16.4 C
Cairo
الثلاثاء, مارس 10, 2026
الرئيسيةتحقيقاتالتحرش.. الجريمة الوحيدة التي تعاقَب فيها الضحية مرتين: مرة من الجاني وأخرى...

التحرش.. الجريمة الوحيدة التي تعاقَب فيها الضحية مرتين: مرة من الجاني وأخرى من المجتمع

التحرش.. الجريمة الوحيدة التي تعاقَب فيها الضحية مرتين: مرة من الجاني وأخرى من المجتمع
التحرش.. ذكورية مأزومة أم أزمة قيم؟ بين القانون والصمت المجتمعي… مَنْ يحمي النساء؟

تحقيق: د. ماريانا يوسف

لم يكن ما حدث داخل حافلة مزدحمة في القاهرة مجرد مشادة عابرة بين شاب وفتاة. كان مشهدًا مكثفًا لعلاقة مأزومة بين مجتمع ونسائه. حين رفعت الشابة مريم شوقي هاتفها لتوثّق لحظة تحرّش قالت إنها تكررت مرارًا، لم تكن تطلب تعاطفًا بقدر ما كانت تبحث عن حماية. لكن الكاميرا التقطت ما هو أبعد من سلوك شاب يلاحقها؛ التقطت صمتًا باردًا، وابتسامات مستهينة، وأصابع اتهام ارتدّت سريعًا نحو الضحية نفسها.

في ثوانٍ، تحوّل الأتوبيس إلى صورة مصغّرة عن معضلة أكبر: امرأة تستغيث، ورجال يشيحون بوجوههم، وآخرون يطالبونها بالصمت. لم يتوقف الأمر عند حدود الحافلة؛ فمع انتشار الفيديو، انفجرت مواقع التواصل بين مشكك، ومُبرِّر، ومُهدِّد. ووجدت الفتاة نفسها في مواجهة مع محكمة غير رسمية تحاكم مظهرها وصوتها وجرأتها على التصوير.

ولم يكن الجدل وليد الشارع وحده؛ فقد ساهمت تصريحات بعض الشخصيات العامة في إذكاء نيران اللوم، من بينهم مطرب المهرجانات حسن شاكوش الذي ربط بين مظهر الفتاة وما تعرضت له، في خطاب أعاد إنتاج السؤال القديم: ماذا كانت ترتدي؟

إلى متى يظل قانون منع التحرش حبر على ورق؟

منذ عام 2014، أُقر في مصر قانون يُجرم التحرش في الشوارع. لكن التطبيق غير المنتظم وغياب الشفافية، إذ لم تُنشر أرقام رسمية منتظمة للمُدانين، يخلقان فجوةً بين النص والواقع.

أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا بتعديلات جديدة لقانون العقوبات لمواجهة التحرش الجنسي، وتغليظ العقوبة على المخالفين.

حمل القانون الجديد رقم 141 لسنة 2021، وكانت أبرز التعديلات فيه: “عقاب المتحرش مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات لكل مَنْ تعرَّض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل التواصل السلكية واللاسلكية والإلكترونية أو أية وسيلة تقنية أخرى”.

كشف القانون رقم 185 لسنة 2023، المعدل لبعض أحكام قانون العقوبات، عن تشديد العقوبات على جرائم التحرش الجنسي في مصر، بما يتناسب مع طبيعة الجريمة وظروف ارتكابها.

ونصّت المادة 306 مكرر على معاقبة أي شخص يقوم بالإيحاءات أو التلميحات أو الفعل الجنسي أو الإباحي تجاه الغير بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز أربع سنوات، وغرامة مالية تتراوح بين 100 و200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وتُشَدد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل، أو وسائل النقل، أو بواسطة أكثر من شخص، أو في حال تكرار الفعل، لتصل إلى الحبس إلى 3–5 سنوات والغرامة إلى 300 ألف جنيه، وتُضَاعَف العقوبات في حالات العود.

كما نصت المادة 306 مكرر “ب” على معاقبة التحرش في حالات استغلال السلطة الوظيفية أو الأسرية أو الدراسية، أو ارتكاب الجريمة في ظروف مشددة متعددة، بالحبس من 7 إلى 10 سنوات.

أما المادة 309 مكرر “ب” فتعاقب التحرش المرتكب من أشخاص ذوي سلطة على المجني عليه أو من أقاربه أو مربيه بالحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامة من 20 ألف إلى 100 ألف جنيه، مع مضاعفة الحد الأدنى إذا اجتمع أكثر من ظرف مشدد.

وتُعَدُ التعديلات الجديدة خطوة مهمة لتعزيز حماية المواطنين، خاصةً النساء والأطفال، وتوفير رادع قانوني قوي ضد المتحرشين، بما يواكب التوجه الدولي في مواجهة جرائم الاعتداء الجنسي وحماية الضحايا.

في قضية مريم، أعلنت وزارة الداخلية توقيف الشاب بعد التعرف على هويته من الفيديو، لكنه نفى تهمة التحرش عند مواجهته بالمقطع كما نفى معرفته بالشابة. ووفق تقارير محلية، أُطلق سراحه بكفالة قبل أن يُعاد توقيفه على خلفية قضية قرض غير مسدَّد.

هنا التحرك الأمني السريع مهم، لكنه لا يغني عن منظومة حماية وإبلاغ واضحة وسهلة الوصول، ولا عن توحيد معايير التعامل مع بلاغات العنف الجنسي، بما يقلل من مساحة التشكيك والإفلات.

عبد الله رشدي يثير جدلًا حول صلة “ملابس المرأة” بالتحرش الجنسي في مصر

بدأ الجدل عندما تداول مغردون منشورًا قديمًا للشيخ عبد الله رشدي يدلي فيه برأيه عن التحرش وأسبابه، ويقول فيه: “ليس من الطبيعي أن تخرج فتاةٌ بملابس لا تصلح إلا للنوم ثم تشكو من التحرش”، ويشير بالمنشور ذاته إلى أنه “لا يبرر التحرش ولا يعفي المتحرش من العقوبة”، لكن معارضيه اعتبروا أن لوم ملابس النساء جزء من لوم الضحية وتحميلها المسئولية بدل المتحرش.

وعقب ذلك، نشر رشدي تدوينة أكد فيها أن “التحرش جريمة لا تقبل التبرير بأي شكل”، وأوضح تركيزه على “معالجة الأسباب”، مفرقًا بين “السبب والمبرر”.

ثم أتبع رشدي ذلك ببث مباشر عبر صفحاته قال فيه: “هناك فرق بين محاولة علاج الأسباب التي قد تساهم في حدوث الجريمة.. وبين اعتبار هذه الأسباب شيئًا مبررًا للجريمة، فهذا مرفوض”.

وأثارت تعليقات الشيخ رشدي ردود فعل واسعة عبر مواقع التواصل، إذ انقسم المغردون والمدونون بين داعم مؤيد وناقد معارض، واستخدم كل فريق هاشتاجات للترويج لموقفه.

حين تتحول ملابس المرأة إلى شماعة للانتهاك

يعتقد البعض أن التحرش مرتبط بملابس النساء، وأن ارتداء النساء “ملابس محتشمة” قد يحميهن من هذه الجريمة، متجاهلين أن التحرش فعل نابع من المعتدي نفسه، وليس من الضحية/الناجية. هذه الفكرة تُكرس ثقافة التبرير للمتحرشين وتحمّل النساء مسئولية الانتهاك ولومهن، بدلًا من التركيز على محاسبة الجناة.

التسامح مع التحرش يبدأ عندما نجد مَنْ يبرر أفعال المتحرشين أو يدافع عنهم، فكل مَنْ يخلق الأعذار لهذه الجريمة يشارك في استمرارها.

ترى الناشطة الحقوقية نادين أشرف أن القضية تكشف “مشكلة بنيوية متأصلة” في المؤسسات والنظم، حيث قالت: “هذه الحوادث لا تؤخذ أبدًا على محمل الجد”، ويُلقى اللوم على النساء وملابسهن.

وأضافت: “إن كانت المرأة محجبة يقولون ملابسها ضيقة، وإن كانت غير محجبة ينظرون لشعرها، حتى وإن كانت مُنقَّبة سيقولون إنها تضع مساحيق تجميل، هناك دائمًا ذريعة ما”.

ذاكرة الأرقام تصيب بالصدمة

أظهرت دراسة للأمم المتحدة في عام 2017 أن 99.3% من المصريات أبلغن عن تعرُّضهن للتحرش، وأكثر من 80% يواجهن مضايقات في وسائل النقل العام.

وفي العام نفسه، خرجت احتجاجات واسعة ضد التحرش والعنف الجنسي.

في عام 2022، قُتلت الطالبة الجامعية نيرة أشرف طعنًا على يد شاب رفضت الارتباط به. وصدر حكم الإعدام وتم تنفيذ الحكم. لكن مواقع التواصل غصَّت حينها بتعليقات متعاطفة مع الجاني، وأخرى تلقي باللوم على الضحية.

92 حالة تحرش تم الإبلاغ عنها في 2025

وصف التقرير السنوي للمؤتمر الدائم للمرأة العاملة، أحد برامج دار الخدمات النقابية والعمالية، واقع النساء في سوق العمل خلال عام 2025 بأنه “هش ومستباح”، كما وثَّق التقرير 92 حالة عنف قائم على النوع الاجتماعي شملت التحرش اللفظي والجسدي، والتهديد أو الابتزاز مقابل الحفاظ على الوظيفة، وعدم المساواة في الأجور، علاوة على 87 حالة من الإجراءات التعسفية كالنقل وتخفيض الأجر، بالإضافة إلى 56 حالة انتهاك لحقوق الأمومة والرضاعة نتيجة غياب الحضانات والتعنت الإداري الذي ضم بين أشكاله الضغط على العاملات للعودة إلى العمل قبل انتهاء المدد القانونية لإجازات رعاية الطفل.

 “Safer Egypt Mission”… أول منصة اجتماعية لملاحقة المتحرشين إلكترونيًا في مصر

مع تزايد معدلات جريمة التحرش والعنف الرقمي في مصر، أطلقت مبادرة مجتمعية مستقلة منصة Safer Egypt Mission كأول منصة مصرية تقدم قاعدة بيانات لجمع أسماء المتحرشين والتعليقات والرسائل الجنسية غير المرغوب فيها، كما يشاركها المجتمع.

تضم المبادرة متطوعين/ات يستهدفون/ن توفير مساحة آمنة للمجتمع المصري للإبلاغ عن المضايقات الرقمية العامة، والسعي لرفع الوعي لحماية النساء والفتيات.

المنصة لا تطلب أي بيانات شخصية من المُبلغين، وتُركز على توثيق واقعة التحرش فقط، حفاظًا على الخصوصية والأمان.

وقال مؤسسو/ات المنصة في تدوينة على حسابها الرسمي بمنصة “إكس”: “المنصة تساعد أي بنت بعد كده لو في واحد جاي يخطبها أو يصاحبها تشوفه متحرش ولا لا عشان تبقى في الصورة، والهدف منها فضح كل شخص يكتب تعليق فيه تحرش أو يرسل رسائل جنسية غير مرغوب فيها لأي حد”.

وتابعوا/ن: ” لو لقيتي واحد كاتب كومنت تحت بوست ليكي اأو لأي حد بيتحرش بيه، كل اللي عليكي تاخدي اسكرين شوت ولينك الأكونت وتبلغي عنه”.

وأكدت المنصة على موقعها أن الحالات المنشورة على الموقع هي بمثابة بلاغات/ادعاءات من المجتمع. “إحنا مش بنحقق أو بنثبت صحة الادعاءات؛ بنعمل بس فلترة مبدئية لإزالة السبام spam والإساءة الواضحة، وكل شخص مذكور يُفترض إنه بريء لحد ما يثبت العكس بحكم قضائي”.

كيف تعمل المنصة؟

وفقًا لموقعها، هناك ثلاث خطوات بسيطة وواضحة؛ أولها تقديم البلاغ حيث تقوم الفتاة المُبلِّغة برفع تفاصيل الواقعة وروابط عامة وصور داعمة، ثم الفلترة الأولية ويتم فيها استبعاد السبام spam والمحتوى الواضح الكيدي قبل النشر، وأخيرًا عرض مجتمعي حيث تظهر الحالات المنشورة مع وسوم وبحث لتسهيل التوعية.

وأكدت المنصة أنها تستهدف تحقيق نوع من العقاب المجتمعي للمتحرش، لعدم قدرة الضحية/الناجية في أوقات كثيرة على الإبلاغ بنفسها وخوض رحلة الذهاب لأقسام الشرطة والنيابة، سواء خوفًا من وصم المجتمع والأهل أو لعدم توافر الإمكانيات المادية مع الناجية، ولكن هذا لا يعني عدم تشجيع المنصة للنساء والفتيات على اللجوء للمسار القانوني باستمرار.

منظمات حقوقية ونسوية تحذِّر من تبرير جرائم التحرش وإلقاء اللوم على الضحايا

حذَّرت 11 منظمة ومبادرة نسوية من تصاعد الحملات الإعلامية وعلى السوشيال ميديا والرامية لـتبرير جرائم التحرش الجنسي وإلقاء اللوم على الضحايا، معتبرةً هذا المنحى انتهاكًا صريحًا لحقوق النساء والفتيات وتقويضًا لجهود مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر.

وجاءت التحذيرات في بيان مشترك، أصدرته المنظمات، وحمل توقيع أكثر من 50 حقوقيًا وصحفيًا ومحاميًا في أعقاب واقعة اتهام شاب بـ”التحرش بإحدى الفتيات داخل أوتوبيس نقل عام”، وهي الواقعة التي تصدرت الترند خلال الفترة الماضية، قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيل المتهم بكفالة ألف جنيه على ذمة التحقيقات.

وقالت المنظمات إن خطابات تبرير التحرش بمختلف أنواعها تُرسِّخ ثقافة الإفلات من العقاب، وتشجع على التمييز والتطبيع مع العنف، عبر إعادة إنتاج صور نمطية تمييزية تُدين الضحية بدلًا من مساءلة الجاني مجتمعيًا وقانونيًا.

وأكد البيان أن هذه الحملات، سواء كانت فردية أو جماعية، ممنهجة أو عشوائية، تتعارض مع نصوص الدستور وأحكام قانون العقوبات وتعديلاته المتعلقة بتجريم التحرش، والتزامات مصر الدولية، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتوصيات الاستعراض الدوري الشامل UPR، ومخرجات الحوار الوطني بشأن حماية النساء من العنف.

وطالبت المنظمات المجلس القومي للمرأة باتخاذ إجراءات واضحة وعلنية، على رأسها إصدار بيان رسمي يرفض بشكل قاطع أي خطاب يبرر أو يهوِّن من جرائم التحرش، وإطلاق حملة توعوية ممتدة، تؤكد أن المسئولية تقع كاملة على مرتكبي الجريمة، وأن وجود النساء والفتيات في الفضاء العام وملابسهن وسلوكهن حقوق دستورية لا يجوز استخدامها كمبرر للعنف.

كما دعت إلى تعزيز التنسيق مع وزارة الداخلية لتفعيل وحدات مناهضة العنف ضد النساء داخل أقسام الشرطة وضمان سهولة الوصول إليها، بما يكفل سلامة الشاكيات وحماية بياناتهن، إلى جانب تطوير إرشادات وتدريبات مهنية للتغطية الإعلامية لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما يضمن خطابًا دقيقًا وحساسًا يحترم كرامة الناجيات ويتجنب لوم الضحية أو تبرير العنف.

وشدد البيان على ضرورة اضطلاع النقابات المهنية بدورها في محاسبة مَنْ يستخدمون شهرتهم للترويج لخطابات تحريضية ضد النساء، فضلًا عن التنسيق مع الجهات التنفيذية والمحليات لتحسين أمان الطرق، وتكثيف الدوريات الشرطية المتحركة، والبحث عن وسائل تقنية تيسِّر الإبلاغ الفوري عن وقائع العنف الجنسي.

وحمل البيان توقيع مؤسسات جنوبية حرة، وقضايا المرأة المصرية، والنون لرعاية الأسرة، ومؤنث سالم لتمكين المرأة، والمرأة والذاكرة، ومبادرات تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، ومحاميات مصريات، والمرأة الريفية، وبر أمان، وحقي، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

كيف واجهت الدولة التحرش… إنشاء 21 وحدة لمكافحة التحرش بالجامعات الحكومية

تم إنشاء وحدة لمكافحة العنف ضد المرأة بالمجلس القومي للمرأة لتنفيذ ومتابعة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة، وإنشاء ثلاث عيادات متخصصة للعنف ضد المرأة داخل مصلحة الطب الشرعي (القاهرة، الإسكندرية، المنصورة)، مدعومة بأحدث أجهزة الكشف على النساء اللاتي يتعرَّضن للعنف، ويتولى العمل بها أطباء مدربون للتعامل مع تلك النوعية من الجرائم، وملحق بعيادة القاهرة عيادة للدعم النفسي يتواجد بها طبيبات مدربات لتقديم الدعم النفسي للنساء المعنفات ومتابعة حالاتهن.

وأيضًا من بين الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمكافحة العنف ضد المرأة في مقدمتها التحرش، إنشاء 21 وحدة لمكافحة التحرش في الجامعات الحكومية، هدفها هو زيادة الوعي بين موظفي الجامعة والأساتذة والطلاب بحقوقهم في حالة تعرُّضهم للتحرش في الجامعة، وتوعيتهم بآليات الإبلاغ والتعامل مع الأطراف المعنية، وأخيرًا دعم الضحايا الذين تعرَّضوا للتحرش.

ثقافة لوم الضحية وتبرير فعل الجاني

في كتابه «إلقاء اللوم على الضحية»، صاغ عالم النفس وليام ريان هذا المصطلح لأول مرة عام 1971، ووصف ريان إلقاء اللوم على الضحية بأنه أيديولوجيةً تُستخدم لتبرير العنصرية والظلم الاجتماعي ضد ذوي البشرة السمراء في الولايات المتحدة في ذلك الوقت. وجاء الكتاب لمواجهة تقرير دانيال باتريك موينيهان عام 1965، والذي ألقى فيه باللوم على الأُسر الأمريكية من ذوي البشرة السمراء لارتفاع معدلات الفقر لديهم، بدلًا من التركيز على تعرُّضهم لكثير من العنصرية والتمييز آنذاك.

ويُستخدم المصطلح بكثرة هذه الأيام، خاصةً في قضايا العنف والتحرش الجنسي ضد النساء، عندما يُفترض أنها ارتكبت خطأ ما لإثارة العنف ضدها، من خلال الأفعال والكلام أو المظهر والملابس. وتصارع كثير من النساء الضحايا بالفعل شعورهن الداخلي بالذنب والخجل لما أصابهن، وهو ما يجعلهن يترددن كثيرًا في الإبلاغ عن مثل هذه الحوادث، ويُعَدُ إلقاء اللوم عليهن سببًا رئيسيًا في الخوف من الإبلاغ أو حتى الإفصاح لأقرب الناس إليهن.

عندما يتم إلقاء اللوم على الضحية وليس الجاني وجعلها تتحمل المسئولية –أو جزءًا منها– عن الاعتداء، فهذا يُعرف بلوم الضحية. ويتم افتراض أن الشخص الذي تعرَّض إلى الاعتداء قد قام بشيء “سيئ” ليستحق ما تعرَّض له من اعتداء بشكل ما، من خلال أفعاله أو ملابسه أو كلماته. وبذلك يصبح لوم الضحايا سببًا رئيسيًا في أن معظم الناجيات من العنف الجنسي والمنزلي لا يبلغن عن الاعتداء عليهن، بسبب الخوف من إلقاء اللوم عليهن ولأنهن يحملن بالفعل مشاعر الذنب والعار لما حدث. فالمجتمع يصب اهتمامه على ضحية الاغتصاب أو العنف ويسألها عن علاقتها بالجاني وطريقة ملابسها وأفعالها السابقة، ويترك المغتصب يُعِدُ نفسه لاغتصاب ضحية جديدة، بل ويمنحه مبررات ليسهِّل عليه الطريق.

د. قدري حفني: أسباب التحرش أعمق من أن تُختزل في الفقر أو الخطاب الديني

يرى الدكتور قدري حفني أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس أن الدراسات أجمعت على وجود أسباب متعددة لظاهرة التحرش الجنسي، ومن بينها أسباب تتعلق بالفقر وتدهور القيـم الدينية وانتشار القنوات الإباحية وعدم كفاية العقوبة، واعتبر أن ربط الظاهرة بالخطاب الديني وحده يحمل تضييقًا للموضوع وتحميلاً للخطاب الديني بما لا يحتمل، حيث إن النص الديني قابل للتأويل. وطرح الدكتور حفني عددًا من التساؤلات منها: هل تقتصر ظاهرة التحرش على مجتمع بعينه أو فترة تاريخية بعينها؟ ولماذا يكون التفسير غير الصحيح للدين هو دائمًا الأكثر انتشارًا في المجتمع؟ وإذا كان الفقر سببًا للظاهرة، فلماذا تحرش الرئيس الأمريكي كلينتون بموظفة البيت الأبيض مونيكا؟

ولفت الدكتور حفني النظر إلى أن التاريخ شهد في بعض من مراحله قصرًا للتحرش على النساء الإماء، بل وكان التحرش بهن مطلوبًا في مناطق كأسواقؽ النخاسة، حيث كان يتـم “تقليب” جسد المرأة التي يُنظر إليها في هذه الحالة على أنها “بضاعة للبيع”. وأكد الدكتور حفني أن بقايا ذيول فترة الرق لا تزال موجودة، وأن المتحرش ينظر للمرأة حتى الآن على أنها “بضاعة” هو محروم منها.

أما الخبيرة والمستشارة الاجتماعية نجلاء محفوظ فقد ربطت بين الحياة الاقتصادية المنهارة للمصريين والتحرش، حيث أكدت أن هناك أسبابًا اقتصادية وراء تزايد نسبة التحرش، إذ لاحظت أن نسبة كبيرة من المتحرشين من أبناء الطبقات الفقيرة، وأنهم يتعمدون الذهاب للمناطق الراقية لممارسة التحرش ببنات الطبقة الراقية، وهو مؤشر خطير على تزايد الفجوة الاقتصادية والغضب المكتوم من الفقراء تجاه الأغنياء. واعتبرت أن في مقدمة أسباب انتشار التحرش غياب الأمن عن الشارع، وهو ما يشكّل الرادع الاجتماعي الخارجي.

وترى الدكتورة ملك رشدي أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجي بالجامعة الأمريكية أن التحرش وسيلة يستخدمها البعض لإثبات ذكورته التي تغيَّر مفهومها عن الماضي كثيرًا، حيث كان الرجل يتحلى بقيـم وصفات الشجاعة والمسئولية وحماية المرأة من الخطر، لكن ارتبط هذا المفهوم حاليًا بالجنس وقدرات الرجل. وأكدت أن المجتمع أصبح ذكوريًا بشكل صرف لدرجة أنه يلغى وجود المرأة في مجالات عديدة وتصبح وكأنها خُلقت فقط من أجل خدمة الرجل.

نفسيًا: التحرش… جرحٌ لا يُرى وآثارٌ لا تُمحى

مما لا شك فيه أنه عند تعرض المرأة إلى شكل من أشكال التحرش فإن هذا الحادث يترك العديد من الآثار النفسية عليها، ومن هذه الآثار التي تلاحق المرأة ما يلي:

– الشعور بالذنب ومحاولة تحقير الذات، فقد تعتقد المرأة أنها كانت بالفعل مشاركة فيه وأنها السبب بشكل أو بآخر، فتفقد الثقة بنفسها وتعيش في توتر وقلق ولوم دائم بينها وبين نفسها، وقد تكره أنوثتها التي عرَّضتها لمثل هذا الموقف.

 – الشعور بالغضب والحقد تجاه الرجال جميعًا والتخوف من الزواج والاقتناع بأن الرجال جميعًا كائنات متوحشة تستهدف جسدها ومشاعرها ونفسيتها.

– قد تتعرَّض لأحلام وكوابيس مستمرة مما يجعلها في حالة تذكُّر دائـم للواقعة، فتبتعد عن البشر وتنكمش داخل نفسها وتبتعد عن أي مكان قد يذكِّرها بالحادثة.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا