أ.د. أماني ألبرت
رائع رد فعل أيوب الأول حين أعلن إيمانه ومحبته الصادقة نحو الله، فقد خسر الشيطان جولاته الأولى ضد أيوب، لأنه ظل أمينًا لله، ولكن ماذا حدث ليصل لهذه الحالة؟
رغم أن أيوب تحمل المصائب بخضوع كامل لله، إلا أن الأمر طال، وبسبب الضيق لم يتمكن من التواجد في محضر الله كما كان يفعل، وبعد أن انتهت مسكنات الألم التي كانت في بقايا روحه من لقاءاته القديمة مع الله، قرر أن يثور.
إلى أي مدى يمكنه أن يتحمل هذه المعاناة التي تبدو بلا نهاية لها، فلا يلوح في الأفق سوى الألم والموت؟ هل سيصمد أيوب رغم أن الله تركه؟ وهو الذي وثق بأمانة في الله لمساعدته وحمايته من هذه المعاناة التي تبدو بلا معنى وظالمة؟
لا يوضح لنا الكتاب المقدس الفترة التي قضاها أيوب في الألم، ولكن نقرأ أنه بعد إصابته بالمرض سمع أصحابه فأتى كل واحد من مكانه، أليفاز من تيمان وبلدد من شوحة وصوفر من نعمة، ولا يوضح الكتاب كم من الوقت استغرق وصول الأخبار السيئة إلى أصدقاء أيوب، وكم من الوقت استغرق الأصدقاء للاستعداد للسفر ومن ثَمَّ القيام بالرحلة.
ويبدو أن بلدد لم يكن يقيم بعيدًا عن أليفاز، واتفقا على الذهاب لزيارة أيوب، لكن صوفر النعماتي كان على مسافة أكبر من محل إقامة أيوب. ومن المحتمل أن يكون قد مر وقت طويل لأن مساكنهم بعيدة عن بعضها البعض، وبعيدة عنه، ولأن السفر كان يستغرق وقتًا.
’’ويبدو أنه قد مرت بضعة أسابيع قبل أن تصلهم أخبار مصائبه. وعندما جاء الخبر تواصلوا فيما بينهم، واتفقوا على أن يقوموا بزيارته للتعزية في وقت محدد يتم تحديده بينهما. ويبدو أن بعض الأشهر – شهرين على الأقل – قد انقضت بين تاريخ آخر ضيق لأيوب ووقت وصولهم‘‘.
ثم بعد أن وصل أصدقاء أيوب الثلاثة، جلسوا معه على الأرض سبعة أيام وسبع ليال في صمت تام، بالإضافة إلى وقت الحوار الذي دار بينهم بدايةً، وحديث أليهو بداية من إصحاح 3-37، ثم أسئلة الله في )أيوب38-41( ، وتوبيخه لأصدقاء أيوب الثلاثة، وذبيحة أيوب وصلاته من أجل أصدقائه.
لا نعرف كم من الوقت استغرقت الحوارات بين أيوب وأصدقائه، وهل تدخل الله مباشرةً بعد خطاب أيوب الأخير (ص37(، وكم استغرق تقديم الذبائح، وهل كان رد الله فوريًا أم تدريجيًاز
حتى أن أيوب يقول: ’’هكَذَا تَعَيَّنَ لِي أَشْهُرُ سُوءٍ، وَلَيَالِي شَقَاءٍ قُسِمَتْ لِي‘‘ (أيوب7: 3)، شهرًا بعد شهر ليس لدي ما أعيش من أجله؛ ليلة بعد ليلة تجلب لي الحزن، أعطيتُ أشهرًا لا فائدة منها، وورثتُ لياليَ مليئة بالبؤس، أمضيت شهورًا طويلة.
ويرى بعض المفسرين أن ضيقته استمرت اثني عشر شهرًا، فيما يشير جيمس جلينتوورث بتلر إلى أنه عانى ما يقرب من 60-80 سنة، أي ما يعادل عمرنا المعاصر.
وهم يستندون في ذلك لحساب عمره، فقد كان لديه 10 أولاد بالغين لأن كل واحد منهم كان له منزله الخاص (أيوب 1: 4)، وكان يقدم ذبائح خطية عن كل واحد منهم (ع 5) كانت تقدم بعد سن 20 عامًا (خروج30: 14-15)، ويقول التقليد اليهودي إن سنوات أيوب الأخيرة كانت ضعف سنواته السابقة. ويقول الكتاب المقدس إن أيوب عاش 140 عامًا بعد تجاربه (42: 16) مما يشير لاحتمال أن يكون عمره حوالي 70 عامًا عندما حدثت تجاربه، أي أنه عاش حتى بلغ من العمر 210 سنوات، بعمر مقارب لأقرانه في ذلك الوقت، إذ يشير الدارسون للتسلسل الزمني أن تارح والد إبراهيم عاش في نفس الوقت الذي عاش فيه أيوب، ومات عن عمر يناهز 205 (تكوين11: 32)، كما يشير خطاب أليفاز إلى أن أيوب عاش بعد الطوفان (أيوب22: 15-16).
ورغم أن الكتاب المقدس لا يذكر بالضبط المدة التي عانى فيها أيوب، لكن يبدو أنها كانت فترة طويلة فعلاً، حتى أنه صبر على ألمه فيها كما تذكر: ’’قد سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أيُّوبِ‘‘(يعقوب5: 11).
وقت الضيقة محدد من قبل الرب، ولكن علينا أن نقف أمام المحكمة ونقوم بدورنا حتى لا نطيل الوقت المحدد.
عامةً، يستخدم الله مدة الضيقة كغربال، يغربل ويفصل ’’الثمين من المرذول‘‘ (إرميا15: 19) في شخصياتنا، وفي إيماننا، فلا يكفي أن نقول إننا سنتبع الرب في كل الظروف، وعند المحك الحقيقي في وقت التجربة نغضب ونثور ونترك محضر الرب.
’’لأنه هئنذا آمر فأغربل بيت إسرائيل، كما يغربل في الغربال وحبة لا تقع إلى الأرض‘‘ (عاموس9: 9). ومع حركة الغربال، يغربل الرب نوايانا وإيماننا وميولنا الردية، كما فعل مع الشعب حين قادهم طوال 40 سنة في البرية وهو وقت طويل، وقد فعل ’’ليضْغَطَ عَلَيْكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ، فَيَعْرِفَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَحْفَظُونَ وَصَايَاه أمْ لَا‘‘، ’’حيث دفعك إلى أقصى حدودك، واختبرك‘‘’’حتى يختبرك، باتضاعك‘‘، ’’لقد أراد أن يعرف ما إذا كنتم مستعدين حقًا لطاعته والاعتماد عليه‘‘.
فالوقت عنصر مهم في الضيقة، وكلما طال نبقي في امتحان صعب، وكأن الله يرى فيه مدى استعدادنا لطاعته، وإلى أي مدى سنظل أمناء له، وما هي أقصى حدودنا التي سنتبعه فيها.
وبينما يغربلنا الرب بالضيقة والوقت، ينفض منا كل أشياء ليست في مشيئته، كل كبرياء وعدم إيمان وخوف. والمشجع في الأمر هو أن ’’حبة واحدة لا تقع إلى الأرض‘‘، فالله لن يسمح أن نفشل أو تنهار معنوياتنا أو تنكسر نفسياتنا بلا إصلاح، فهو ماهر جدًا في الضغط علينا دون أن يكسرنا. ’’هو يجرح ويعصب. يسحق ويداه تشفيان‘‘ (أيوب5: 18). وإذ يجرحنا فلكي يجردنا من رغباتنا شيئًا فشيئًا ثم يعود ليعصبنا ويرمم جروحنا بيديه الحانية. وإذ يستمر يفعل هذا ليصحح وجهتنا فتصبح إرادتنا متطابقة مع إرادته ونترك رغباتنا ونميل نحو رغباته هو بل ونسر بعمل مشيئته (مزمور40: 8).