سيكولوجية الدمار وفقدان الهوية

6

د. فيولا موريس

تطالعنا الأخبار اليومية بكم هائل من الدمار الذي اجتاح الشعوب بأسرها، سواء عن طريق الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الاضطهادات الطائفية والتهجير القسري الذي يحدث في أماكن كثيرة من العالم.

إلا أن الدمار لا يقتصر على هذه المظاهر المادية، بل امتد إلى الدمار الرمزي كفقدان الهوية، وذلك بغزو العقل الإنساني بمفاهيم التطرف المرضية أو إغراقه بالمواد المخدرة التي تعمل على تغييب الفكر وتدمير الكيان الإنساني.

وللدمار دوافع نفسية من أهمها:

– الرغبة في السيطرة: فقد يكون التدمير هو محاولة لفرض الهيمنة سواء النفسية أو الثقافية أو الاجتماعية، وذلك لاستعادة الشعور بالقوة.

– التهديد الوجودي: فعندما يشعر الشخص بأن بقاءه مهدد قد يلجأ إلى التدمير كميكانيزم دفاعي.

– الاضطرابات النفسية: فالإصابة بالاضطرابات النفسية مثل السيكوباتية أو البارانويا قد تدفع الإنسان إلى محاولة تدمير الآخرين، وذلك سواء على المستوى الفردي أو مستوى الحكام.

– التنشئة الاجتماعية العنيفة: والتي تبدأ من الأسرة ثم المجتمع قد تؤدي إلى أن يكون العنف سلوكًا مكتسبًا ومعتادًا بل ومقبولًا نفسيًا.

العلاقة بين الدمار وفقدان الهوية

تُعَدُّ الهوية الحجر الأساسي في تكوين الإنسان نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، فهي التي تمنحه الإحساس بالانتماء والاستمرارية كما تعطيه هدفًا ومعنىً للحياة. وعندما يتعرض الأفراد أو المجتمع للدمار، سواء كان دمارًا ماديًا أو نفسيًا أو ثقافيًا، تبدأ الهوية في التصدع وقد تصل إلى أعماق الذات الإنسانية، وبذلك فإن الدمار لا يقتصر على خراب مادي فقط بل يشمل تدمير القيم والمعايير والذكريات والرموز الثقافية وأنماط الحياة.

ويفسر العالِم النفسي “أريكسون” فقدان الهوية بأنه الشعور بالاغتراب Alienation، أي انفصال الإنسان عن ذاته المتميزة والمتفردة، مما يُشعِره بعدم الأمان والقلق. كما أن الاغتراب عن الذات هو أنه لا يجد نفسه كمركز لعالمه فهو خارج (الخدمة) أي خارج الاتصال بالعالم الخارجي، وفي ذلك فهي تكتسب ذاتًا غريبة عنها وليست هي ذاتها الحقيقية، وبالتالي يعجز الشخص عن تحديد هويته بصورة إيجابية، كما يفقد الشعور بالمسئولية تجاه الرسالة التي يحيا من أجلها، وهكذا يعجز الشخص عن الوصول إلى المعنى والهدف الحقيقي للحياة.

وقد يصل هذا الاغتراب إلى اضطراب في صورة الإنسان عن نفسه، وبالتالي ينتهي الأمر إلى ظهور جيل يعاني من هوية مشوهة لا تنتمي إلى الماضي، ولا يجد لنفسه مكانًا واضحًا في الحاضر، كما أنه يفقد الرؤية المستقبلية لحياته.

الآثار النفسية للدمار

للدمار اتجاهات متعددة من أهمها:

– تدمير المكان: فالمكان ليس مجرد فضاء مادي، بل هو يحمل في داخله ذكريات وانتماء يشمل المدن والمعالم التاريخية، وتدميره يؤدي إلى اقتلاع الإنسان من جذوره الأصلية، فهو بمثابة تغييب للذاكرة الإنسانية.

– تفكك الروابط الاجتماعية: إن الحروب والكوارث والاضطهادات العرقية والدينية تؤدي إلى التهجير والتشتت، مما يُضعِف العلاقات الأسرية التي تشكِّل جزءًا أساسيًا من الهوية.

– طمس الثقافة واللغة: إن إهمال الثقافة والآثار التاريخية والدينية بعد الدمار يسهم في ذوبان الهوية خاصة لدى الأجيال الجديدة. ويذكِّرنا ذلك بما حدث أثناء حكم الإخوان في مصر حينما حاولوا طمس المعالم الثقافية وهدم تماثيل الرموز الفنية والعلمية والدينية.

الصدمات النفسية P.T.S.D: تجعل الأفراد يعملون فقط على استبقاء حياتهم، وبذلك يتراجع الإحساس بوعيه بذاته وقيمه وتاريخه في مقابل الحصول على النجاة فقط. كما أن انتقال الصدمات النفسية عبر الأجيال، وهو ما يُعرف بـ (الصدمة العابرة للأجيال)، يعمل على زيادة تراجع الإحساس بالهوية والانتماء الاجتماعي.

كيف يستعيد الإنسان هويته بعد الدمار؟

– إن الأجيال التي تعاني من فقدان الهوية في حاجة ماسة إلى دعم نفسي واجتماعي من المجتمع، وخاصةً من الأجيال السابقة، وذلك بنشر الوعي الثقافي والتراثي لحضارتنا العريقة ولقيمنا الأخلاقية ومبادئنا المبنية على الحق والخير.

– محاولة إعادة بناء المعنى الحقيقي للحياة والهدف الوجودي منها، وذلك بتحويل الصدمات والتجارب المؤلمة ومشاعر العجز واليأس إلى دوافع للنمو النفسي، وهو ما يُعرف في علم النفس بميكانيزم التعويض. وقد ذكر لنا التاريخ أمثلة صارخة لنماذج حولت اليأس إلى أمل، ومن أبرزها عميد الأدب العربي الراحل طه حسين والذي حوَّل الظلام إلى نور مشرق يضيء على المجتمع بأسره.

– الارتقاء بالمشاعر الإنسانية والتذوق الجمالي بإحياء الفن بكافة أشكاله، وذلك لإعادة تشكيل وصياغة الوجدان الإنساني، ولتكون جزءًا أساسيًا من التكوين النفسي للهوية.

– طرح سبل للعلاج المعرفي السلوكي، وذلك بإعادة صياغة فكر المجتمع واتجاهاته وسلوكياته بهدف تعزيز الأمل واكتساب مرونة نفسية.

– وأخيرًا والأهم من كل ما سبق هو الرجوع إلى الخالق العظيم الذي أبدع في خلق الإنسان وطبع صورته الكاملة فيه ومنحه هوية أصيلة ومتميزة ومتفردة فصار أعظم المخلوقات ليعكس محبة الله ونوره وإشراقه ومجده.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا