أفكار لها تاريخ.. الميتاجلوبوس

3

الراحل د. مراد وهبة

الميتاجلوبوس بديل الميتافيزيقا. فما معنى كل منهما أولًا؟ وكيف حدث هذا البديل ثانيًا؟ جوابي على النحو الآتي:

الميتافيزيقا لفظ يوناني هو metaphysikos، وهو مكوَّن من مقطعين: meta بمعنى «ما بعد»، وphysikos بمعنى «الطبيعة»، ومن هنا يقال «ما بعد الطبيعة». وقد أطلقه أندرونيقوس الرودسي في القرن الأول قبل الميلاد على جملة المقالات التي وجدها بلا عنوان، ولكنها تأتي بعد كتاب «الطبيعة» لـ أرسطو، وموضوعها الوجود العام الذي يمكن أن يُقال عنه الجوهر أو الله. ومع ذلك فإن الفلاسفة اليونانيين لم يتعاملوا مع هذا المصطلح، إنما الذي تعامل معه هو ابن رشد في القرن الثاني عشر الميلادي.

أما مصطلح metaglobus فقد صككته، وهو مكوَّن أيضًا من مقطعين: «ميتا» بمعنى ما بعد، و«جلوبوس» وهو لفظ لاتيني بمعنى كوكب الأرض. وقد ظل مصطلح الميتافيزيقا متداولًا إلى أن نشأت حلقة “فيينا” في العشرينيات من القرن العشرين بقيادة العالم الفيزيائي الألماني موريتس شليك، مع مجموعة من علماء الفيزياء والرياضة. وكانت الغاية من تأسيس تلك الحلقة حذف الميتافيزيقا من مجال الفلسفة، بدعوى أن موضوعها ليس صالحًا لأن يكون موضع دراسة علمية محكومة بمنهج علمي يستند إلى مبدأ التحقيق، الذي يعني أن الجملة الخبرية لن تكون ذات معنى إلا إذا كان لها مقابل في الخبرة الحسية؛ فإذا كان لها مقابل فهي صادقة، وإلا فهي كاذبة. وحيث إن قضايا الميتافيزيقا ليس لها مقابل في الخبرة الحسية، فهي إذن قضايا بلا معنى.

وفي هذا السياق دعوتُ الفيلسوف البريطاني السير ألفريد آير إلى إلقاء محاضرة في جامعة عين شمس في 20 ديسمبر من عام 1980 عن حلقة فيينا، باعتباره المسؤول الأول عن تحكّم فلسفة حلقة فيينا في بريطانيا. وكان من شأن ذلك التحكّم أن الفلاسفة الشبان الذين التقيتهم في لندن اشتكوا من محاصرة آير لهم في مجال النشر. وقد نشرتُ محاضرة آير مع محاضرات لكبار الفلاسفة والعلماء في كتاب عنوانه الفلسفة والفيزياء (1986). أمّا هو فقد نشرها كما هي في كتاب صدر عام 1982 تحت عنوان العقلانية والعلم احتفالًا بمرور مائة عام على مولد موريتس شليك.

ومع ذلك كله، فقد جاءت اللحظة التي اهتزّت فيها فلسفة حلقة “فيينا” عندما تأسّس «مشروع جاليليو» برئاسة عالم الفيزياء الفلكية ورئيس مركز علم الفلك بجامعة جامعة هارفارد آفي لوب، الحائز على جائزة «الكسموس» في 20 مايو من هذا العام، وهي جائزة إيطالية تُمنح للعلماء المهمومين بتحسين الفهم الجماهيري للعلم. ولكنه، بعد هذا وذاك، مهموم بمشروعه الذي نشر في سياقه سبعة أبحاث في مجلة فلكية، والثامن في الطريق، ومنح طالبين درجة علمية جديدة أطلق عليها اسم «ما بعد الدكتوراه».

والسؤال بعد ذلك: لماذا أُطلق على مشروعه أنه «مشروع جاليليو»؟ الرأي الشائع عن جاليليو جاليلي أنه أول من برهن برهنة علمية على أن الأرض تدور حول الشمس مع الكواكب الأخرى. وقد جاء هذا البرهان على نقيض نظرية بطليموس التي أعلنها في عام 150 قبل الميلاد ودافع عنها أرسطو، وظلّت هذه النظرية سائدة إلى أن جاء جاليليو في القرن السادس عشر الميلادي. والمغزى هنا أن مشروع جاليليو هو مواصلة لنظرية دوران الأرض في سياق كواكب أخرى تدور مع كوكب الأرض، ويُقال عنها إنها «جيران»، وما علينا إلا أن نكون معها على ألفة، وعلى أملٍ في وجود حياة أخرى تكون جديرة بالدراسة العلمية والتكنولوجية، ومجاوزةً لكوكب الأرض.

ويكون كل ذلك في سياق العلم الجديد «ميتاجلوبوس»، والذي بفضله تصبح الفلسفة «كسمولوجيا»، أي فلسفة يكون فيها الإنسان علميًّا على علاقة بالكون. وقد فطنتُ إلى هذه العلاقة في بحث نشرته عام 1997 تحت عنوان «الفلسفة كسمولوجيا في سياق غزو الإنسان للفضاء»، الذي من شأنه، مع التطور، أن يكون سببًا في بزوغ إنسان جديد يكون قادرًا على تمثّل الكون ذي الأبعاد الأربعة الزمكانية التي صاغها ألبرت أينشتاين، بل يكون قادرًا على التنبؤ بالأحداث قبل أن تقع، وبذلك تزول غربة الإنسان عن الكون. إلا أن هذه النتيجة التي انتهيتُ إليها لم تكن إلا مجرد تأملات فلسفية، ولم تصبح علمية إلا بعد أن جاء آفي لوب.

غير أن الإشكالية بعد ذلك تكمن في كيفية تطوير «الميتاجلوبوس»، وهو تطوير يستلزم تمويله بملايين من المليارات. والعالِم الأمريكي يشكو من ندرة التمويل، من حيث إنه وارد من أفراد، والمطلوب تجاوز الأفراد إلى المؤسسات الرأسمالية الكبرى. والمأساة هنا أن هذه المؤسسات منغمسة في تمويل حروب الميليشيات المسلحة على مستوى كوكب الأرض، الذي أصبح مريضًا وعاجزًا عن مجاوزة ذاته. ومن هنا يمكن أن يُقال عن كوكبنا إنه في «زنقة مزدوجة»: زنقة بسبب مرضه، وزنقة بسبب سكّانه. والمعضلة بعد ذلك: كيف نزيل الزنقتين؟

الجواب عن هذا السؤال يستلزم حوارًا دوليًّا. وإذا كان ذلك كذلك، فما هي المؤسسة الدولية المسؤولة عن إنجاز هذا الحوار؟ هل من الممكن أن تكون دافوس؟ والذي يدفعني إلى هذا الاختيار أنها مدينة سويسرية يلتقي فيها سنويًّا رجال أعمال، ومديرو بنوك، ومسؤولون حكوميون، ومثقفون من مختلف البلدان. ومعظم هؤلاء حاصلون على درجات أكاديمية في علوم الفيزياء والاجتماع وإدارة الأعمال والقانون، ويعملون في شركات أو حكومات أو مؤسسات، ولهم اهتمامات دولية. ويُطلق على هذا اللقاء السنوي المنتدى الاقتصادي العالمي. وقد أطلق عليه عالم الاجتماع المشهور والأستاذ بجامعة هارفارد صمويل هنتنجتون «ثقافة دافوس».

هل أخطأت؟

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا