مع اشتعال الحرب العالمية الأولى، قيل إن سببها مردود إلى سباق التسليح والنزعة القومية. أضف إلى ذلك ظاهرة جديدة وهي الشبكات المسلحة التي لا تنتمي إلى دول وإنما يديرها قائد كاريزما أو ما يقال عنهم مُلاك الحروب على غرار مُلاك الحقيقة المطلقة، وهذه يقال عنها «الحرب الجديدة»، كما هو الحال في دول البلقان وإفريقيا وآسيا الوسطى. والحرب الجديدة لها ثلاث سمات: السمة الأولى هي السمة السياسية أو ما يُسمى الجريمة المنظمة مثل العنف غير المشروع أو إجهاض الحقوق الإنسانية. والسمة الثانية هي أنها شكل من أشكال التحريك السياسي. والسمة الثالثة تكمن في أنها تخلق مناخًا من عدم الثقة. والنتيجة الحتمية لهذه السمات الثلاث هي أنها من الصعب القضاء عليها، إذ ليس ثمة منتصر أو منهزم. ومن هنا يكون استخدام لفظ امبريالية مضللًا. ومن ثَمَّ يمكن أن يقال إن ثمة عصرًا جديدًا يقال عنه إنه نزعة عسكرية جديدة للحداثة، وتشير إلى تطور القوات المسلحة التقليدية في الدول الكبرى من نظام مركزي إلى نظام منفتح دوليًا. ومثال ذلك روسيا والهند والصين، وهي دول تتبنى أيديولوجيات متطرفة. والجدير بالتنويه هنا أن الشبكات الإلكترونية ليس في إمكانها الاستيلاء على الأرض حربيًا إنما يكون ذلك بوسائل سياسية، وأن العنف إذا حدث يكون محكومًا بها. ولدينا تقارير تؤكد أن الدور الجديد لصناع السلام يكمن في المحافظة على المدنيين لأنهم موضع هدف من قبل الحروب الجديدة. ولكن إذا كانت هذه الحروب من صنع الأوروبيين والأمريكيين فثمة خوف من سيطرتهم على الدول غير الغربية، ومن ثَمَّ تظل المسافة قائمة بين ما هو غربي وما هو ليس غربيًا. وفي سياق هذه المسافة ثمة خوف من استعمال الدول غير الغربية لما هو تكنولوجي غربي بدون أن تتمثل الروح الغربية، وبالتالي تكون معادية ودافعة إلى بزوغ الأصوليات الدينية، سواء كانت مسيحية أو إسلامية أو تنتمي لأي دين آخر.
ويبقى بعد ذلك سؤال: ما هو مصير جائزة نوبل للسلام في المائة سنة القادمة؟ لقد حدث تغير هائل منذ أن مُنحت أول جائزة وما زال قائمًا، حيث هيمنت أسلحة الدمار الشامل. ومن هنا يلزم أن تكون اللجنة النرويجية المختصة بمنح جائزة نوبل للسلام على علاقة بما يتطلبه السلام العالمي، وهو الأمر الذي يتطلب منها أن تكون بمعزل عن الصراعات الدولية من أجل المحافظة على استقلاليتها، ولكن بشرط تشجيع تأسيس الحكومة الكوكبية، إلا أن الشرط مرهون ببزوغ وعي كوكبي ومؤسسات كوكبية مؤثرة. لكن الملاحظ منذ الجائزة الأولى المختصة بنوبل للسلام أنها كانت تركز على الجانب الإنساني في النضال من أجل السلام. ومع ذلك كان السؤال المثار: ماذا فعل هذا الجانب في تجنب الحروب؟ أغلب الظن أن التحدي لهذا الجانب في حالة تصاعد، وذلك بسبب انفجار السكان على مستوى الفقراء، فنحو 102 مليون من البشر يعيشون على دولار واحد في اليوم و208 ملايين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم. أضف إلى ذلك التعصب ضد تحرير المرأة وبالأخص في الدول المتخلفة مثل الهند والصين. ويبقى سؤال في نهاية المطاف: هل ثمة أبعاد جديدة لجائزة نوبل للسلام؟
قيل في الجواب عن هذا السؤال إنه البيئة بدعوى أنها الآن ملوثة بما يُسمى «الاحتباس الحراري» الذي يحدث عندما تزداد غازات الأكسجين والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون عن حجمها الطبيعي، ومن ثَمَّ تصبح زائدة عن احتياج كوكب الأرض وحبسها في الغلاف الجوي يفضي إلى تسخين الغلاف ورفع درجة حرارة الكوكب. ومع ذلك يظل السؤال قائمًا: مَنْ المسئول عن حدوث هذا الاحتباس حتى يقال إنه يستحق جائزة نوبل للسلام؟
في 20/1/1997، وصلتني رسالة من سفير الدنمارك بالقاهرة جاء فيها أنه باسم وزارة الخارجية الملكية الدنماركية يدعوني للمشاركة في «حوار لويزيانا» بكوبنهاجن في الفترة من 21 إلى 29 يناير من عام 1997، وملحق مع الدعوة ورقة عمل تبين الغاية من هذا الحوار وهي تحويل السلام البارد إلى سلام حار، وتمهيد التربة إلى تأسيس المبادئ الموجهة لقيام حركة شعبية. قبلت الدعوة بصفتي الشخصية، أي باعتباري أستاذًا متفرغًا للفلسفة بجامعة عين شمس، وقبلتها لسببين:
السبب الأول هو أن الحوار على الإطلاق هو الطريق إلى التطور. والتطور سمة الحضارة، وتاريخ الحضارة شاهد على ما نقول، فالثقافة اليونانية تطوير للثقافة المصرية القديمة. والثقافة الإسلامية تطوير للثقافة اليونانية والثقافة الأوروبية تطوير للثقافتين اليونانية والإسلامية.
والسبب الثاني هو أن الحوار على التخصيص في الشرق الأوسط ضروري بين الأطراف المتصارعة، فإذا كان الحوار سمة التطور والتطور سمة الحضارة فالحوار العربي-الإسرائيلي لازم من أجل التطور. ولهذا فإن الامتناع عن الحوار سمة غير حضارية، ومن ثَمَّ فإن شعار «لا.. للحوار الثقافي» هو شعار لا يستقيم مع مسار الحضارة. هذا بالإضافة إلى أن الثقافة بحكم طبيعتها مخترقة للحواجز الجغرافية والعرقية والدينية، ذلك أن الثقافة من إفراز العقل في تفاعله مع الواقع الخارجي والعقل واحد عند جميع بني البشر. وكل ما فعلته الثورة العلمية والتكنولوجية هو اختزال الزمن من أجل تسريع ذلك الاختراق. والمفارقة المذهلة بعد ذلك تكمن في هذا التناقض بين الذي تؤديه الثورة العلمية والتكنولوجية وبين النزعة الهستيرية التي تقضي بضرورة صيانة نقاء الهوية الثقافية، وذلك بعزلها عن الهويات الثقافية، الأخرى. وتأسيسًا على هذه الدعوة الهستيرية، أصبح تطوير الهوية الثقافية من المحرمات الثقافية منذ توقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية في مارس 1979.