رفعت فكري، الأمين العام المشارك بمجلس كنائس الشرق الأوسط ورئيس لجنة الإعلام بمجلس كنائس مصر؛ والدكتور عصام عبد الفتاح، أستاذ تحليل الخطاب الديني والأدب الفرنسي بجامعة حلوان؛ والمفكر حلمي النمنم وزير الثقافة الأسبق.

القس رفعت فكري: الدولة شخصية اعتبارية لا دين لها… ولا بديل عن حذف المواد ذات الطابع الديني من الدستور

بدأ القس رفعت فكري، الأمين العام المشارك بمجلس كنائس الشرق الأوسط ورئيس لجنة الإعلام بمجلس كنائس مصر، حديثه عما دار في أبريل 2022 من الاحتفال المصري بنقل مومياوات 22 ملكًا وملكة من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة بالفسطاط، معلقًا بأنها كانت الاحتفالية كبيرة وعظيمة ومشرفة وتليق بعظمة الدولة المصرية، وقد نبهتنا هذه الاحتفالية التاريخية إلى ضرورة الحفاظ على هوية الدولة المصرية، تلك الهوية التي تكونت من طبقات عدة.

واستطرد قائلًا: الطبقة الأولى هي الطبقة الفرعونية وتُعتبر من أكثر الطبقات حتى وإن كانت أبعدها (زمنيًا فقط) عن واقعنا المعاصر، وتمتد حوالي 2700 سنة (من 3050 قبل الميلاد إلى 332 قبل الميلاد). وهي الطبقة الوحيدة التي يمكن وصفها بأنها مصرية خالصة، والطبقة الفرعونية هي الطبقة الأساس من حيث إنها أطول الطبقات وإن كانت أبعدها زمنيًا، وكل ما فيها مصري خالص، حيث كان كل من الحاكم والمحكوم مصريًا، والعقائد صناعة مصرية، الأخلاق والضمير صناعة مصرية. وتشكل الطبقة التالية وهي الطبقة الهلينية امتدادًا بشكل ما للفرعونية وإن كان امتدادًا ناقصًا من حيث إن الفعل المصري بدأ يخفت شيئًا فشيئًا ويخضع لقرار من طبقة حاكمة أجنبية. والطبقة الثانية طولها حوالي 362 سنة (من 332 قبل الميلاد إلى 30 بعد الميلاد)، حيث انهارت دولة الفراعنة وقامت دولة البطالمة ولكن ظلت مصر أثناءها دولة مستقلة. والطبقة الثالثة هي التي خضع فيها المصريون للحكم الروماني/ البيزنطي بعد أن انهارت دولة البطالمة سنة 30 ميلادية أمام الدولة الرومانية وفقدت مصر استقلالها.

وتنقسم هذه الفترة إلى طبقتين فرعيتين: أولهما قبل مسيحية والثانية مسيحية، وقد استمرت حوالي 611 عامًا (من 30 بعد الميلاد إلى 641 بعد الميلاد). والطبقة الرابعة خضعت مصر فيها لحكم العناصر العربية والتركية لفترة طويلة قبل أن تتولى العناصر المصرية الحكم أخيرًا، وتبلغ مدتها حتى يومنا هذا حوالي 1380 عامًا وهي كلها طبقة إسلامية سنية باستثناء الفترة الفاطمية التي كانت شيعية.

ويكمل فكري: وبافتراض أن تاريخ الدولة المصرية بأكمله يبلغ 5066 عامًا فإن ذلك يعني وفقًا للتواريخ المذكورة أن مصر عاشت 53% من عمرها التاريخي فرعونية، و7% هلينية، و12% رومانية – بيزنطية (وثنية – مسيحية)، و27% عربية – إسلامية. إن ثقافة مصر مزيج بين الحضارات الفرعونية والهلينية والرومانية والقبطية والإسلامية، وسكانها ينتمون إلى أعراق مختلفة سامية وحامية عربية وإفريقية، وأيضًا بها بعض الأعراق التي لا تشكل نسبة كبيرة من السكان ومنها: الزنجية والتركية والبربرية والرومانية وأعراق دول حوض البحر الأبيض المتوسط، لذا فإن هوية مصر ثرية بزخمها الثقافي والحضاري والديني، والتعددية سمة يتميز بها المصريون. وتأسف القس لتجاهل المصري المعاصر لوزن المكون الفرعوني في هويته القومية بدعوى أن الفرع وثني يتناقض مع العروبة ومع الأديان فهذا لن يؤدي إلا إلى إضعاف مصر، كما أن التجاهل الحالي للمكونين الهليني والروماني بما يتضمناه من فترة مسيحية واضحة سيؤدي حتمًا إلى حدوث خلل في إدراك المصري المعاصر لهويته القومية.

وأضاف: هذه الهوية المصرية الثرية والرائعة والبديعة والعامرة بثمارِ عديدةِ من ثمارِ التلاقح الحضاري والثقافي هي اليوم معرضة لتدمير منهجي ومقصود لذاتها ومكوناتها، ولتعدد رقائقها العاكس لأهم الفوارق بين المجتمع المصري ومجتمعات أخرى محيطة شديدة الفقر الحضاري والثقافي بسبب أحادية أبعاد مكوناتها. وإذا استمرينا في السماح بمحو أشكال هويتنا الثقافية، سيأتي علينا وقت لن نجد فيه مكانًا نسميه الوطن.

واستطرد رفعت قائلًا: إن احتفالية نقل مومياوات الملوك والملكات ينبغي أن تكون انطلاقة جديدة لمستقبل حداثي أكثر إشراقًا، ويجب أن تكون ملهمة للمؤسسات التربوية والإعلامية والدينية لبناء إنسان مصري عصري مفكر لا مكفر، منفتح لا منغلق، محب للفنون ونابذ للتعصب وقابل للآخر المغاير ومتصالح مع ثقافته وتاريخه وقابل لثقافات الآخرين المتعددة في الداخل والخارج.

وأضاف أن ثقافة مصر مزيج بين الحضارات الفرعونية والهيلنية والرومانية والقبطية والإسلامية، وسكانها ينتمون إلى أعراق مختلفة سامية وحامية عربية وإفريقية، وأيضًا بها بعض الأعراق التي لا تشكل نسبة كبيرة من السكان، لذا فإن هوية مصر ثرية بزخمها الثقافي والحضاري والديني، والتعددية سمة يتميز بها المصريون.

كما أن انتماء مصر الجغرافي متعدد، فمصر إفريقية وعربية وشرق أوسطية وتنتمي إلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط، لذلك فإنه وسط كل هذه المعطيات الثقافية والحضارية والجغرافية والتاريخية يصبح الحديث عن هوية محددة لمصر من أصعب المسائل وأعقدها، هذا فضلًا عن أن مصر، وإن كانت تنتمي للأمة العربية، ولكنها تنتمي أيضًا للقارة الإفريقية.

وأوضح أنه على الرغم من عظمة دستور 1923، إلا أن هناك بعض القوى المصرية اعترضت على بعض نصوصه، وجاءت الاعتراضات منذ قرن من الزمان حول مادة دين الدولة ولغتها وهي كانت المادة رقم 149، وكان طه حسين في مقدمة الرافضين، وامتلك شجاعة الكتابة، فقال إن النص على دين للدولة يتناقض مع حرية الاعتقاد.

واللافت للنظر أنّ طه حسين لم يكن لوحده، ولكن كان أبرز من كتبوا ضد اللجنة التي خضعتْ لرأي وضغوط الأصوليين محمود عزمي، فبينما كانت مواد الدستور مجرد (مشروع)، أي قبل أن يُعتمد الدستور رسميًا للعمل بمقتضاه، كتب مقالًا بعنوان (العقيدة الدينية في لجنة الدستور) قال فيه: «إنّ ذلك النص المُـقرر للدولة دينًا رسميًا هو ذلك الذي يريد أن يستغله أصحاب الآراء العتيقة … وهو الذي سيجر على البلاد ارتباكــًـا قد ينقلب إلى شر مستطير».

وأضاف القس رفعت: نحن نتطلع لبناء جمهورية جديدة، فلا بديل عن أن نحيا نحن المصريين في ظل نظام علماني”بفتح العين”، فالدستور الحالي به بعض المواد الدينية وهذه المواد تعرقل مسيرة العلمانية.

فلا وجود لدولة وطنية دون عَلمانية، ولا حرية دون عَلمانية، ولا ديمقراطية حقيقية دون عَلمانية، ولا حقوق إنسان دون عَلمانية، ولا حداثة دون عَلمانية، ولا تقدم دون عَلمانية، ولا حل للتوترات الدينية في شرقنا ومصرنا إلا بالعلمانية.

واختتم القس رفعت فكري كلمته بأن الدولة شخصية اعتبارية لا دين لها، فهي لا تصلي ولا تصوم ولا تتصدق، وإذا أردنا تفعيل الهوية المصرية وقبول التنوع والتعددية داخل الهوية المصرية، فلا بديل عن حذف المواد ذات الطابع الديني من نصوص الدستور لننعم بدولة وطنية في ظل مناخ علماني.

عصام عبد الفتاح: لا يمكن أن نحصر أنفسنا في حقبة زمنية واحدة… فلدينا زخم حضاري… ولكننا لا زلنا نعاني من جرثومة التخلف

بدأ د. عصام عبد الفتاح، أستاذ تحليل الخطاب الديني والأدب الفرنسي بجامعة حلوان، كلمته بالتساؤل عن معنى “الهوية” وهل هي تشير إلى “هو”؟ إن كانت كذلك فهناك مدلل معرف ومعروف وثابت له، ومن الزاوية الفلسفية ترتبط إشكالية الهوية بثنائية متأصلة في الفكر الفلسفي منذ القدم، وهي ثنائية الثابت والمتغير. فقد كان الفيلسوف الإغريقي بأرمنيدس يقول إن الوجود الحقيقي ثابت أما ما يطرأ عليه من تغير فهو وهم، وكانت له عبارة شهيرة تقول: «المرء يبقى دائمًا على ما هو عليه». وعلى النقيض من بأرمنيدس، جاء هيراقليطس ليدحض فكرة الثبات ويدافع عن فكرة التغير، معتبرًا إياه جوهر الوجود الحقيقي، وهو صاحب العبارة التي تقول: «إنك لا تنزل النهر مرتين، لأن مياهًا جديدة ستغمرك كل مرة».

وأضاف أنه قد رسخت في الأذهان الفكرة الوجودية لسارتر القائلة “إن الإنسان هو الكائن الوحيد في العالم الموجود لذاته وليس الموجود في ذاته”، أي أنه الكائن الوحيد الذي يمضي جل حياته في تغيير هويته مستعينًا بإرادته بحيث لا يمكن أبدًا التنبؤ بما ستصير عليه هويته في كل لحظة قادمة. وعلى عكس ما حدث في الغرب، كانت فجيعة العقل في الشرق مردودة إلى التفوق الزمني الساحق للعقل الغربي عليه فبات يعذب نفسه بسؤال أبدي: لِمَ تخلفت وتقدم غيري؟ وبدلًا من رد الاعتبار إلى العقل الناقد راح يضمد جراح التخلف الحضاري أمام الآخر المتفوق عليه بالبحث عن ذاته في الماضي، كافرًا بفكرة الصيرورة والتغير.

ويكمل عصام: ولا يزال الأغلب الأعم من مفكريه يتساءلون: هل هويتي فرعونية، أم تُراها إسلامية عروبية، أم أنها خليط من هذا وذاك؟ وتغافل عن واقع واضح أمام عينيه، ألا وهو أن الحضارة الغربية في هذا العصر الكوكبي هي حضارة واحدة للإنسانية جمعاء، حضارة عقل لا يملك عاقل التنصل منها.

في الحقيقة، نحن نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم الهوية من حيث كونها ليست عنصرًا واحدًا، لأن الإنسان متغير وتتراكم علينا الحضارات فنزداد ثراءً حضاريًا ولا يمكن أن نحصر أنفسنا في حقبة زمنية بعينها باعتبارها هويتنا الوحيدة الثابتة، إذ لم يعد مشروعًا الحديث عن حضارات متعارضة أو متصادمة، وإنما ثمة حضارة إنسانية واحدة صهرت البشرية كلها في بوتقتها، ولا يوجد في الواقع إلا ثقافات مختلفة ومتطورة لشعوب متعددة. ولا يتصور أن تكون هناك هوية ثابتة تحيا خارج الزمان.

ويذكر المفكر المصري أن المعروف أن العلمانية في معناها الفلسفي الدقيق، كما يعرِّفها الدكتور مراد وهبة، هي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق، أي أنها بطبيعتها منهج فلسفي يدرأ عن الإنسان الذي ينتهجه في تفكيره الوقوع في الوهم بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة. ومعنى ذلك أن العلمانية وفقًا لهذا المفهوم لديها مناعة ذاتية يمتنع معها أن تتحول إلى أيديولوجيا تتوهم أنها جاءت بالحقيقة المطلقة.

إن تفكيك مصطلح الهوية يقود إلى نتيجة مهمة لا شك فيها، ألا وهي ضرورة النظر إلى الهوية بوصفها مشروعًا يقوم الإنسان بتخليقه وإنجازه دون توقف طيلة حياته، ولا تنتهي هذه العملية إلا بموته. فهوية الإنسان الحقيقية تحددها إجابته عن السؤالين الآتيين: «ماذا أفعل في حياتي؟ وما هي رؤيتي المستقبلية التي أريد تحقيقها؟» وهذه الرؤية تستند إلى أن جوهر الحضارة يكمن في كونها إنسانية عالمية وليست خصيصة تختص بها عقدية أو ديانة معينة دون غيرها.

ويضرب عبد الفتاح مثلًا بالحضارة الأوروبية التي لا يمكن حصرها في أصل معين أو ديانة محددة، وإنما ساهمت، ولا تزال، في تكوينها عوامل عديدة متشابكة، وما كان لها أن تبزغ في سماء الوجود دون ما سبقها من حضارات إنسانية أخرى، كما لا يمكن لها أن تظل حية متوثبة لو أنها انكفأت على ذاتها لتبحث عن هوية ثابتة لها ذات أصل واحد في ماض سحيق، وإنما هي تواصل باستمرار تخليق هويتها فيما تبتدعه من اكتشافات علمية ومعرفية وحلول لمشاكل الإنسان المتعددة. كما تدخل في هذه الهوية محاولات الإنسان في استباق الحاضر لاستشراف المستقبل حتى لا تباغته مشاكل يستعصى حلها. إن أخطر ما يهدد التفسير الأحادي للهوية لا يكمن فقط في إلغائه الثراء الذي تثمره الحضارات الإنسانية المنصهرة في بوتقة الهوية وإنما أيضًا في عملية البتر التي يجريها على جسد الهوية لكي يحتفظ بجزء يسير منه.

وحتى في العصر الاستعماري نحن نستثمر فيه اكتساب الثقافات وتنصهر فيها هويتنا مع هويتهم لتخرج بهوية جديدة وهكذا، ولكن بعد وصول الأصولية نجد أنفسنا نفقد الكثير من ثرائنا الحضاري.

أما عن إشكالية القانون، فيقول: فالقانون يريد أن يعبِّر الواقع عما يراه واجب الحدوث، فواضعو الدستور يضعون الفكرة التي يريدون تحقيقها في الواقع حتى وإن كانت غير ملهمة وفق أيديولوجياتهم، لذا نرى أن هناك قوانين متروكة لتقدير القاضي، وهنا يحكم بأيديولوجياته، والدليل على ذلك أن هناك نصوصًا مختلفة مع نصوص أخرى في البلاد العربية، فمعظم الدساتير تضع الدين في الدستور، بينما الدولة ليست لها علاقة بالدين.

أما عن مصطلح “مدنية”، فأوضح أنها كلمة في منتهى الغموض وإن دلت على شيء فإنها تدل على سيطرة الخوف على العقل الجمعي فاستبدلوا كلمة “العلمانية” بكلمة “مدنية” والتي قد نتقبلها العقلية الأصولية والتي ترى مخطئة أن العلمانية هي مرادف الإلحاد بينما العلمانية في الأساس تعني فصل الدين عن الدولة.

وتأتي هنا الإشكالية حول ماهية “المدنية” التي قد تعني نقيض الريف، أو نقيض الحكم العسكري، أم انها نقيض الأصولية؟! … هناك تلاعب بالكلمات الهدف منه استبعاد لفظ “العلمانية” من القاموس المصري وكاد ذلك المصطلح أن يندثر رغم أن مفهومه الأصلي هو فصل الدين عن الدولة وهو ما يزعج الجمع الأصولي، حتى أن الكُتاب يتمسكون بمصطلح “المدنية” بدلًا عن “العلمانية” متأثرين بالتيار الأصولي أو خائفين من مواجهته.

وللأسف قد نتحجج بأن السبب وراء تخلفنا وعدم تقدمنا هو الاستعمار، وهذه حجة غير واقعية، فكل الدول تعرضت للاستعمار والكثير منها قد تقدم، بينما نحن لم نتقدم سوى التقدم التقني من حيث الاستخدام فقط للتقنيات، وفقدنا القدرة على التفكير في المجردات أو ابتكار شيء جديد، لم نعرف التطور أبدًا، وكأن التقدم توقف عند حدود الدول العربية بسبب العقلية الأصولية.

واختتم حديثه بأنه على المثقف عبء كبير لحل تلك الإشكالية، فالمثقف للأسف حاليًا فقد هويته ولا بد له أن ينخرط في عملية التراكم للتخلص من رباط الأصولية، فنحن في حاجة إلى ثورة عقلية للتغير، فالمصري يستطيع إثبات هويته فقط بالمواجهة أمام الآخر، فنحن في حالة تخلف ولا زالنا نعاني من جرثومة التخلف.

حلمي نمنم: الهوية قائمة على التعدد والتنوع.. ولدينا أزمة المصطلحات يستغلها الأصوليون أسوأ استغلال

أكد المفكر المصري حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، أن سؤال الهوية كان شاغلًا للثقافة المصرية في العصر الحديث منذ كتاب رفاعة الطهطاوي “مناهج الألباب المصرية في مذاهب الآداب العصرية”، ثم كتابات الشيخ حسين المرصفي، ومحمد عبده، وصولًا إلى توفيق الحكيم، وأعمال نجيب محفوظ الأولى المتعلقة بالتاريخ الفرعوني، ثم الدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور طه حسين، وعباس محمود العقاد، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، ويوسف إدريس، وجمال الغيطاني، فكل هؤلاء المبدعين العظام كان شغلهم الشاغل سؤال الهوية.

وأشار النمنم إلى أن هذه الهوية قائمة على التعدد والتنوع، فالهوية المصرية منذ العهد الفرعوني هوية منفتحة ومتسامحة، ومحاولة تغييب أي جانب من جوانب الهوية المصرية تكشف عن جهل بالشخصية المصرية والتاريخ الحضارة المصرية القديمة.

وأضاف أننا لا يمكن أن نفصل هوية مصر عن موقعها الجغرافي الشرق أوسطي الذي يطل على البحر المتوسط، لذا نحن بالضرورة مشتركون ومتأثرون بثقافة البحر المتوسط وثقافة اليونان، على سبيل المثال، فلاسفة اليونان الذين زاروا مصر مثل أفلاطون وفيثاغورث وغيرهم. وربما تكون الإسكندرية في مصر مثالًا لهذه الثقافة، حيث هاجر إليها واستقر بها آلاف من دول المتوسط اليونان وإيطاليا وأيضًا الجاليات الأوربية المتعددة التي استقرت في مصر. والبحر المتوسط جزء مهم من دوائر التحرك المصري، حيث يربط المتوسط بين دول من أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتمثل مصر بالفعل مكان التقاء لهذا العالم المتعدد.

وانتقد دستورنا الحالي الذي ما زال يستخدم مصطلح” الأديان السماوية” والذي يشير بصورة غير مباشرة إلى وجود “أديان وضعية”، تلك المصطلحات التي اختفت من العالم بأسره، ولكننا ما زلنا نستخدمها حتى في دستورنا إلى هذا اليوم، رغم أن التصنيف الدارج والعالمي الآن هو “أديان توحيدية” و”أديان غير توحيدية”.

وأشار إلى أن هناك تيارًا مصريًا يصر على الهوية الأحادية، ومصر لا يمكن أن تكون أحادية الهوية، وهي الهوية العربية أو الإسلامية، بالرغم من أن المرحلة الإسلامية نفسها لم يكن فيها الفكر أحادي الهوية، والإسلام أيضًا متمثلًا بالنبي كان لديه مفهوم الوطن وتعدد الثقافات، ففي غزوة حنين أراد بها الرسول دفاعًا عن مركز دولته التي وحد فيها مكة والمدينة، لتكون منطلق الدعوة لدين الله الجديد فيما حولها. أما جيش النبي هذه المرة فقد كان مختلفًا عن سابق غزواته التي كان قوامها المؤمنون به من المهاجرين والأنصار، فقد كانت مكة المراد الدفاع عنها صد غزو الطائف فيها الكفار الذين لم يفرض عليهم الرسول الإسلام يوم الفتح ولا ألزمهم به، وإنما منحهم أمانًا مطلقًا بغير شروط: اذهبوا فأنتم الطلقاء. أما وأن المعركة اليوم ليست دفاعًا عن المسلمين وحدهم، بل عن الكفار أيضًا الذين يسكنون مكة التي فتحها المسلمون، فقد تقدم الكفار للدفاع عن وطنهم. لم يستبعدهم الرسول ولو من باب الشك والاحتياط، فلم تعد المعركة بين مسلمين وكفار، بل بين وطن بمسلميه وكفاره، وبين معتدين لا تعنيهم العقيدة في شيء قدر ما تعنيهم مصالحهم المهددة بتفوق مكة على الطائف، ومن ثَمَّ كانت غزوة حنين مختلفة في هدفها الذي جمع الجميع مسلمهم وكافرهم بمكة، باعتبارها معركة وجود، لا معركة دين ودعوة بين مسلمين وكفار كما كانت المعارك من قبل.

فبدأ تجهيز جيشه الذي انضم إليه ألفان من المكيين، بينهم اثنان من أعيان مكة وسادتها من الكفار، وهما صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بن عبد شمس، وشارك غيرهما من غير الأعيان أو الوجهاء عشرات من شباب مكة في جيش حنين، دون أن يعتنقوا الإسلام، وبدأ النبي يجمع السلاح تأهبًا للهجوم، ولما كان النبي يعلم أن صفوان لديه أسلحة ودروع، أرسل إليه، ودار هذا الحوار المثير بين النبي وهذا المشرك: “يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدًا.” فرد عليه: “غصبًا يا محمد؟” قال: “بل عارية -استعارة- حتى نؤديها إليك.” قال صفوان: “ليس بهذا بأس.”

إذًا فقد تعامل الرسول مع صفوان كمواطن له حق المواطنة بصرف النظر عن عقيدته، وكان يمكنه – ولن يلام – أن يصادر سلاح صفوان من أجل المصلحة العامة، فإذا اعترض أمر بحبسه أو حتى بقتله، فهو كافر يستحل دمه، ولكنه لم يفعل واستعار سلاحه ليحارب به، ثم كافأه بعد النصر بأكثر مما يستحق.

واستطرد نمنم: إن كنا نريد أن نعلم هويتنا علينا أن نراعي تاريخنا، فمثلًا بدأ المصريون تناول الفول بعدما دخلت المسيحية مصر، فلم يكن المصريون القدماء يأكلون الفول قبلها وكان الفول أكل الماشية فقط، بينما بدأ الأقباط يأكلونه نظرًا لصياماتهم الكثيرة، وشاركهم المسلمون ذلك فلم يغيروا ذلك، حتى أصبح الفول أشهر طبق على مائدة المصريين سواء الأقباط او المسلمين، فأصبح أحد أشهر مظاهر الوحدة الوطنية هو “طبق الفول”.

حتى عبد الناصر لم يتحدث عن العروبة كما يزعم البعض، ولكنه كان يدور في دوائر ثلاثة: الإفريقية، العربية، الإسلامية، بينما تعبير “الأمة العربية” أو “العالم العربي” كان أول مَنْ استخدمه هو طه حسين في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر”.

وبالتالي الهوية المصرية لا نستطيع أن نحصرها في جانب واحد، لا الجانب الإسلامي، ولا الجانب القبطي، ولا الجانب الفرعوني، فعظمة هذا البلد في ثراء الحضارات.

أما عن التركيبة السكانية في مصر، فهي أيضًا ثرية ومتنوعة، فنجد الشعر النبطي في جنوب سيناء، وأمازيغ مصريين في سيوة، والزي الليبي المنتشر في مرسى مطروح وهكذا، فالمصري يعيش بسجيته وفطرته النابعة من الحضارات المتعددة، بينما مَنْ يصنع ويختلق الأزمات هم النخبة الثقافية.

أما عن الأقباط والقومية العربية، فقال: إن العروبة سبقت الإسلام، والقومية العربية ليست الإسلام، كما أن رمز الكرم العربي “حاتم الطائي” كان مسيحيًا من سكان الجزيرة العربية، ولكن التصور الخاطئ لدى البعض هو أن العروبة أو القومية العربية هي منتج إسلامي وهذا غير صحيح.

أما عن حرية العبادة عند المصريين القدماء، فأكد نمنم أن أقدم مثال عليها كان في مدخل معابدهم، فكانت هناك غرفة تسمى “غرفة آلهة الضيوف”، فكان وقتها تعدد الآلهة منتشرًا، وكانوا يحترمون المصري المسافر من إقليم لإقليم بأن يتركوا حجرة داخل معبد إله ما لعبادة آلهة أخرى، فهم خير مثال على حرية التعبد والحرية الاعتقاد منذ أكثر من 4 آلاف عام.

حتى الأزهر الشريف كان متاحًا إقليميًا وجغرافيًا وفيه أروقة لكل المذاهب، فكان أيضًا مثالًا لحرية المذاهب.

وتطرق المفكر المصري إلى أزمة المصطلحات التي لدينا والتي يستغلها الأصوليون أسوأ استغلال، كمثل اتهام العلمانية بالكفر وتمسك بها الإخوان في كتبهم، وهي ليست بكفر ولكنها ترجمت في أواخر القرن العشرين بأنها “الدنيوية” أو “المدنية”، وهكذا تطورت الترجمة مع الوقت، كذلك الثورة الفرنسية ذكرها الطهطاوي في كتابه على أنها “الفتن الفرنسية”، فلم يكن مصطلح الثورة موجودًا، وظهر لدى مؤرخ شامي في أحد كتبه بعدها بعشرات السنوات… وهكذا فإن اللغة تطور مصطلحات بينما العقول تقف محلك سر.

واختتم كلمته بأنه علينا أن نواجه الحقيقة الممزوجة بالمرارة، فالنخبة الثقافية المصرية لدينا هي نخبة مرتعشة الأيادي، جعلتنا نقف محلك سر في التعريف الصحيح للمصطلحات، وعلينا أن نتحرر من الخوف ومن النفاق والشجاعة الأدبية لنواجه أنفسنا، فمصر أكبر من أن تتقوقع في تيارات أحادية، فمصر أكبر منا جميعنا.

مشاركات الحضور

ومن كلمات الحضور، قال الأستاذ أشرف راضي إن هناك بارقة أمل في تجمع اليوم لنتحدث عن هوية مصر في حوار مشترك ديمقراطي مع أعمدة وقامات كبيرة على المنصة، وعرَّف العلمانية بأنه ليس لها تعريف معتمد، وأشار إلى أهمية مشروع “مصر للمصريين” الذي يؤسس لفكرة المواطنة وتجمع كل مَنْ ينتمي إلى هذا الوطن ليعبِّر عن مصريته بغض النظر عن أصوله وجذوره.

بينما يرى الأستاذ رفعت عوض الله، وهو أحد الحضور، أن الهوية متغيرة وهي تتمثل في سعي الإنسان نحو الإنسانية، فالإنسان بالعلم أنسن العالم المحيط به، وهكذا نشأت الحضارة، والمسار الحضاري هو نقل من التفكير الأصولي إلى التفكير العقلاني إلى سيادة العقل والمنطق والحضارة الواحدة التي قوامها العقل.

وقال الدكتور عبد الله شلبي: إن الحديث يكثر عن الهوية عندما تستشعر جماعة اجتماعية -أي جماعة- أخطارًا تهدد وجودها المادي.

والأخطار التي تهدد الجماعة المصرية الآن:

1- ثقافة أي شعب والتي تشكل هويته 80% منه هجين نتيجة تلقيح ثقافات مختلفة، ومن هنا تثار فكرة المحافظة على الخصوصية.

2- حركة التهجير التي يتعرض لها المجتمع المصري بداية من السبعينات.

3- السياق العام، منذ نهاية القرن الثامن عشر يتعرض المجتمع المصري لحالة من التطور الحداثي المحتجز، والمجتمع المصري مازال يحاول إنتاج الماضي وليس القطيعة معه.

4- فكرة اختيار الله لشعب معين، وهي فكرة موجودة في كل الأديان.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا