القس رأفت رؤوف الجاولي
“كما غفر المسيح لكم هكذا أنتم أيضًا” (كو3: 13)
1- الغفران ليس عملية سلبية للنسيان أو ترك شيء يبهت في الذاكرة، بل هو عملية إيجابية تتضمن اختيارًا واعيًا ومسار عمل مقصوداً.
2- الغفران ليس إعطاء الأعذار قائلًا: “حسنًا، لم يكن الأمر كبيرًا”؛ فالغفران عكس إعطاء الأعذار، ويمكن للغفران أن يكون مكلفًا ومؤلمًا.
هناك كتاب غير عادي عن الغفران كتبته “روث”، وهي ابنة الواعظ الأمريكي الشهير القس بيلي جراهام. لقد تخطت روث كل حواجز الخوف من أن تكون مسيئة لأسرة رائدة في الخدمة المسيحية، وفجرت أسئلة صعبة من تجارب مرّة حتى تتعلم الغفران. فيما يلي ملخص لما فاض به الروح القدس وألهمها لتكتبه:
أولاً: نبض قلب الله
تدعونا روث بيلي جراهام لأن نسمع دقات قلب الله التي تقول ببساطة: “أنا غفور… أنا أب”. الغفران ليس مجرد فكرة أو تعليم نظري، بل هو هوية الله الحقيقية. تقول إن الله ليس فقط قاضيًا عادلاً، بل هو أب رؤوف، كما جاء في (مزمور103: 13): “كما يتراءف الأب على البنين، يتراءف الرب على خائفيه”.
الغفران إذن لا يُمنح لأنه مستحق، بل لأنه يفيض من طبيعة الله المحبة والرحيمة كأب. تحكي روث عن لحظة عودتها إلى بيت والدها بعد فشل زواجها؛ كانت غارقة في مشاعر الخزي والفشل، وخائفة من أن ترى في عينيه خيبة أمل أو حكمًا قاسيًا، لكنها فوجئت بردة فعل والدها التي لم تكن تتوقعها أبدًا، إذ استقبلها بذراعين مفتوحين وقال لها: “أهلاً بكِ في البيت”. هنا أدركت أن المشكلة الحقيقية لم تكن في والدها، بل في نفسها، وفي خوفها الدفين من أن يخيب أمله فيها، وفي إحساسها الدائم بأنها غير جديرة بحبه.
ثانيًا: جوهر الغفران
تتساءل روث: “هل يمكن أن يكون الغفران حقيقيًا من دون اعتراف بالألم؟ وهل يمكن أن نغفر لوالدينا من دون أن نقول لهم بصدق: لقد جرحتموني؟”. وتشرح فكرة مهمة: ليس بالضرورة أن يكون والدك إنسانًا شريرًا حتى يجرحك، وليس معنى الغفران أن تكف عن الشعور بالألم.
تحكي عن إحساسها في طفولتها بأنها مختلفة عن إخوتها؛ لأنها كانت تشعر بأنها لا تنتمي إليهم، وأنها صارت غير مرئية بعد ولادة أخيها “فرانكلين”، لدرجة أنها سألت أمها ذات يوم: “هل أنتم تبنيتموني؟”.
تصف كيف أن الغياب العاطفي لوالدها “بيلي جراهام” ترك أثرًا بالغًا فيها، وأدى إلى نتائج كبيرة على علاقاتها لاحقًا، خاصة في فشل زواجها وعلاقاتها العاطفية المتكررة. تصف ألمها المزمن بأنه لم يكن سببه كلمة قاسية أو ضربة، بل الغياب المستمر؛ فوالدها كان دائم الانشغال بالخدمة والجمهور، ولم يكن لديها فرصة أن تكون معه وحدها إلا نادرًا. هذا جعل الطفلة التي بداخلها تشعر بأنها غير مهمة، وأن عليها أن تكسب حبه بدلاً من أن تتلقاه ببساطة.
رغم أنها كانت دائمًا تدافع عن والدها وتحافظ على صورته لأنه كان رمزًا كبيرًا في عينيها، إلا أنها في مرحلة الشفاء بدأت تعترف: “لقد تألمت فعلاً من غياب بابا، حتى لو لم يقصد”. وهذا الاعتراف كان الخطوة الأولى الحقيقية نحو الغفران: “لم أكن أريد أن أعترف أني بحاجة لأن أسامح بابا؛ لأن الصورة التي في ذهني عنه كانت مقدسة جدًّا”.
ثالثاً: قوة النعمة
تعود روث لتذكر زيارتها لسجن أنجولا في لويزيانا ولقاءها السجين “مايكل” الذي كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام. رنم لها مايكل ترنيمة “It Is Well with My Soul” بسلام داخلي غير منطقي. عرفت لاحقًا أن مايكل كان قد قتل طفلاً صغيرًا بوحشية، وبعد شهور وصلتها رسالة من مبشر في نيبال يسألها: “هل قابلتِ مايكل؟”؛ لأن هذا الرجل كان جد الطفل المقتول، وقد غفر لمايكل منذ سنوات وكان يصلي لأجله أن يقبل المسيح قبل موته.
الغفران كسر قوة الشر، وتغلب على المسافة والزمن، ودخل إلى جدران السجن الإسمنتية ليحتفل بأن دَيْن مايكل الأبدي دُفع بالكامل بواسطة الرب يسوع.
رغم زياراتها المتكررة للسجون ووعظها عن الغفران، اعترفت أنها كانت لا تزال تصارع مرارة تجاه أبيها وتشعر بالخجل من ذاتها، فكتبت: “كنت أرفع صوتي وأكرر ترانيمي، لكن صوتي الداخلي كان مليئًا بالشك والألم. كنت أريد أن أعيش تلك النعمة التي رأيتها في مايكل والجد، لكن قلبي لا يزال مقيداً بالخزي والندم”. هنا فهمت أن النعمة ليست فكرة جميلة، بل هي قوة حقيقية توقفك فجأة، تسلب أنفاسك، وتنزع أسلحتك؛ قوة غير منطقية وغير متوقعة وغير مستحقة، لكنها غامرة وحقيقية.
أخيرًا:
أحيانًا نبالغ في تصوير الغفران على أنه أمر غير منطقي أو صعب للغاية، وننسى أن الغفران أمر حقيقي وإن كان مؤلمًا، لكنه يمكن أن يكون واقعًا روحيًا مُعاشًا. معاناة عدم الغفران أكبر بكثير من الألم الذي قد نشعر به عندما نتحرك بقلب غافر، فسرعان ما يأتي إلى القلب فيض من الرضا الإلهي بأننا أنجزنا كما علمنا الابن الكامل، شخص الرب يسوع: أنجزنا غفرانًا فعليًا.