35.5 C
Cairo
الخميس, يوليو 2, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيصعود المسيح والكنيسة بين المجد والشهادة

صعود المسيح والكنيسة بين المجد والشهادة

ق. استفانوس زكي

بعد قيامة السيد المسيح من الأموات، أظهر نفسه حيًا لتلاميذه ولآخرين أيضًا لمدة أربعين يومًا، من خلال ظهورات متعددة ومتنوعة، ببراهين كثيرة، مؤكدًا حقيقة قيامته ومعلنًا لهم أسرار ملكوت الله. فقد ظهر لمريم المجدلية، ولتلميذي عمواس، وللتلاميذ والأبواب مغلقة، وللتلاميذ ومعهم توما، ولسبعة من التلاميذ عند بحر طبرية، وظهر أيضًا لأكثر من خمسمائة أخٍ معًا، مثبتًا للجميع أن القيامة ليست فكرة روحية أو رمزًا معنويًا، بل حقيقة تاريخية وإعلانًا إلهيًا عن انتصار المسيح على الموت والخطية والجحيم.

وخلال هذه الأيام الأربعين، كان الرب يهيئ الكنيسة لمرحلة جديدة، مرحلة الشهادة وإعلان الإنجيل للخليقة كلها، وذلك قبل أن يرتفع إلى السماء في مشهد مملوء بالمجد والبركة. وقبل الصعود مباشرة، سأله التلاميذ عن الأزمنة والأوقات وعن إقامة الملكوت، فقد كان فكرهم ما زال مشغولًا بالمستقبل والأحداث والزمن، لكن الرب حوّل أنظارهم من الانشغال بالأزمنة إلى الثقة في سلطان الآب، ومن الخوف من المستقبل إلى قوة الروح القدس، ومن الانشغال بحسابات الزمن إلى مسؤولية الشهادة. وهكذا أعطاهم المسيح أمرين عظيمين: وعدًا إلهيًا ومسؤولية مقدسة.

أولًا: الوعد الإلهي

أ- سلطان الله على الأزمنة والأوقات

“ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع١: ٧)

لم يرفض المسيح سؤال التلاميذ فقط، بل أراد أن يحررهم من الانشغال بحسابات الزمن والمستقبل. فالآب هو صاحب السلطان الكامل على التاريخ كله، والأحداث ليست عشوائية، والعالم لا يتحرك بعيدًا عن يد الله، فالله وحده هو «الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر» (رؤ١: ٨).

الإنسان بطبيعته يخاف المجهول، لذلك يظل يسأل: ماذا سيحدث؟ وكيف سيكون المستقبل؟ لكن المسيح يعلن أن السلام الحقيقي لا يأتي من معرفة الغد، بل من الثقة في الله الذي يمسك بالغد. فالمؤمن لا يعيش أسير الأخبار والتوقعات، بل يعيش مطمئنًا لأن حياته وأيامه ومستقبله في يد الآب. وهنا تظهر رسالة روحية مهمة للكنيسة اليوم: ليست دعوتنا أن ننشغل بتحديد الأزمنة أو تفسير كل الأحداث السياسية، بل أن نعيش في أمانة روحية واستعداد دائم، لأن التركيز الزائد على الأزمنة قد يشتت القلب عن المسيح نفسه.

ب- قوة الله لمواجهة المستقبل

“لكنكم ستنالون قوةً متى حل الروح القدس عليكم” (أع١: ٨)

لم يترك الرب تلاميذه أمام مستقبل مجهول بلا معونة، بل أعطاهم وعد القوة. فالذي يضبط الزمن هو نفسه الذي يعطي القوة لعبور الزمن، إذ يمنحهم الروح القدس. والروح القدس ليس مجرد قوة أو تأثير نفسي أو مشاعر روحية، بل هو الله نفسه الساكن في المؤمنين والعامل في الكنيسة. إنه حضور الله الحي الذي يقدس ويقود ويعزي ويمنح القوة.

ومن صفات وعمل الروح القدس:

روح الحق الذي يقود إلى الحق كله ويعلن كلمة الله (يو١٦: ١٣).
روح القداسة الذي يبكت على الخطية ويقود إلى التوبة والنقاوة.
روح القوة الذي يعطي شجاعة للشهادة وغلبة على الخوف والضعف.
روح التعزية الذي يساند المتألمين ويمنح سلامًا وسط الضيق.
روح الشركة والمحبة الذي يوحد المؤمنين في جسد واحد.
روح الصلاة الذي يرفع القلب نحو الله ويشفع في المؤمنين بأنّات لا يُنطق بها.
وهذه القوة الإلهية تعطي شجاعة للخائف، وثباتًا للضعيف، وغلبة للمجرب، واحتمالًا للمتألم، وفرحًا وسط الضيق. فقد كان التلاميذ خائفين قبل حلول الروح القدس خلف الأبواب المغلقة (يو٢٠: ١٩)، لكن بعد الامتلاء بالروح وقفوا يكرزون بالمسيح أمام الجموع بلا خوف (أع٢: ١٤).

لقد تغير بطرس تمامًا، فمن تلميذ مرتبك ينكر المسيح أمام جارية، إلى رسول كارز يواجه المجامع والجموع بقوة. وهكذا فالروح القدس لا يغير الظروف فقط، بل يغير الإنسان نفسه.

لذلك فالكنيسة لا تعيش بقوة التنظيم أو الإمكانيات البشرية فقط، بل بقوة الروح القدس. فكل خدمة بلا صلاة، وكل كرازة بلا امتلاء، وكل نشاط بلا حضور الروح يتحول إلى مجهود بشري قد يحقق نجاحًا ظاهريًا، لكنه يفتقد الحياة الروحية الحقيقية.

ثانيًا: المسؤولية المقدسة

«وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا» (أع١: ٨)

بعد الوعد جاءت المسؤولية. فالمسيحية ليست انتظارًا سلبيًا للمجيء الثاني، بل شهادة حية للمسيح في العالم. لم يقل الرب: تكونون علماء أو عارفين بالأزمنة، بل قال: «تكونون لي شهودًا». فالكنيسة لا تعيش لتراقب الأحداث فقط، بل لتعلن الإنجيل وتظهر المسيح للعالم.

واليوم يحتاج العالم إلى كنيسة شاهدة أكثر من أي وقت مضى. عالم امتلأ بالقلق والخوف والاضطراب الروحي وفقدان المعنى، لذلك يحتاج الناس أن يروا المسيح حيًا في حياة المؤمنين، لا مجرد كلمات أو شعارات دينية.

أ- الشهادة بمعنى الاختبار

“وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الابتداء” (يو١٥: ٢٧)

الشاهد الحقيقي هو من رأى واختبر. فلا يمكن لإنسان أن يشهد عن حياة لم يعشها أو عن نعمة لم يختبرها. لذلك تبدأ الشهادة من الداخل قبل الخارج.

هل اختبرت المسيح فعلًا؟
هل تغير قلبك؟
هل رأيت عمل نعمته في حياتك؟
هل اختبرت سلامه وسط الضيق؟

العالم لا يحتاج فقط إلى عظات، بل إلى حياة مقدسة تعكس صورة المسيح. فالناس قد تنسى الكلمات، لكنها لا تنسى إنسانًا عاش بالمحبة والنقاوة والوداعة والحق.

والشهادة الحقيقية لا تكون فقط من فوق المنابر، بل في البيت والعمل والشارع والمعاملات اليومية، حين يرى الناس المسيح ظاهرًا في تصرفات المؤمن وسلوكه ومحبة قلبه.

ب- الشهادة بمعنى الاستشهاد

تحمل كلمة «شهود» أيضًا معنى البذل والتضحية، ومنها جاءت كلمة «الاستشهاد». فالكنيسة الأولى شهدت للمسيح بالدموع والتعب والاضطهاد وحتى الدم، لأن من رأى المسيح القائم لا يستطيع أن ينكره.

والاستشهاد لا يعني فقط الموت من أجل المسيح، بل قد يعني احتمالًا يوميًا للألم والتعب والرفض من أجل المسيح، وثباتًا في الحق وسط عالم يرفض الإنجيل ويتمسك بالشر.

إن المسيح ما زال يطلب كنيسة مستعدة أن تدفع الثمن، كنيسة لا تخجل بالإنجيل، ولا تساوم على الحق، بل تعيش للمسيح مهما كانت الظروف.

ثالثًا: الصعود إعلان للمجد والرجاء

«وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ» (أع١: ٩)

لم يكن الصعود مجرد انتقال من الأرض إلى السماء، بل كان إعلانًا مجيدًا عن انتصار المسيح وكمال عمل الخلاص، وبداية مرحلة جديدة في حياة الكنيسة ورسالتها.

ومن خلال مشهد الصعود في سفر الأعمال:

صعد بعد أن أكمل رسالته (أع١: ٩).
صعد منظورًا أمام التلاميذ (أع١: ٩).
صعد في مجد سماوي «السحابة» (أع١: ٩).
صعد بجسد ممجد، رافعًا طبيعتنا إلى المجد.
صعد ليجلس عن يمين الآب (رو٨: ٣٤).
صعد ليشفع فينا كرئيس كهنة سماوي.
صعد ليعد لنا مكانًا (يو١٤: ٢).
صعد وأرسل الروح القدس.
صعد، لكنه ما زال حاضرًا في كنيسته.
صعد وسيأتي ثانية (أع ١: ١١).
الصعود أعطى الكنيسة رسالتها وشهادتها.
الصعود حوّل الخوف إلى رجاء.
الصعود رفع قلب الكنيسة نحو السماء (كو٣: ١).
الصعود دعوة للحياة المقدسة والاستعداد الدائم.
إن صعود المسيح ليس نهاية القصة، بل بداية رسالة الكنيسة في العالم. فهو الذي جمع بين المجد في السماء والمسؤولية على الأرض، وبين الرجاء الأبدي والشهادة اليومية.

لقد ترك لنا:

وعدًا إلهيًا يطمئننا.
وروحًا قدسًا يقوينا.
ورسالة نحيا لأجلها.
ورجاءً ننتظره.
لذلك تبقى الكنيسة بين الأرض والسماء، بين الصعود والمجيء، رافعة قلبها دائمًا نحو المسيح الحي، وهي تصرخ: «آمين. تعال أَيها الرب يسوع» (رؤ٢٢: ٢٠).

المقاله السابقة
المقالة القادمة
مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا