22.4 C
Cairo
الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةصحةالسمنة المفرطة عند الأطفال.. "قنبلة موقوتة" تهدد جيل المستقبل

السمنة المفرطة عند الأطفال.. “قنبلة موقوتة” تهدد جيل المستقبل

تقرير: نيفين عاطف مشرقي

بينما كنا نعتقد قديمًا أن الطفل “الممتلئ” هو عنوان للصحة والرفاهية، استيقظ العالم اليوم على حقيقة مرعبة؛ حيث تشير التقارير الصحية العالمية إلى أن سمنة الأطفال تحولت من مجرد زيادة عابرة في الوزن إلى “وباء صامت” يهدد جيل المستقبل بأسره. فلم يعد الأمر يتعلق بالشكل الخارجي أو المظهر الجمالي، بل بقنبلة موقوتة من الأمراض المزمنة التي باتت تطرق أبواب أطفالنا في سن مبكر جدًا.

حول السمنة المفرطة، أسبابها، وأثرها المباشر على أعضاء الجسم، وكيفية التعامل العلمي معها، كان لنا هذا اللقاء المستفيض مع د. سلفيا عازر رسمي، أخصائي التغذية العلاجية والعلاج الطبيعي.

السمنة: وجه آخر لسوء التغذية

في مستهل حديثها، فجرت د. سلفيا عازر مفاجأة بتعريف السمنة، حيث قالت إنها في حقيقتها “سوء تغذية” ناتج عن الإفراط في تناول صنف أو صنفين فقط من الأطعمة التي تتميز بسعرات حرارية عالية جدًا، ويكون هذا الإفراط دائمًا على حساب الأطعمة الحيوية الأخرى التي يحتاجها الجسم للنمو.

وأوضحت أن طبيعة الجسم البشري، وخاصة في مرحلة الطفولة، تحتاج إلى توازن دقيق بين ثلاث ركائز أساسية:

1- عنصر البروتين: وهو المسؤول الأول عن بناء عضلات الجسم وأنسجته

2- عنصر النشويات والدهون: وهما الوقود الذي يعطي الطاقة اللازمة للحركة والنشاط.

3- الفيتامينات (الموجودة في الفاكهة والخضروات): وهي المسؤولة عن توفير الحماية والمناعة للجسم ضد الأمراض. وأكدت أن أي خلل أو اضطراب في نسب هذه العناصر يؤدي حتمًا إلى مشاكل في الصحة العامة، وهو ما يظهر بوضوح في زيادة النشويات والدهون التي تقود إلى السمنة، وأمراض السكر والكبد الدهني.

خريطة الدهون: بين الصحي والضار

شددت د. سلفيا على أن السنوات الثماني الأولى من عمر الطفل هي الأهم على الإطلاق، حيث يجب الحرص فيها على توازن العناصر الغذائية. ونصحت بضرورة الابتعاد التام عن “الدهون غير الصحية” التي تملأ الأسواق، مثل: (الشيبسي، الإندومي، الكفتة المحمرة، البانيه المحمر، والبطاطس المحمرة).

كبديل لهذه السموم، دعت إلى الاعتماد على “الدهون الصحية” مثل المكسرات، وجوز الهند، والأفوكادو؛ فهي تمد الطفل بالطاقة اللازمة للحركة والنمو دون أن تترك أثرًا سلبيًا على الوظائف الحيوية للجسم.

الفواكه والسكريات المصنعة

وفيما يخص الفيتامينات، حذرت الدكتورة من الإفراط حتى في الفواكه؛ لأنها تحتوي على سكريات (فركتوز)، ورغم أنها غير ضارة في أصلها، إلا أن زيادتها قد تكون لها آثار سلبية إذا كان الطفل لديه استعداد وراثي للإصابة بمرض السكر. ومع ذلك، أكدت أن ضرر الفاكهة لا يمكن مساواته أبدًا بالمقدار الهائل من الضرر الناتج عن تناول “السكريات المصنعة” مثل الشوكولاتة، العصائر الصناعية، وأي منتجات جاهزة ومحلاة، والتي يجب منعها تمامًا.

فخ البروتين وإجهاد الكلى

أشارت د. سلفيا إلى نقطة تقنية هامة يغفل عنها الكثير من الآباء، وهي الإفراط في البروتين. فرغم أهميته القصوى لبناء العضلات، إلا أن للجسم طاقة استيعابية محددة له. فعندما يتناول الطفل كميات تفوق حاجته للنمو، يقوم الجسم بتحويل هذا الفائض إلى طاقة، وإذا لم يتم حرق هذه الطاقة عبر نشاط بدني مكثف، يتم تخزينها في الجسم على هيئة دهون، وبالأخص إذا كان مصدر البروتين حيوانيًا. علاوة على السمنة، فإن هذا الإفراط يسبب “إجهادًا للكلى” لأنها العضو المسؤول عن تصريف مخلفات البروتين من الجسم.

لغز الجينات والنمط الصحي

وردًا على سؤالنا حول ما إذا كانت السمنة “قدرًا جينيًا” أم نتيجة للعادات الخاطئة، أوضحت د. سلفيا أنه إذا كان الطفل لا يعاني من مشاكل جينية وحركته كثيرة، فإن تأثره بحدوث السمنة يكون غير كبير، بشرط عدم الاستمرار في تناول الأطعمة الضارة وتغيير النمط غير الصحي.

أما في حال وجود “عامل وراثي” (مثل إصابة أحد الأقارب بالسكر أو الكبد الدهني)، فهنا تكمن الخطورة؛ لأن الأنماط الغذائية الخاطئة في هذه الحالة تجعل الطفل عرضة للإصابة بهذه الأمراض بشكل سريع جدًا، مما يستلزم الحرص التام والابتعاد عن كل مسببات المرض.

البدائل الذكية ومكسبات الطعم

أشارت د. سلفيا إلى وجود بدائل صحية للسكريات، مثل سكر الفاكهة وعسل النحل للتحلية، ولكن بوعي ودون إفراط. بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، مقترحة إمكانية عدم إعطاء الطفل أي شيء محلى نهائيًا في بدايات حياته؛ فالطفل الصغير لا يميز بين مكسبات الطعم مثل السكر أو الملح في البداية، ولكنه “يتعود” عليها. لذا، فإن منعها من الأساس يحميه من الدخول في دائرة الإدمان على السكريات.

كيف ينهار البنكرياس؟

أوضحت الدكتورة أن زيادة السكر تؤدي إلى زيادة مفرطة في حركة الطفل. وعندما يدخل السكر إلى الجسم، يبدأ البنكرياس في إفراز كميات كبيرة من الأنسولين لحرقه. ومع تكرار الأكل الخاطئ والضغط المستمر، يبدأ البنكرياس في “التعب” من المجهود الشاق المبذول.

وهنا يبدأ الجسم في إرسال “رسائل تحذيرية” أو إنذارات تتمثل في:

1- الخمول والكسل.

2- تكرار دخول الحمام بشكل ملحوظ.

3- الإصابة بالإمساك.

4- بداية زيادة الوزن الملحوظة، خاصة في منطقة البطن.

5- الإصابة بـ “الكبد الدهني”، والذي تظهر أعراضه في (اصفرار العين، وجود رائحة غير معتادة في البول، واصفرار في الأظافر).

خطوات الإنقاذ والعلاج

أكدت د. سلفيا أن أول خطوة يجب على الأم القيام بها عند ملاحظة هذه العلامات هي التوجه للطبيب المختص لإجراء التحاليل اللازمة (السكر التراكمي، إنزيمات الكبد). وبناءً على النتائج، يتم وضع نظام غذائي متوازن يمنع “الدهون غير الصحية” والسكريات، والابتعاد عن “المقليات” تمامًا، واستبدالها بالأطعمة المشوية أو المسلوقة أو استخدام “الإير فراير” لتقليل الدهون.

كما شددت على أهمية ممارسة الرياضة، وتناول الدهون الصحية (مثل المكسرات والفول السوداني) لضمان سلامة الهرمونات وتكوين الدماغ ونمو الجسم بشكل سليم.

قضية النشويات والدقيق الأبيض

فيما يخص النشويات، دعت د. سلفيا إلى الامتناع التام عن منتجات الدقيق الأبيض واستبدالها بالدقيق البني (المخلوط بالردة) أو دقيق الأرز. أما عن “دقيق الشوفان”، فقد أوضحت معلومة هامة وهي عدم تفضيل استخدامه بكثرة للأطفال؛ لأنه يحتوي على ألياف عالية جدًا تعطي الطفل إحساسًا بالشبع لفترات طويلة، وهذا غير مستحب في مرحلة الطفولة، لأننا نسعى لأن يحصل الطفل على تغذية كافية وملائمة وبكميات متنوعة من أجل بناء جسمه وتطوره ذهنيًا وبدنيًا.

ختامًا: إن حماية أطفالنا من السمنة ليست مجرد معركة عابرة مع السعرات الحرارية، بل هي استثمار طويل الأمد في صحتهم ومستقبلهم. والمسؤولية هنا مشتركة؛ تبدأ من مائدة المنزل، وتمر عبر أروقة المدرسة، وصولًا إلى سياسات وقوانين تحمي الصغار من وحش الإعلانات الغذائية المضللة. لنمنحهم طفولة رشيقة وصحية، قبل أن تثقل الأمراض كاهلهم.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا