“القمني” وأهل الاستقطاب الجنوني

7

مدحت بشاي

  في حلقة بديعة من برنامج “البساط أحمدي” الذي يقدمه الإعلامي والكاتب الصحفي الدكتور “محمد الباز” عبر قناته الخاصة على “اليوتيوب”، تعرَّض لحالة الشماتة في رحيل الكاتب والمفكر “سيد القمني” ورد فعل كتائب التطرف وإعلان فرحتهم. سأله أحدهم في سياق الحلقة: “تفتكر سيد القمني هيدخل الجنة؟”.. وهو ما استفز د. الباز، ولكنه رد بهدوء وطرافة رمز تنويري: “يا أخي رحمة ربنا واسعة.. مش يمكن حتى لو وافقتكم على رؤيتكم بتكفيره يكون تاب وأناب قبل موته.. مين يعرف غير ربنا وحده.. مش يمكن وأنت كده داخل الجنة تلاقيه هناك.. ساعتها تعمل إيه؟ً!.. ليه بتدخلوا في العلاقة بين الناس وربنا وتحكموا عليها؟!”.. وفي رده على سؤال لمشاهد آخر استنكر الترحم على “القمني”، كان رد د. الباز: “يا أخي رحمة ربنا واسعة تشمل الجميع ونطلبها للجميع.. معقول يكون نمط التفكير عن بعضنا بقى بالشكل ده؟!”..

  لعل في حالة الشماتة التي جاءت عبر ردود أفعال سريعة من جانب أهل الاستقطاب المتطرف على رحيل “القمني” ما يؤكد أن ما حققه بموته لا يقل عما حققه في حياته لما كشفه من بشاعة وسوداوية وجهل هؤلاء بفضحه لحالة اهتراء منظومة القيم والأخلاق لديهم، وهي المنظومة التي يصدعون أدمغتنا أنهم يجاهدون من أجل الدفاع عنها، فهم لم يحترموا جلال وحرمة الموت مما جعل أمر دفن رمز فكري مثله يتم في السر في الزمان والمكان المجهولين وبخطة وتنفيذ من قِبل بناته الرائعات المثقفات كما نُشر في وسائل الإعلام، وهو أمر مؤسف وصعب عليهن وعلى كل تلاميذه وأحبابه بالتأكيد ..

  لقد كان “القمني” يرى أن أهل العقل الأصولي المتطرف قد بنوا تلك الحالة من الاستقطاب العدائي على معتقد أن “القمني” ما جاء إلى الدنيا هو وأمثاله وتابعوه إلا لإبعادهم ومشروعهم التضليلي من المشهد الإنساني العام ..

  وفي رأي لـ “القمني”، يذكر أننا بتنا نرى الغرب بعيون هؤلاء التي لا ترى في حضارتهم سوى الأفخاذ العارية، لأننا بين الأفخاذ نركز عيوننا، فيكون العيب في تلك العيون وليس في الأفخاذ. وكان على قناعة بأن الاستعمار ليس سبب تخلفنا، بل إن تخلفنا هو سبب استعمارنا ..

  وظل “القمني” يؤكد عبر مؤلفاته على أن وهم الحقيقة المطلقة زعم يدمر الأمة… قال وبحروفه: “بيقين الإيمان وحده نؤمن ونُسلِّم بأن هناك حقائق ومعارف وقيمًا قدسيةً مطلقة، لكننا نؤمن أيضًا أن هذه المعارف والقيم القدسية لا سبيل لبشر إلى الاطلاع على عيوبها ومعرفتها معرفةً كاملةً مطلقة، لسبب بسيط وبديهي هو أنها من خصوصيات الله تعالى وحده دون غيره، وأن غاية ما يمكن القول بشأنها أننا نعلم منها الظاهر فقط، لذلك تختلف معرفة هذا الظاهر باختلاف عقولنا وقدراتنا وظروفنا ومعارفنا وبيئاتنا وزماننا وأغراضنا، فالظاهر هو النسبي الممكن الذي يسمح بالاختلاف حوله، أما الباطن فهو الغيبي المطلق الكامل الذي يليق بعلم الله وجلال كماله، ولا يزعم زاعم أن بإمكانه الاطلاع على المعرفة الكاملة، وأنه الأوحد المطلع على الحقيقة النهائية المطلقة ليفرض هذا الزعم على كل العقول وعلى كل العباد، لأنه في هذه الحال كمن يزعم أن الله قد اختاره وحده من بين الناس وخصَّه بهذا العلم، وأنه الوحيد دون الناس الذي اطلع على المقصد الإلهي السامي الذي يليق فقط بالذات الإلهية العلية.”

  نعم، “سيد القمني” هو من أكثر المفكرين إثارةً للجدل، فما بين اتهامه بالكفر والإلحاد من جهة، واحتسابه ضمن التيار العقلاني والتنويري من جهة أخرى، يتأرجح الموقف منه..

  وُلِدَ “سيد محمود القمني” في مدينة الواسطى بمحافظة بني سويف عام 1947م، وظل يدرس حتى حصل على الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا (ويجادل البعض في مصداقية حصوله على تلك الدرجة). تخصص “القمني” في الكتابة عن بواكير التاريخ الإسلامي، محللًا وناقدًا بجرأة الكثير من محطاته التاريخية حتى هُدد بالاغتيال عام 2005 م على إثر اتهامه بالكفر والإلحاد من قِبل بعض خصومه. آثر القمني بعدها السلامة وأعلن اعتزاله الفكر والكتابة، ثم تراجع عن قراره فيما بعد، ثم جاء تقدير الدولة له بمنحه جائزة الدولة التقديرية عام 2009 م، وقد صحب ذلك زلزال عنيف من الرفض والاعتراض..

  إن الكم الهائل المطروح والمشاع من الأفكار المتطرفة والسوداوية التي تطلقها جماعات الشر عبر كتيبات صفراء أو عبر نشر عبارات تتسلل لدور العلم والتعليم وساحات الثقافة وبرامج الإعلام العامة منها والدينية، بل ومن خلال جيوش وكتائب إلكترونية صارت تصادر على حق أصحاب مساحات إيجابية في ممارسة التواصل المعرفي والإنساني الحضاري بين مستخدمي تلك الوسائط والآليات الحديثة وفق تعاليم الأديان الصحيحة.. هذا الكم الهائل المتنوع الأشكال والمتعدد الأغراض والمآرب الشيطانية بات يشكل حجر عثرة في سبيل نجاح كل الجهود الفردية والجماعية لإعداد خطاب منهجي علمي شامل موضوعي واقعي للتنوير والتقدم في كل المنطقة للأسف!!!

  والاستقطاب الأحمق نتابعه حتى عند كتابة التاريخ وإقامة الحوارات الثقافية والسياسية، عندما تسيطر على لغة التدوين والكتابة والحوار ثقافة الاستقطاب، بين ناصري وساداتي.. صعيدي وبحراوي.. وغيره، وصولًا لثقافة الاستقطاب الديني والمذهبي والإيماني، رغم كل رسائل الرئيس “السيسي”، فهو مَنْ أكد: “لو واحد قال لي أنا مش مسلم ولا مسيحي ولا يهودي ولا أي دين في الدنيا.. أنت حر، ده أنا إكمني غيور على ديني باحترم إرادته، لأن الأصل في الموضوع هو الحرية، حرية المعتقد اللي ربنا كفلها لينا، قال لك انت حر تؤمن أو لا تؤمن، وده كلام قلناه كتير، لكن المجتمع على مدى 90 أو 100 سنة كان بيتم صبغه بطريقة محددة.”

  نعم، “سيد القمني” هو من أكثر المفكرين إثارةً للجدل، فما بين اتهامه بالكفر والإلحاد من جهة، واحتسابه ضمن التيار العقلاني والتنويري من جهة أخرى، يتأرجح الموقف منه..

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا