36.4 C
Cairo
الثلاثاء, يونيو 2, 2026

احمِ عقلك!

جلوريا حنا

سمعتُ منذ فترة في أحد البرامج الإذاعية سيدة تحكي بعض القصص للأطفال غرضها تعليم بعض المبادئ للأطفال في شكل حواديت بسيطة، ثم تقوم باستضافة طفل أو اثنين للتحدث معهم قليلًا. وفي إحدى الحلقات، حكت قصة عن خطر يهدد قرية أو مدينة، وحيرة أهلها في كيفية التغلب على هذا الخطر، ثم ظهور أميرة تلك القرية، والتي كانت بحسب القصة صغيرة في السن، لا أعرف عمرها بالتحديد، لكنها اقترحت أن تتخلص هي من هذا الخطر، وهذا ما حدث على مدار القصة باستخدام ذكائها وبعض المساعدة.

لم تهمني كثيرًا القصة بقدر ما لفت نظري مصطلح استخدمته السيدة على لسان تلك الفتاة عندما كانت تحاول إقناع أسرتها بذهابها للتخلص مما يهددهم؛ فقد أخبرتهم عن الميزات والحواس التي خلقها الله للإنسان كي يستطيع التعايش وحماية نفسه من التهديدات، وما لفتت انتباهي أنها خلال حوارها هذا قالت: “خلق لينا الإيدين عشان نستعملها وناخد حقنا بيها”، ثم أكملت: “ننقذ نفسنا وننتقم منه”.

أذكر أني تجمدتُ قليلًا عند هذه المصطلحات، خاصةً لبرنامج للأطفال، فرغم أن المعنى الفعلي هو أن ندافع عن أنفسنا ضد مَنْ يؤذينا، وهذا ليس عيبًا، لكن تلك المصطلحات لها جانب عنيف وانتقامي قد يأخذها الطفل بشكل حرفي، وكان من الأجدر من وجهة نظري أن تقول: “نستخدم أيدينا للدفاع عن ذواتنا”، و”نستخدم حواسنا وذكاءنا لننقذ أنفسنا”. فتلك تؤدي المعنى المراد وتشكِّل العقل على أننا لا نستخدم العنف ولكن من حقنا الدفاع عن أنفسنا ضد مَنْ يضايقنا، أي لا نكون المبادرين بالعنف بل نكون رد فعل لفعل الآخر، فمثلًا إذا كان الطفل يتعرض للتنمر، يمكن تعليمه كيف يستخدم يده لإبعاد المتنمر عنه فقط أو إعاقة حركته لفترة قصيرة دون أذية فعلية، واضعًا بذلك حدًا بينه وبين المتنمر كي لا يتطور سلوك المتنمر معه ويؤذيه مع مرور الوقت، مع تشجيعه على طلب المساعدة من شخص مسئول يسانده ضد المتنمر إن أمكن هذا، لا أن نشجعه على الانتقام من المتنمر فينقلب الأمر بينهما لساحة حرب!

للأسف في العالم نتعرض لكثير من تلك الأفكار التي تكون منافية تمامًا لطبيعتنا الجديدة كأبناء لله، وللأسف قد نجد أنفسنا ننجرف وراءها دون أن ندرك ذلك لكثرة المرات التي تعرضنا فيها لتلك الأفكار. وهنا يأتي دور علاقتنا مع الله القوية، فهي التي تحمينا من الانجراف وراء تلك المعتقدات والأفكار، وتساعدنا على تنقية ما نتعلمه فنستطيع أن نضع حدًا لما يمكن لنا أن نتعلمه حقًا بما لا يتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، وما يجب أن نطرحه خارجًا ولا نسمح له بأن يؤثر علينا.

عزيزي… تحدثت المرة الماضية عن أنه ليس كل شيء سائد صحيح، والآن أريد التأكيد على تنقية المعلومات والأفكار التي تأتي إلينا في ظل هذا الانتشار السريع وغير المُتحَكَم به للمعلومات. لقد أظهر لنا السيد المسيح كيف يمكننا أن نعيش وسط العالم دون أن نتأثر به، فقد كان يخصص دائمًا وقتًا للصلاة والتحدث مع الآب. لم يترك الخدمة تعوقه عن تلك الخلوة، وقد أرسل لنا الروح القدس كي يساعدنا أن نعيش مثله، وإصحاح (يوحنا 17) كله مخصص لصلاة السيد المسيح لتلاميذه ولنا كمؤمنين كي نستطيع أن نعيش في العالم دون الذوبان فيه، وكلمته التي معنا تعلِّمنا بشكل دائم الطريقة التي يريدنا الله أن نسلكها في حياتنا فيرى العالم أننا أولاد الله، نكون نورًا للعالم بطريقتنا المختلفة، بمحبتنا، بلطفنا، وحتى بحسمنا تجاه الخطية. لنطلب من الله أن يقودنا في طريقنا، أن يحمينا من أفكار العالم كي نظل مختلفين، ويرى الناس المسيح من خلالنا.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا