انتقلت من قلب لآخر وقت أن أطلقت العنان لحركتها الدءوبة التي لم تتوطن في أي من الأماكن الواحدة، إذ أخذتها عجلتها في اقتحام كل ما استطاعت اقتحامه، لم تقرع بابًا كما لم تأخذ إذنًا بالدخول بين مصراعيه، لا يوجد من بين الخلائق من يألفها أو حتى يأنس طلتها التي حاول الكثيرون عبثًا الهروب منها ومن وجهها الغاشم المرعب، لكن الفشل كان حليفهم والإخفاق ملازمًا لكل كيانهم وحياتهم، تتحين الفرص وتنتهزها انتهازًا فتنبثق من قلب الحدث كانبثاق الضوء من مصدره بسرعته الرهيبة المرعبة حيث يصل إلى مَنْ يصل إليه في لا وقت ولا زمن!!!!
إنها الخشية والرهبة التي اتخذت من قلوب الكثيرين والكثيرات مثوىً ومرتعًا، مقامًا ومسكنًا، تصول وتجول بين حدودها وبين ساحة رحابها كملكة متوجه على كرسي عرشها الذي تسلمته وتسلمه سلفًا وخلفًا دون أن تعير لأصحابها أي اهتمام أو أدنى اكتراث، لم تكن وليدة لواحد لكنها سليلة الكثير والكثير، فنبعها لا يُعد ولا يُحصى، ومعينها ليس لنا قِبل على حصره أو حصاره، لكنها اختارت في أيامنا هذه أن تكون تحت إمرة أحدهم، رهنًا له وخادمًا لإشاراته وإيماءات عينيه ورأسه ألا وهو “العنف”!!!
“العنف”، ما أغشمه وما أفظظه، ما أغلظه وما أخشنه، عدو الإنسانية في مشاعرها السامية، وخصم الترفق في حنوه الراقي، لا يعبأ بدموع الضعيف أو الواهن، الهزيل أو حتى الخائر، يستخدم كافة أسلحته لتنفيذ ما يصبو ويتطلع لفعله، وقوده الكراهية والقهر، البغضة والظلم، يخرج عن أحدهم فيصاحبه التدمير والدمار، التخريب والانهيار، يعلو صوت القتل حين يعلو صوته، وينتشر لون الدماء حين تنتشر براثنه في محيطه، الكل يخشاه ويعدون عدتهم حين استهلاله وحين ولوج إرهاصاته إلى حيز النفوس.
لم يكن اقتصاره على الأجساد والأبدان، اللحم والدم، لكنه تجاوز كل الحدود حين تعدى بأساليبه المرعبة اللاعقل واللامنطق، قد تأخذ الوحوش الكاسرة الدهشة وقت تطلعها إلى أفعال البشر بعضهم ببعض، وقد تصيبها الحيرة حين تتفحص مٱل بني آدم وكيف غدا بنو الشيطان، بل لن نتطرف إذا جعلنا من البشر معلمي إبليس بكل جنوده وقواده وشره، فلقد أمسى البشر وحوشًا متعقلة، تقدم عقولها هبة للشر وهدية للعنف، فلامست أهداب الإثم وكل ما هو منافٍ للادمية حدود السماء بأطرافها بل قل جهنم بحدودها!!!
على الرغم من تفاقم ألسنة لهبها وجبروتها التي طالت الكبير قبل الصغير إلا أنه يخضع كل الخضوع لأحد قوانين الطبيعة – الوراثة – فالعنف لا ينجب إلا نفس ثمره، يولد فيحمل نفس الصفات الوراثية لذلك الأصل، وهكذا العنف لا ينشئ إلا العنف، يتولد صغيرًا، يمر بكل مراحل نموه فيصبح شابًا فتيًا ورجلًا قويًا، يعصف بكل ما يقف في طريقه حتى تنجلي ساعة المعركة مع كل مَنْ يتصلب أمامه، يتجبر بكل عنفوانه وشدته، ريعانه وصباه، الكل ينتابه الوهن في شيخوخته، إلا أن العنف لا يشيخ ولا يضعف، يظل مدمرًا في كل مراحل حياته ويزداد دماره كلما تقدم به الزمن واستقدم به العمر، بذاره خرب وخراب، جذوره موت وآثار سيقانه هدم وهلاك، أوراقه بقايا وأطلال، ثماره بكاء وحزن واحتضار….. العنف!!!