11.4 C
Cairo
الثلاثاء, مارس 10, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيالكنيسة التي سجلت اسم المسيحية في التاريخ.. (2)

الكنيسة التي سجلت اسم المسيحية في التاريخ.. (2)

الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر

  تحدثنا في العدد الماضي عن “كنيسة أنطاكية”، الكنيسة التي أعطت للمسيحية اسمها، ورأيناها تدفع ثمنًا كبيرًا في سبيل هذا الأمر. وفي هذا المقال نتابع الحديث عن “كنيسة أنطاكية”.

ثالثًا: الكنيسة التي أسست العمل المرسلي والكرازي:

      يحدثنا سفر الأعمال إصحاح 13 عن نمو الكنيسة وانتشارها من أنطاكية باعتبار أنها مركز البشارة في سوريا وآسيا الصغرى حتى رومية، فلقد صارت هذه المدينة مركزًا ثانيًا للبشارة بالإنجيل بعد أورشليم، ومنها امتدت الكنيسة في العالم ولاسيما الأمم.

وقد أرسلت كنيسة أنطاكية الرسول بولس في ثلاث رحلات تبشيرية (أع13: 1-3؛ 15: 40؛ 18: 23).

عاد بولس إلى الكنيسة هناك بعد الرحلتين التبشيريتين الأولين ليقدم لها تقريرًا عن خدمته (أع14: 26-28؛ 18: 22).

واليوم على الكنيسة أن تدرك أن رسالتها هي امتداد لرسالة المسيح على الأرض، ورسالة الكنيسة يجب أن تكون مثل رسالة المسيح، فالكنيسة هي اليدان اللتان يعمل بهما الله الخير للبشر، وهي القدمان اللتان تسيران برسالة المحبة للناس لتحقيق مقاصد الله، وهي الصوت الذي يذيع كلام الله.

نعم! رسالة الكنيسة يجب أن تكون مطابقة لرسالة السيد عندما كان متجسدًا على الأرض، فهو يقول لتلاميذه في (يو12: 26): “إن كان أحد يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا هناك أيضًا يكون خادمي. وإن كان أحد يخدمني يكرمه الآب”. وهذه الآية مظلومة في تفسيرها، فهناك مَنْ يفسرها أن الذي يخدم المسيح سيكون معه في المجد. فبالرغم أن هذه الحقيقة صحيحة مؤكدة، إلا أن الدارس المدقق لكلمة الله لا يجد أن هذا هو المعنى المقصود من هذه الآية، فالمسيح هنا يتحدث عن الراغبين في خدمته، ويريد أن يقول لهم: “إن مَنْ يريد أن يتبعني ويخدمني عليه أن يدرك أنه سيسير في نفس الطريق الذي سرتُ فيه، فالتلميذ يسير على درب معلمه”، ولعل هذا يتضح من كلمات الرب يسوع لتلاميذه عندما قال لهم: “كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” (يو20: 21). وعندما قال في صلاته الشفاعية: “كما أرسلتني إلى العالم أرسلهم أنا إلى العالم” (يو17: 18).

وهكذا نرى أن الكنيسة يجب أن تسير على نفس منهج السيد في خدمته ورسالته، فهي امتداد تجسده، والعمل المرسلي والكرازي لا يجب أن يكون جزءًا يضاف إلى برنامج الكنيسة أو إلى حياة المؤمن، فهو هدف وجود الكنيسة. لقد كان الهدف من موت المسيح وقيامته أن يكون الخلاص متاحًا لكل العالم، وقد أتم المسيح هذه المهمة، ثم أعطى الكنيسة الإعلان والتبشير بها.

فأوصى تلاميذه قائلًا: “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر16: 15)، (راجع مت28: 19؛ لو14: 47؛ يو20: 21).

ولقد أدركت الكنيسة الأولى هذه المسئولية ولذلك انطلقت بالرسالة إلى كل بلاد العالم.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هو الإنجيل الذي كان يجب على التلاميذ أن يقدموه إلى العالم؟ فعادةً ما ترتبط كلمة الإنجيل في أذهاننا بإنجيل متى، ومرقس، لوقا، يوحنا، أو العهد الجديد كله. ولم تكن الأناجيل قد كُتبت بعد.

إن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن أذهاننا هي أن كلمة “الإنجيل” لا تعني “كتاب” بل تعني “عمل”؛ هي لا تشير إلى الكلمة المكتوبة، بل إلى العمل الإلهي الذي قام به الله في المسيح، فالإنجيل ليس إنجيل متى أو غيره، إنما هو إنجيل المسيح (راجع رو15: 16، 19؛ 2كو2: 12؛ 2 تي 4: 4).

الإنجيل هو الخبر السار؛ هو عمل الله في المسيح على الصليب من أجل فداء البشرية.

والجدير بالذكر أن الفعل “يكرز” في الأصل اليوناني يعني يعلن الأخبار السارة، وكلمة “كارز” استعارها الرسول بولس من المجتمع المحيط، فلقد كانت تطلق على ثلاث شخصيات وهم:

1.     المتحدث الرسمي باسم الملك:

    فعندما كان الملك يصدر الأوامر والقرارات والفرمانات ويريد أن يعلنها للشعب، كانت وسيلة الإعلام الموجودة في وقته أن يرسل شخصًا إلى باب المدينة حيث يجتمع الناس، وهناك يعلن ما يريد الملك إعلانه للشعب.

2.     صانع معاهدات السلام:

عندما يكون هناك شخصان متخاصمان، أو بلدان بينهما حروب، ويقوم شخص بعملية الصلح، وصناعة معاهدة سلام بينهما كان يطلق عليه “كارز”، ولقد صالحنا الله في المسيح يسوع وأعطانا خدمة المصالحة.

3. مندوب الدعاية والإعلان:

      الشخص الذي كان يمتلك سلعة معينة ويريد تسويقها، كان يرسل مناديًا إلى السوق ليعلن عن السلعة ويروج لها بصوت عالٍ، فيأتي الناس ويشترون منه كان يُسمى “الكارز”، ونحن علينا أن ننادي ونعلن عن أعظم سلعة في الوجود… محبة الله… خلاص الرب.. فكيف يسمعون بلا كارز.. وبلا أسلوب مبتكر.

ياه! الاحتياج إلى سماع صوت الرب صارخ. كم من أناس تصرخ: «اعبر إلينا وأعنا!». وكم من شباب ضائع وتائه يتساءل في حيرة: «ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟»… «ماذا أعمل لأرث الحياةَ الأبدية؟»، وصوت الرب:  «الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلونَ» (مت9: 37).

والسؤال هو: هل يمكن أن نقرأ هذه الآية في هذه الأيام بأسلوب آخر: “الحصاد كثير ولكن الفعلةَ غافلون، ونائمون، منقسمون، ومتخاصمون، مرتبكون، ومشغولون، يائسون، ومحبطون، قلقون، وخائفون”.

رابعًا: الكنيسة التي علّمت مبدأ العطاء:

      في (أع11: 27-29)، أرسل المسيحيون في أنطاكية عطايا وتقدمات إلى المسيحيين في أورشليم أثناء المجاعة، وهذا يدل على أن قانون العطاء وضعته كنيسة أنطاكية، وهو أن كل واحد يعطي باختياره ما استطاع، وعلَّمت الجميع درسًا حيًا نابض في وحدة الكنيسة، فإن كان هناك احتياج في كنيسة أورشليم تقوم كنيسة أنطاكية بتغطيته.

فلقد عرفوا في تلك الأيام أنهم جميعًا أعضاء جسد واحد هو جسد المسيح، إذا وقع أحد الأعضاء في ضيقة على الفور يتحرك له العضو الآخر لمساعدته. لقد كانوا بعيدين عن فكر الاستقلالية، بل كانت لهم النظرة البعيدة التي ترى الكنيسة ككل، لم يكونوا أعضاء كنيسة أنطاكية بل كانوا أعضاء كنيسة المسيح.

خامسًا: الكنيسة التي أعلنت الحق بكل قوة ووضوح:

    في بداية العصر المسيحي، رأى بعض اليهود الذين كانوا قد آمنوا بالمسيحية في ذلك الوقت ضرورة أن يتم ختان الأمم الداخلين إلى المسيحية، وأن يحفظوا ناموس موسى، وقد أثار هذا الأمر بلبلة كبيرة في كل كنائس الأمم.

     وقد رأت الكنيسة في أنطاكية أن المسيحيين من الأمم غير ملزمين أن يحفظوا الشريعة الطقسية، ولذا فقد أرسلت الكنيسة في أنطاكية بولس وبرنابا إلى مجمع للقادة المسيحيين في أورشليم مجمع أورشليم الأول عام 49م، وقرر المجمع أن المسيحيين الداخلين إلى المسيحية من الأمم غير مرتبطين بمطالب الشريعة الفرضية والطقسية (أع 15: 1-29)، وقرر الرسل عدم ضرورة وضع قيود وشروط لا جدوى منها على الأمم الراغبين في الدخول إلى المسيحية مثل الختان أو حفظ ناموس موسى.

هذا وعندما كان بطرس في أنطاكية يؤخر ويفرز نفسه من وسط المسيحيين من الأمم ويرفض أن يأكل معهم خوفًا من جماعة المتهودين، لم يسكت بولس بل يقول: “لقد قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا” (غل2: 11).

لقد خالف بطرس المبدأ الذي حامى عنه قولًا وفعلًا مع كرنيليوس، وهو أنه لا فرق بين مؤمني اليهود ومؤمني الأمم غير المختونين (أع10: 10-20)، والمبدأ الذي أقر به أمام مجمع أورشليم (أع 15) خالفه حين انفصل عن مؤمني الأمم، كأنهم ليسوا متساويين بمؤمني اليهود، ولا شك أن هذا هو السبب الذي جعل الرسول بولس يقف وقفة جادة، وحاسمة، وفاصلة لوقف مسار هذا التيار، ويعلن بوضوح أنه في حضرة الله ليس يهوديًا ولا أمميًا، ليس غنيًا أو فقيرًا، ليس رجلًا أو امرأة، ولكنه خاطئ مات المسيح لأجله.

نعم! يمكننا القول إن كنيسة أنطاكية حررت المسيحية من قيود اليهودية، فدور الكنيسة أن تثبت الحق والعدل، وأن تعلنه واضحًا لكل الناس فهي عمود الحق وقاعدته (1تي3: 15)، وعلى الكنيسة أن تدرك أنها يجب أن تكون ضمير المجتمع، فلقد قال الرسول بولس: “وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا” (أف5: 11).

سادسًا: الكنيسة التي فتحت أبوابها للجميع:

    يذكر لنا سفر أعمال الرسل إصحاح 13 قائمة من الأنبياء والمعلمين في كنيسة أنطاكية تبرهن لنا على جاذبية الإنجيل للجميع، وعلى انفتاح كنيسة أنطاكية على العالم كله، حتى يمكننا أن نصفها أنها كنيسة بلا جدران، أو كنيسة بلا أسوار، حيث نرى برنابا يهودي من قبرص، ولوكيوس من القيروان في شمال إفريقيا، وسمعان كان يهوديًا أيضًا وكان اسمه الروماني نيجر أي أسود، وهناك مَنْ يقول إنه غالبًا جاء من إفريقيا لأن نيجر اسم إفريقي وعاش في أوساط رومانية، ومناين (مناحم) الذي تربى مع هيرودس أنتيباس، أي أن أمه أرضعت هيرودس معه، كان رجلًا أرستقراطيًا له علاقات واتصالات واسعة، وبولس كان يهوديًا من طرسوس.

من كل هذا نرى قوة المسيحية في اجتذاب أناس من أماكن متنوعة وثقافات مختلفة لكنهم اكتشفوا السر الذي يوحّد القلوب ويجمعها معًا وهو الرب يسوع المسيح.

إن كنيسة أنطاكية كانت النموذج الذي يُحتذى ويُقتدى به في احتوائها واحتضانها لكل الناس من كل الأجناس، وهذا ما يجب أن تعيشه وتعلِّمه وتؤكده الكنيسة على مر الأجيال والعصور، ففي المسيح كما يقول الرسول بولس:  “لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل3: 26-28).

عبرة في عبارة

– عِشْ حياتك في سعادة

 طالما ليست لها إعادة

ولن يحدث هذا إلا إذا كانت

للرب السيادة والقيادة.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا