هل تشعر في وقت أنك غير قادر على نسيان موقف ما وكأن بداخلك نار مشتعلة كلما تحاول إخمادها تزداد اشتعالًا في كل مرة تتذكره؟ هذه المشاعر اسمها: “مشاعر المرارة” فما أسبابها؟ وكيف تتكون بداخلنا؟ وكيف تتعامل معها؟
مشاعر المرارة لها أسباب كثيرة منها أسباب تخص الآخر ومنها أسباب تخصك أنت!
فيما يخص أسباب تكوين مشاعر المرارة بسبب سلوكيات صادرة من الآخر:
مثلًا: كلام مهين – خيانة – استغلال سلطته في ظلمك ضامنًا أنك لن تستطيع الدفاع عن نفسك لأنك الطرف الأضعف…. هذه السلوكيات تسبب وجعًا وجرحًا بداخلك ومن هنا تدخل في رحلة تكوين مشاعر المرارة:
أولًا: اختيار طريق الصمت وكبت مشاعرك بداخلك عوضًا عن التعبير عن ضيقك وغضبك أو مواجهة المتسبب في هذا، وذلك لعدة أسباب منها:
– مش عارف: حيث لم تتعلم أن تعبِّر عن نفسك عندما تشعر بالظلم.
– مش قادر: حيث الشخص الجارح له سُلطة عليك ومن الصعب مواجهته وإلا خسرت، مالًا – مركزًا…
– تجميد في الذهن: هناك شخصيات ذهنها يتجمد في هذه المواقف، خاصةً لو كان الجارح شخصًا قريبًا جدًا وغير متوقع، فلا تستطيع الكلام أو التعبير عن مشاعرها المجروحة.
– خائف أن تخسره: لأن أسلوبك يكون صعبًا: عصبي.. حاد.. قاسي… في المواجهة.
ثانيًا، عندما لا تستطيع المواجهة يظل بداخلك الجرح ينمو يومًا بعد يوم، عندها تكون النتيجة التفكير في الموقف.. الحوار… مرة واثنين وعشرة… بكل تفاصيله: “ليه ده حصل؟… ليه ما قولتش؟… ليه ما ردتش؟… معقول يعمل كده؟”
ثالثًا، هذا الحوار – السابق – يعمل على زيادة مشاعر الظلم بداخلك، فيزداد الوجع.. فيزداد التقوقع داخل الحوار السلبي…. وهكذا حلقة مفرغة، وخطوة خطوة تنمو بداخلك مشاعر سلبية وهي “مشاعر المرارة”.
باختصار.. خطوات تكوين مشاعر المرارة: جرح – صمت/كبت – إعادة التفكير – تراكم – والنتيجة تكوين مشاعر المرارة
ومما سبق نجد أن مشاعر المرارة هي: شعور متراكم من الغضب لم يتم التعبير عنه (الغضب المكبوت/الغيظ)، وهذا النوع يحذِّر منه الكتاب المقدس: “لَا تَغْرُبِ ٱلشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ”، وذلك لأنك كلما سمحت لهذه المشاعر السلبية بأن تنمو بداخلك زادت مشاعر المرارة لديك، والتي تتحول لكراهية والرغبة في الانتقام، حيث تظل عالقًا في الماضي بأحداثه المؤلمة بدلًا من الحاضر، وذلك بسبب توقف ذهنك عند الموقف الذي جرحك.
كيف تتعامل مع مشاعر المرارة بصورة صحيحة؟
الخطوة الأولى: المواجهة مع الشخص الجارح:
ولكي تنجح في المواجهة لابد أن تكون مدركًا أن هذه المواجهة غرضها استمرارية العلاقة مع الآخر لا قطعها، وهذا يعني أن تكون من سمات المواجهة:
1) اِغْضَبُوا وَلَا تُخْطِئُوا: أي احذر لكي لا يكون كلامك عنيفًا أو مهينًا.
2) ليس غرضها «مبدأ واحدة بواحدة»: أي مواجهة غرضها التعبير عن مشاعرك المجروحة ومشاركة الموقف الذي ضايقك وليس غرضها جرح الآخر كما جرحك: “لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم بل ما هو صالح للبنيان كي تعطي نعمة للسامعين”.
3) لا تظن السوء: لا تذهب للحوار وأنت حاكم عليه بالفعل إنه مذنب، فتكون غير مستعد لسماعه بل وتتهمه بالكذب عندما يحاول الدفاع عن نفسه؛ لكن أنت ذاهب للحوار معه ولديك الاستعداد أن تسمع دفاعه مع تغيير رأيك في ضوء معلومات جديدة عرفتها من حواره.
4) اختر معاركك: ماذا تعني هذه الكلمة؟ تعني إنه لا تقف على الواحدة، كل كلمة.. كل موقف… يضايقك؛ أما إذا كنت من هذه النوعية فذلك يعني أنك تحتاج أن تتعامل مع تلك المشكلة بصورة مختلفة بأن تفهم شخصيتك لتعديلها كي تتعلم كيف تتخطى مواقف دون أن تأخذ أكثر من حجمها.
5) تعلَّم سياسة تكبير الدماغ: هناك شخصيات لا تستحق منك المواجهة والعتاب بل كل ما تحتاج له وضع حدود في التواصل معهم، مثلًا:
– لو شخص علاقتك به سطحية إذن فالأمر لا يستحق منك عناء المواجهة واللوم والعتاب.
– لو كان الآخر يحاول أن يستفزك، فهنا عليك ضبط النفس وتجاهله ولا تجعله ينجح في استفزازك.
– الشخصيات التي لديها المهارة في قلب الترابيزة عليك وتصبح النتيجة النهائية لك من مجروح لجارح.
الخطوة الثانية: تعديل شخصيتك إن كانت تتسم بصفة تمنعك من المواجهة.. مثلًا:
– أسلوبك عصبي أو حاد، فمن المهم تبدأ رحلة التغيير.
– عدم قدرتك على التعبير عن نفسك بصورة صحيحة، مهم تبدأ التدريب على التعبير عن نفسك.
ولكي تبدأ بصورة صحيحة تحتاج لشخص قريب منك:
– يصارحك لماذا أسلوبك في الحوار صعب مما يجعل الآخر لا تصل له رسالة أنك مجروح منه.
– ويساعدك على التعبير عن مشاعرك بصورة صحيحة.
الخطوة الثالثة: لا تستسلم لتجميد ذهنك عند الموقف وتتخطاه بدون حوار:
البعض لا يمتلك سرعة بديهة في الرد، لذا قد يمر الموقف والمجروح يتجمد ذهنه ولا يستطيع الرد على الجارح، وإن نصحته بالمواجهة تكون إجابته: “الموقف عدى خلاص.. صعب أرجع أفتحه تاني”، مع أن هذه الطريقة تزيد من مشاعر المرارة لديه لأنه لن يستطيع أن يتخطاها وتظل بداخله مشاعر متألمة. فإن كنت من هذه النوعية من الشخصيات، من المهم التدريب على التعبير عن مشاعرك المجروحة حتى لو انتهى الموقف وذلك بمواجهة جارحك؛ ومن الممكن أن تبدأ بجملة: “يوم كذا حدث موقف ضايقني وساعتها ما قدرتش أتكلم معاك لكن أنا محتاج حاليًا أشاركك” ثم تكمل الحوار معه مطبقًا خطوات المواجهة السابق ذكرها.
ماذا لو كان جارحك شخص ذا سلطة عليك؟ كيف تتعامل معه؟
في هذا الموقف عليك التقييم:
1) لو كانت طبيعته الاستماع، من الممكن التحاور معه ولكن وأنت مدرك طبيعة الوضع، فهو: “مدير/مسئول/قائد….” وأنت: “مرؤوس”، فكونه أعطى لك حرية الحوار لا يعني هذا أن تكسر حاجز العلاقة الرسمية بينكما، بمعنى أن يكون كلامك رسميًا وفيه أسباب منطقية، وفي النهاية القرار له؛ ومهم تقبل قراره.
2) لو كان عصبيًا.. مسيطرًا.. يقلب الترابيزة… فهذا يعني أنه لن يسمع لك بل وأي كلام منك له سوف ينقلب ضدك سواء في الحوار، القرارات، سلوكه معك… لذا في هذه الحالة من المهم أن يكون لك صديق حكيم خارج دائرة عملك لكن يعرِّفك جيدًا كي يساعدك على كيفية التعامل مع هذه الموقف وصاحب الموقف.
كان هذا فيما يخص كيفية التعامل مع لغة مشاعر المرارة إذا كان السبب هو الآخر، فماذا لو كنت أنت السبب في هذه المشاعر؟ هذا ما سنعرفه في المقالة القادمة…