تحقيق: إيهاب قزمان
في جوف الليل، وفي قرية جاكو الصغيرة بمنطقة ريوم في ولاية بلاتو وسط نيجيريا، اقتحم مسلحون المنازل وأطلقوا النار عشوائيًا على السكان، فسقط القس أيوبا تشوجي وزوجته وطفلاه قتلى في لحظات. ولم تكن هذه الجريمة حادثة استثنائية أو معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الهجمات التي تضرب القرى المسيحية في نيجيريا، وتحوّل حياة الآلاف إلى حالة دائمة من الخوف والترقب.
ففي ولايات الحزام الأوسط، تتكرر المشاهد ذاتها: قرى تُهاجم ليلًا، منازل تُحرق، كنائس تُدمّر، وعائلات تفقد كل شيء في ساعات قليلة. وبينما تستمر هذه الأحداث بوتيرة متصاعدة، تبدو الاستجابة الدولية أقل بكثير من حجم المأساة التي يعيشها ملايين المسيحيين في البلاد.
نيجيريا تتصدر قائمة الضحايا
تكشف الأرقام حجم الكارثة بصورة يصعب تجاهلها. فبحسب تقرير «قائمة المراقبة العالمية 2026» الصادر عن منظمة «أبواب مفتوحة» المعنية برصد اضطهاد المسيحيين، بلغ عدد المسيحيين الذين قُتلوا بسبب إيمانهم حول العالم 4849 شخصًا خلال عام واحد، كان من بينهم 3490 قتيلًا في نيجيريا وحدها، أي ما يعادل 72% من إجمالي الضحايا عالميًا.
وتعني هذه الإحصاءات أن نحو ثلاثة من كل أربعة مسيحيين يُقتلون بسبب إيمانهم في العالم يسقطون على الأراضي النيجيرية. كما ارتفع عدد الضحايا مقارنة بالعام السابق، وهو ما يشير إلى أن الأزمة تتجه نحو مزيد من التفاقم بدلًا من الانحسار.
لكن الأرقام لا تنقل الصورة كاملة؛ فخلف كل رقم أسرة فقدت أبناءها، أو قرية هُجرت، أو كنيسة أُحرقت، أو أطفالًا أصبحوا بلا مأوى. ولهذا لا ينظر كثيرون إلى هذه الإحصاءات باعتبارها مجرد أرقام، بل باعتبارها مؤشرًا على أزمة إنسانية متواصلة.
الحزام الأوسط.. منطقة التوتر الدائم
تُعد نيجيريا أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان، وتنقسم بصورة عامة إلى شمال ذي أغلبية مسلمة وجنوب ذي أغلبية مسيحية، بينما يقع بينهما ما يُعرف بـ«الحزام الأوسط»، حيث تتداخل المجموعات السكانية والانتماءات الدينية بصورة كبيرة.
وكان هذا التنوع يُنظر إليه لعقود باعتباره نموذجًا للتعايش، إلا أن المنطقة تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في البلاد. فالتنافس على الأراضي الزراعية والمراعي، إلى جانب انتشار السلاح وضعف السيطرة الأمنية، خلق بيئة خصبة لتكرار أعمال العنف.
ويعيش ملايين المسيحيين في هذه المنطقة وسط حالة دائمة من القلق، حيث لا يعرف كثيرون منهم إن كانت قراهم ستكون الهدف التالي للهجوم. وقد اضطر آلاف السكان إلى ترك منازلهم والانتقال إلى مخيمات للنازحين بعد فقدان أراضيهم ومصادر رزقهم.
ولاية بلاتو.. الجرح المفتوح
تُعد ولاية بلاتو من أكثر المناطق التي تعاني من أعمال العنف. ففي مايو الماضي تعرضت قرى مسيحية في منطقة ريوم لهجوم ليلي أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا، بعدما اقتحم المهاجمون المنازل وأشعلوا النيران في الممتلكات.
وقبل ذلك بأسابيع، شهدت الولاية هجومًا آخر استهدف مجمعًا جامعيًا، وأسفر عن مقتل أكثر من ثلاثين شخصًا. وتكرار هذه الحوادث جعل بلاتو رمزًا للأزمة التي تعيشها نيجيريا.
ويرتبط وضع الولاية بموقعها الجغرافي الحساس، فهي تقع على خط التماس بين الشمال والجنوب، وتضم خليطًا سكانيًا من المزارعين والرعاة، الأمر الذي يجعلها عرضة للاحتكاكات المتكررة. ومع مرور الوقت أصبحت العوامل الدينية والعرقية والاقتصادية متشابكة بصورة تجعل فهم الصراع أكثر تعقيدًا.
غياب المحاسبة يفاقم الأزمة
يرى مراقبون أن أحد أبرز أسباب استمرار العنف يتمثل في ضعف المحاسبة. فالكثير من الهجمات تمر دون محاكمات أو إدانات واضحة، وهو ما يخلق شعورًا لدى السكان بأن الجناة قادرون على الإفلات من العقاب.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الاستجابة الأمنية غالبًا ما تكون متأخرة، وأن القرى المستهدفة لا تحصل دائمًا على الحماية الكافية. ومع تكرار الهجمات في المناطق نفسها، تراجعت ثقة بعض المجتمعات المحلية في قدرة الدولة على حمايتها.
وقد دفع هذا الوضع بعض القرى إلى تشكيل مجموعات حراسة محلية لحماية السكان والممتلكات، في محاولة لسد الفراغ الأمني الذي يشعرون بوجوده.
دور التنظيمات المتطرفة
لا يمكن فهم ما يحدث في نيجيريا دون التطرق إلى نشاط التنظيمات المتشددة التي تنشط في مناطق مختلفة من البلاد. فقد أعلنت جماعات مرتبطة بتنظيم «داعش في غرب إفريقيا» مسؤوليتها عن عدد من الهجمات التي استهدفت مسيحيين، فيما تواصل جماعة «بوكو حرام» وفصائل أخرى تنفيذ عمليات مسلحة منذ سنوات.
وقد أسهمت هذه التنظيمات في تحويل أجزاء واسعة من شمال البلاد إلى مناطق غير مستقرة أمنيًا، كما تسببت في مقتل وتشريد عشرات الآلاف من الأشخاص.
ويرى باحثون أن وجود هذه الجماعات يضفي على الأزمة بعدًا أيديولوجيًا يتجاوز النزاعات التقليدية على الأرض والموارد، ويجعل بعض الهجمات موجهًا بشكل مباشر ضد المجتمعات المسيحية.
كما اشتهرت هذه التنظيمات باستخدام أساليب عنيفة تشمل الخطف الجماعي، واستهداف دور العبادة، وتنفيذ هجمات تهدف إلى بث الرعب بين السكان، وهو ما أدى إلى تعميق الشعور بعدم الأمان لدى المسيحيين في المناطق المتضررة.
ماذا فعل المجتمع الدولي؟
على المستوى الدولي، عادت قضية المسيحيين في نيجيريا إلى الواجهة بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعاد تصنيف نيجيريا باعتبارها «دولة تثير قلقًا خاصًا» فيما يتعلق بحرية المعتقد.
واتهم ترامب السلطات النيجيرية بالفشل في حماية المسيحيين من الهجمات المتكررة، بينما رفضت الحكومة النيجيرية هذه الاتهامات وأكدت أن ما يحدث يرتبط بصراعات أمنية ومجتمعية معقدة، وليس باستهداف ديني ممنهج.
كما أعلن ترامب في أكثر من مناسبة عن عمليات عسكرية استهدفت قيادات مرتبطة بتنظيم «داعش» في غرب إفريقيا، مؤكدًا أن بعض هذه الجماعات متورطة في أعمال عنف ضد المسيحيين.
لكن كثيرًا من المراقبين يرون أن هذه المواقف، رغم أهميتها السياسية والإعلامية، لم تنعكس حتى الآن على حياة الضحايا بصورة ملموسة. فالتصريحات الدولية تلفت الانتباه إلى الأزمة، لكنها لا توفر الحماية للقرى المعرضة للهجوم، ولا تضع حدًا لسقوط الضحايا.
الكنائس العالمية ترفع الصوت
على الصعيد الكنسي، صدرت خلال السنوات الماضية دعوات متكررة من الفاتيكان ومن كنائس وهيئات مسيحية عالمية للتنديد بالعنف وحماية المسيحيين في نيجيريا.
كما طالب قادة الكنائس النيجيرية المجتمع الدولي بالانتقال من مرحلة التضامن المعنوي إلى خطوات أكثر فاعلية، تشمل دعم النازحين، وتقديم المساعدات الإنسانية، والضغط على السلطات لضمان حماية السكان ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
ويؤكد رجال دين محليون أن الأزمة لم تعد مجرد مشكلة أمنية عابرة، بل قضية وجود بالنسبة إلى مجتمعات كاملة تعيش تحت تهديد دائم، وتخشى أن تفقد أرضها ووجودها التاريخي في بعض المناطق.
مأساة مستمرة
رغم الإدانات المتكررة والتغطيات الإعلامية المتفرقة، لا تزال نيجيريا تتصدر قائمة الدول الأكثر دموية للمسيحيين في العالم. وبينما تتزايد أعداد الضحايا عامًا بعد عام، يظل السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الدولة والمجتمع الدولي على وقف هذا النزيف المستمر.
ففي كل مرة تُهاجم فيها قرية جديدة، تتجدد المأساة ذاتها: قتلى ونازحون ومنازل مدمرة وأسر فقدت كل شيء. وما لم تتحول الإدانات إلى إجراءات عملية قادرة على حماية المدنيين ومحاسبة الجناة، فإن هذه الدائرة الدموية مرشحة للاستمرار، وستبقى نيجيريا عنوانًا لإحدى أكثر الأزمات إيلامًا بالنسبة للمسيحيين في العالم.