35 C
Cairo
الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيهل للنضج الروحي أعماق؟

هل للنضج الروحي أعماق؟

القس رأفت رؤوف الجاولي

كما أننا في علاقتنا مع الرب نحتاج على الدوام أن ندخل إلى العمق كذلك في النضج الروحي لا يمكن أبدًا بلوغ مستوى ما أو السعي لبلوغ مرحلة ما في رحلتنا الروحية ونعدها هدفًا أخيرًا ونتوقف عند هذا الحد، فالسعي الدائم للنضج وترك الأمور الطفولية إنما أمر لا خيار فيه. ولنبلغ حقًا العمق في النضج لنتأمل في هذا الموضوع من خلال ما يلي:

أولًا: المعرفة الحقيقية بالكتاب المقدس والثبات فيه (1يو2: 14)

“كتبت إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياءً، وكلمة الله ثابتةً فيكم، وقد غلبتم الشرير”.

صحيح أن معرفة الكتاب المقدس لا تضمن النضج الروحي، لكن لا يمكن للمرء أن ينضج دون معرفة عملية للكتاب المقدس، بتعاليمه الشاملة والقدرة على تطبيقها في مواقف الحياة اليومية وقراراتها. فكما أن الجندي ماهر بسيفه، والحرفي بأدواته، كذلك يجب أن نكون نحن عمالًا لا نخجل من عملنا، نتعامل مع كلمة الحق بدقة. هل الكتاب المقدس عزيز عليك؟ هل يخاطبك؟ هل تستطيع أن تغذي نفسك به؟ هل تتطلع إلى عظات مؤثرة ووعاظ يدفعونك إلى التأمل والبحث والتدقيق في نفسك؟ التعامل بجدية واهتمام واحترام مع كلمة الله هو إحدى علامات النضج المسيحي.

“أنتم أقوياءً… وقد غلبتم الشرير”

لقد مررتم أيها الأحداث بمخاطر ومتاعب ومصاعب شتى، واجتزتم اختبارات، وتحملتم صراعًا عظيمًا من البلايا والمعاناة، وما زلتم تحافظون على شهادة مشرقة للمسيح. لقد ازداد وعيكم بدعوتكم ومواهبكم وقدراتكم. وبالتطبيق هل لم تعد متقلبًا كما كنت سابقًا، ولم تعد تتأثر بكل مخاوفك الصغيرة؟ هل هناك ثبات وقوة في روحك؟ هل أنت متقو بقوة روح الله في داخلك؟ كل هذه من علامات النضج الروحي.

ثانيًا: إدراك احتياجك الروحي

لا بد أن يدرك الإنسان الروحي ما هو احتياجه. نقرأ في (في3: 12-16:(

“ليس أني قد نلت أو صرت كاملًا، ولكنّي أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع. أيها الإخوة، أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكني أفعل شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدمًا، أسعى نحو الغرض لأجل جعل الدعوة الله العليا في المسيح يسوع. فليفكر هذا جميع الكاملين منا، وإن فكرتم شيئًا بخلافه الله سيعلن لكم هذا أيضًا. وأما ما قد أدركناه، فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه، ونفتكر ذلك عينه”.

في الآية 13، عدم الاكتفاء بما حققناه في الماضي؛ وفي الآية 14، إدراك أن أمامنا طريقًا طويلًا لنقطعه في مسيرتنا الروحية وأن السباق لم ينته بعد. كما يقول الكتاب المقدس في رسالة (رو8: 32): «الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا جميعًا، كيف لا يهبنا معه كل شيء؟». إذا كان الله قد وهبنا أعظم عطية، فيمكننا أن نثق به في توفير كل ما نحتاجه لإتمام مقاصده.

إن من أعطانا ابنه وهو الغالي جدًا فقدم لنا به ثقة للدخول إلى الأقداس بدم يسوع (عب10: 19) فهل يبخل علينا بأي شيء يكون فيه فائدة لنا؟!

ثالثًا: القداسة الشخصية والتحرر من الأنانية

تخبرنا (غل6: 3): “لأنّه إن ظن أحد أنه شيءً وهو ليس شيئًا، فإنه يغش نفسه”.

وفي (في1: 6): “واثقًا بهذا عينه أن الذي ابتدأ فيكم عملًا صالحًا يكمله إلى يوم يسوع المسيح”.

لأنّي واثق من هذا الأمر، الله الذي بدأ عمله فينا، سيتمه، ويضمن لنا الكفاية والدعم اللازمين لإتمام دعوته.

إنّ كفايتنا ليست من أنفسنا، بل هي من الله وحده، الذي يفيض علينا برحمته كل ما نحتاج إليه.

جانب آخر هو القداسة الشخصية، وخاصة التحرر من الأنانية. نقرأ في (1كو3: 1-3) : “وأنا أيها الإخوة لم أستطع أن أكلمكم كروحِيِّينَ، بل كجسديِّينَ كأطفالٍ في المسيح، سقينا لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون، بل الآن أيضًا لا تستطيعون، لأنكم بعدُ جسديُّون. فإنّه فيكم حسدٌ وخصامٌ وانشقاقٌ، ألستم جسديِّينَ وتسلكون بحسب البشر؟”

إن الغيرة والخصام وسرعة الغضب والتفاهة وكل هذه الأعمال الجسدية هي علامات على عدم النضج.

يحتاج المؤمن الجسدي إلى التقديس (1كو3: 1). فما يشغله هو الانشقاقات حتى بين رجال الله القديسين. يحتاج الإنسان الروحي إلى الخدمة المستمرة بروح الله لكي يصير دائم النمو (1كو3: 14).

رابعًا: القدرة على تمييز الخير والشر (عب5: 13 و14)

“لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البرّ لأنه طفلً، أما الطعام، القويّ فللبالغين، الذين بسبب التمرن صارت لهم الحواس مدربةً على التمييز بين الخير والشر”.

ينبغي على جميع المؤمنين أن يكتسبوا هذا التمييز العام بنضج. من خلال العديد من التجارب والأخطاء والنجاحات في مسيرة الإيمان، نبدأ بفهم ما هو من الله وما هو من الشيطان بشكل متزايد، ونميز بين الروح والجسد، والنور والظلمة، والقمح والتبن، كما هو مكتوب:

“فتعودون وتميّزون بين الصديق والشرير، بين من يعبد الله ومن لا يعبدُه” (ملا3: 18)

يوجد فرق حقيقي بين الخير والشر وفقًا للكتاب المقدس، حيث يشير الكتاب المقدس إلى أن الله هو الخير الأسمى على الإطلاق (أي42: 2؛ مز89: 8؛ غلا6: 7). وبالنسبة للشيطان، لا يمكنه فعل شيء للتغلب على الله (أي1: 12؛ رؤ9: 1؛ 20: 7). وطبقًا للكتاب المقدس، لن يفلت أي عمل شرير من الدينونة؛ جاء في تعليم الكتاب المقدس عن الخير والشر أن جميع الناس، بدون استثناء، معرضون للخطية والشر (رو3:10 ؛ 3:23). المفهوم الكتابي لطبيعة الخطية يعني أنه لا يمكن رسم الخط الفاصل بين الخير والشر بين الناس، ولكن يتم رسمه داخل كل شخص.

قال سي. إس. لويس، بلغة أبسط: “أن تكون مسيحيًا يعني أن تغفر ما لا يُغتفر لأن الله قد غفر لك ما لا يُغتفر فيك” (انظر مت6: 14-15).

أخيرًا:

إن النضج الروحي ليس أمرًا سهلاً، والدخول إلى أعماق هامة فيه إنما هو رحلة صعبة تحتاج إلى عمق كتابي خاص وإدراك لاحتياجنا الروحي، فقد لا ندرك فعليًا ما هو هذا الاحتياج. والنمو في القداسة يعضد بلوغ عمق هام في النضج الروحي مع التمييز بين الخير والشر ببصيرة ووعي روحي صائب.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا