منذ اليوم الأول لخلق التاريخ، بالتفاعل بين الجغرافيا والإنسان، وكثيرون يؤمنون بأهميته لكنهم لا يهتمون به، وثمة من لا يعتقد بأهميته!
قد يكون التاريخ غير مهم في ذاته، لكنه يصبح مهمًا عندما يرتبط بوقائع وتواريخ أخرى.. فالتاريخ يخبرنا الكثير عن العلاقات بين الأشياء، أنه كإشارات الطرق، كل من يريد تعلم القيادة عليه أن يحفظها أيضًا!
في التاريخ، توجد أفكار لا يمكن مقاومتها؛ لأنها تنبع من أعمق أعماق الأشواق التي يتوق إليها البشر، كفكرة السلام، والحرية!
وفي التاريخ، الشعور بتفاهة اللحظة التي عشناها نحن البشر، في هذا الامتداد الزمني الكوني الهائل، والتأكيد على أنه في كل يوم من عمرنا لا نواجه الساعة، أو اليوم، بل الأبدية!
وفي التاريخ، تخليد للأحداث المركزية في حياتنا، وهو عنوان الذكريات؛ فمن منا ينسى الساعة التي تفرّس فيها لأول مرة في وجه أول مولود رزقه به الله، أو الساعة التي ودّع فيها لآخر مرة وجه حبيب أنتقل إلى العبر الآخر من الحياة!
ولأن البشر دائمًا موضوع التاريخ، والتاريخ هو سجل أفكارهم وأعمالهم، ومشاعرهم، والتي تشكل أكثر الموضوعات الإنسانية تفردًا وفتونًا؛ فنحن نستطيع أن نصنع التاريخ الخاص بنا، بأن نراجع فيه، تقويمنا التشاؤمى عن قدراتنا الكامنة فينا، وجعلها أملًا متجددًا، وأن نجعله أكثر قربًا منا بأن نُعيّن التواريخ ذات الأهمية الخاصة في حياتنا وحياة من نعرفهم: كتاريخ الميلاد وغيرها من المناسبات – كثير منها يتكرر سنة فسنة ـ؛ فنتواصل مع أنفسنا، ومع عائلاتنا وأحبابنا!
ولأن التاريخ، هو ظلنا، ومرآتنا؛ فلنجعله عظيمًا حيًا ملهمًا لمن يأتي بعدنا…!
[2] هل نحن في العام الماضي أم الجديد؟!
يعجبني تعبير: “يتصرف مثل الساعة”!
ولو سرنا فعلًا على منوال الساعة، لما أخطانا في احتساب الألفية، ولا في احتساب السنة!
كيف…؟!
اعتقد الكثير من الناس، اعتقادًا خاطئًا، أن الألفية الثالثة بدأت في الأول من يناير من عام 2000!
وذلك، لأننا عندما حددنا بداية عام 2000 بداية القرن الجديد، فإنها في الواقع لا تعنى بداية الألفية الثالثة، لأن الألفية الأولي بدأت عام 1 ميلادية، أي بعد مرور اثني عشر شهرًا على مولد السيد المسيح، وانتهت في 31 ديسمبر عام 1000 ميلادية. وبالتالي كانت بداية الألفية الثانية في 1 يناير عام 1001 ميلادية لتنتهي في 31 ديسمبر 2000 ميلادية.. وعليه بدأت الألفية الثالثة في 1 يناير 2001 ميلادية وليس سنة 2000 ميلادية!
وهذا خطأ يأتي كل عام!
ولكي نتفهمه ونتقبله، علينا أن نستعيد معًا كيفية تحرك عقارب الساعة: فعندما يتلاحم مؤشرا الدقائق والساعات عند النقطة 12، فهذا لا يعني بداية الساعة الثانية عشرة بل انتهائها.
وعندما رفعنا روزنامة عام 2025 على حوائطنا واخذنا نتابع سقوط أوراقها كل يوم، فهذا يعني – لو تحكمنا إلى الساعة – أن هذه الأوراق ماهي إلا من رصيد أوراق عام 2026 ، وليس من عام 2025، التي انتهت بالفعل، وبدأت في تصورنا نحن فقط، أي أننا الآن نبدأ الأيام الأولى في عام 2027!
إن الزمن يُعلن في نهايته: نهاية الساعة، نهاية اليوم، نهاية السنة، وليس في بدايته!
[3] نشيد الأمل
مثلما ترنو زهرة دوار الشمس، عبر طاقات الليل المظلمة، إلى أول شعاع، من أول ضوء لشمس يوم جديد!
مثلما تنتظر الأم على باب أحشائها، أول صرخة، وأول نظرة، وأول كلمة لأول وليد!
مثلما ينتظر الزارع، بذوره المدفونة في أعماق الأرض، إلى يوم اللقاء في مواسم الحصاد الغامرة، بالخير العميم!
مثلما ينتظر كل طالب، وكل دارس، وكل باحث في العلم – بعد عناء السهر ـ؛ ليمنحه إكليل تفوقه المجيد!
هكذا يكون الأمل، وهكذا أعيش الأمل إلى المدى!
الأمل، يضيء للإنسان الطريق القاسي إلى الحياة، وهو الاستمتاع بالمستقبل، قبل أن يجيء، وهو الحياة بعد أن يجيء!