المجامع المسكونية هي اجتماعات كبرى لقادة الكنيسة المسيحية من جميع أنحاء العالم، تُعقد لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن العقيدة، أو تنظيم الكنيسة، أو التصدي للبدع التي تهدد وحدة الإيمان. كلمة “مسكونية” تعني “العالم المسكون” أو “المعمورة”، مما يشير إلى تمثيلها الواسع للكنيسة الجامعة. تُعتبر قرارات هذه المجامع ملزمة للكنيسة بأسرها، وتُشكل علامات فارقة في تطور اللاهوت المسيحي وتحديد المعتقدات الأساسية للإيمان القويم، مثل تحديد طبيعة المسيح أو الثالوث الأقدس. وهي تختلف عن المجامع المحلية أو الإقليمية التي تتناول قضايا أضيق نطاقًا.
ويُعتبر مجمع أورشليم، على الرغم من صغره، مجمع كبير لأن الكنيسة نفسها كان امتدادها قليلًا، وقد ورد ذكره بشكل أساسي في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر، بالإضافة إلى إشارات إليه في رسالة غلاطية 2، واحدًا من أهم الأحداث في تاريخ الكنيسة المبكرة. لم يكن مجمعًا “مسكونيًا” بالمعنى اللاحق للكلمة، ولكنه كان اجتماعًا رسوليًا حاسمًا حدد مسار المسيحية كدين عالمي يتجاوز الحدود اليهودية.
المشكلة الأساسية: الختان والخلاص: نشأت المشكلة عندما بدأ عدد كبير من الأمم (غير اليهود) يؤمنون بالمسيح بفضل بشارة الرسل، وخاصة بولس وبرنابا في أنطاكية وأثناء رحلتهم التبشيرية الأولى. هؤلاء المؤمنون الجدد لم يكونوا يهودًا ولم يمارسوا شريعة موسى.
جاء بعض المؤمنين من أورشليم (غالبًا من الفريسيين الذين قبلوا الإيمان المسيحي) إلى أنطاكية، وبدأوا يعلّمون الأمم أن: “إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا.” (أع 15: 1).
كان هذا التعليم يمثل تحديًا مباشرًا لرسالة الإنجيل التي بشّر بها بولس وبرنابا، والتي ركزت على الخلاص بالنعمة والإيمان بالمسيح وحده، لا بالأعمال الناموسية. نشأ عن ذلك “جِدَالٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ” (أع 15: 2) بين بولس وبرنابا وهؤلاء المعلمين.
فهم بولس وبرنابا خطورة هذا التعليم، إذ أنه كان يهدد بفرض قيود يهودية على المؤمنين الأمم، مما سيجعل المسيحية مجرد طائفة يهودية بدلًا من رسالة عالمية للجميع. لذا، تقرر أن يصعد بولس وبرنابا وآخرون إلى أورشليم “إلى الرسل والقسيسين من أجل هذه المسألة.” (أع 15: 2).
المباحثات والمناقشات:
بطرس يتكلم: وقف بطرس وتكلم أولًا، مذكِّرًا بما فعله الله معه وكيف اختاره ليبشر الأمم، وكيف منحهم الروح القدس تمامًا كما منح اليهود، مطهرًا قلوبهم بالإيمان. قال: “فالآن لماذا تجربون الله بوضع نير على أعناق التلاميذ، لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله؟ لكن بنعمة الرب يسوع المسيح نؤمن أن نخلص، كما أولئك أيضًا.” (أع 15: 10-11). كانت مداخلة بطرس حاسمة، حيث أزالت الشكوك حول قبول الأمم دون الالتزام الكامل بالناموس.
بولس وبرنابا يرويان: بعد بطرس، استمع الجمع إلى بولس وبرنابا وهما يرويان “جميع العلامات والعجائب التي صنعها الله وسط الأمم بواسطتهما.” (أع 15: 12). هذا الشهادة العملية كانت دليلًا قويًا على عمل الله بين الأمم.
يعقوب (أخو الرب) يختتم: بعد أن سكت الجميع، وقف يعقوب (الذي كان على الأرجح رئيس كنيسة أورشليم، وكان له وزن كبير بين اليهود المسيحيين) وأعطى الحكم النهائي. بدأ يعقوب بالإشارة إلى كلام سمعان (بطرس) واستشهاده بكلمة الأنبياء من العهد القديم (عاموس 9: 11-12) التي تتنبأ بقبول الأمم. وقال يعقوب: “لذلك أنا أرى أن لا يثقل على الراجعين إلى الله من الأمم، بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام، والزنا، والمخنوق، والدم.” (أع 15: 19-20). ثم أضاف سببا عمليا: “لأن موسى منذ أجيال قديمة، له في كل مدينة من يكرز به، إذ يقرأ في المجامع كل سبت.”
(أع 15: 21) – مما يشير إلى أن هذه الأمور الأربعة كانت ذات أهمية أخلاقية واجتماعية لليهود المسيحيين، وأن مراعاتها ستسهل التعايش المشترك.
نتائج المجمع والرسالة:
أيّد الرسل والقسيسون والكنيسة كلها قرار يعقوب. أرسلوا رسالة رسمية إلى المؤمنين الأمم في أنطاكية وسوريا وكيليكية مع بولس وبرنابا ويُداس وكيلا (الذين كانوا رجالًا قياديين). نصّت الرسالة على:
عدم فرض الختان أو الناموس الموسوي كشرط للخلاص.
طلب الامتناع عن أربعة أمور أساسية:
1. نجاسات الأصنام (الأطعمة المقدمة للأوثان): لتجنب المشاركة في العبادة الوثنية أو ما يرتبط بها.
2. الزنا: قضية أخلاقية عالمية ومهمة في أي مجتمع.
3. المخنوق (اللحم الذي لم يذبح بطريقة تخرج الدم): لكون الدم له قدسية خاصة في الفكر اليهودي.
4. الدم (تناول الدم): لكون الدم يرمز للحياة وله قدسية خاصة.
هذه القيود الأربعة لم تكن شروطًا للخلاص، بل كانت توصيات عملية تهدف إلى: تسهيل الشركة والتفاهم بين المؤمنين اليهود والأمم. الحفاظ على قداسة الحياة المسيحية وتجنّب الممارسات التي كانت تعتبر دنسة في نظر اليهود، أو غير أخلاقية بشكل عام.
كان مجمع أورشليم لحظة محورية أعلنت استقلال المسيحية عن قيود اليهودية، وفتحت الأبواب على مصراعيها لبشارة الأمم. وهو ما سمح للمسيحية بالانتشار في العالم كله، ومهد الطريق لخدمة رسل الأمم في العالم أجمع.
المراجع تاريخ الفكر المسيحي – حنا الخضري جزء 1 ، تاريخ الكنيسة – جون لوريمر – جزء 1
https://madraset-elshamamsa.com/articles/Tari5Kenisa/Magma3Orshalim.html