أعلن صندوق النقد الدولي، الأربعاء، إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد لمصر، بالإضافة إلى المراجعة الأولى في إطار برنامج “تسهيل المرونة والاستدامة”، وهو ما يسمح للقاهرة بسحب شريحة تمويلية جديدة تبلغ نحو 2.3 مليار دولار، لتعزيز سيولتها الدولارية ودعم استقرارها المالي.
وذكر صندوق النقد، في بيانه الرسمي، أن المجلس التنفيذي أقر هذه المراجعات بناءً على التقدم الذي أحرزته الحكومة المصرية في تنفيذ مستهدفات البرنامج الاقتصادي. وكانت إيفانا فلادكوفا هولار، رئيسة بعثة الصندوق إلى مصر، قد أكدت في بيان سابق لها في ديسمبر الماضي، أن “جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي حققت مكاسب مهمة، إذ يُظهر الاقتصاد المصري مؤشرات على نمو قوي. وتم تحقيق هذا الاستقرار في ظل بيئة أمنية إقليمية صعبة وحالة من عدم اليقين العالمي المتزايد”.
خلفية الاتفاق وتطور حجم التمويل
تعود جذور هذا البرنامج التمويلي إلى أواخر عام 2022، حينما لجأت مصر إلى صندوق النقد الدولي لمواجهة أزمة نقص حادة في النقد الأجنبي. وفي مارس 2024، توصلت مصر لاتفاق محوري مع الصندوق لزيادة حجم برنامج الدعم من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار.
جاءت هذه الزيادة عقب خطوة إستراتيجية كبرى تمثلت في إبرام مصر صفقة استثمارية ضخمة مع دولة الإمارات لتطوير منطقة “رأس الحكمة” بقيمة 35 مليار دولار. وفرت هذه الصفقة سيولة دولارية مكنت البنك المركزي المصري من اتخاذ قرارات جريئة، أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه المصري ليخضع لآليات العرض والطلب، ورفع أسعار الفائدة بشكل كبير لكبح جماح التضخم.
وقد صرف الصندوق 1.2 مليار دولار في مارس الماضي بعد إتمام المراجعة الرابعة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد، ليرتفع إجمالي ما حصلت عليه القاهرة إلى 3.2 مليار دولار، قبل صدور الموافقة الأخيرة، والتي سترفع إجمالي المبالغ المسحوبة بشكل كبير.
جذور الأزمة الاقتصادية وتأثير التوترات الإقليمية
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري تحديات مركبة؛ فقد تعرض الاقتصاد لسلسلة من الصدمات الخارجية بدأت بتداعيات جائحة كورونا، ثم اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى خروج مليارات الدولارات من “الأموال الساخنة” (استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي)، فضلاً عن ارتفاع الفاتورة الاستيرادية للسلع الأساسية كالقمح والطاقة.
ومؤخراً، زادت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط من تعقيد المشهد، وتحديداً الحرب في غزة وتصاعد الهجمات في البحر الأحمر، مما أثر سلباً على إيرادات قناة السويس التي تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، وهو ما أشار إليه الصندوق بـ “البيئة الأمنية الإقليمية الصعبة”.
أبرز الإصلاحات الهيكلية المطلوبة
يرتكز برنامج صندوق النقد الدولي مع مصر على عدة محاور إصلاحية رئيسية تهدف إلى ضمان استدامة الاقتصاد الكلي، وأبرزها:
المرونة الدائمة لسعر الصرف: التزام البنك المركزي بترك سعر العملة يتحدد وفقاً لآليات السوق لامتصاص الصدمات الخارجية وتجنب تراكم الاختلالات.
تمكين القطاع الخاص: تنفيذ “وثيقة سياسة ملكية الدولة” التي تهدف إلى تخارج الدولة تدريجياً من عدة قطاعات اقتصادية لصالح القطاع الخاص، مما يعزز المنافسة ويجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
الضبط المالي وترشيد الإنفاق: تقليص الإنفاق العام على المشروعات القومية الكبرى ذات المكون الاستيرادي العالي لتقليل الضغط على الدولار، بالإضافة إلى الخفض التدريجي لدعم الطاقة (الوقود والكهرباء) لتقليل عجز الموازنة العامة.
تسهيل المرونة والاستدامة (RSF)
يُعد إتمام المراجعة الأولى لبرنامج “تسهيل المرونة والاستدامة” جانباً هاماً من هذا الإعلان. يهدف هذا التمويل الإضافي إلى مساعدة مصر على معالجة التحديات الهيكلية طويلة الأجل، وتحديداً تلك المتعلقة بالتغير المناخي. ويدعم هذا المسار جهود القاهرة في التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام التغيرات المناخية.