تحقيق: د. ماريانا يوسف
في أقل من دقائق، تحوّل مقطع مصوَّر لأسقف قبطي في كنيسة صغيرة بمدينة كيبك الكندية إلى عاصفة كنسية مكتملة الأركان. ظهر نيافة الأنبا بولس، أسقف أوتاوا ومونتريال وشرق كندا، وهو يقدِّم مجموعة من الفتيات أمام المذبح مستخدمًا تعبير «شماسات»، لتشتعل صفحات التيار المحافظ و«رابطة حماة الإيمان»، ويتحوّل المشهد إلى اتهامات بـ«الهرطقة» و«مخالفة تقليد الآباء» و«بشاير وحدة» مع كنائس أخرى ترسم النساء.
بين من رأى في المشهد عودة طبيعية لتقليد قديم حيّ في ذاكرة الكنيسة، ومن اعتبره خرقًا خطيرًا لـ«نظام الكنيسة الذي تسلَّمته من المسيح ومار مرقس»، وجدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية نفسها مجددًا أمام سؤال شائك: هل ما جرى حادثة فردية عابرة، أم علامة على صراع أعمق حول مكانة المرأة، وحدود الإصلاح، وطبيعة الشهادة المسيحية في زمن متحوّل؟
هذا التحقيق يحاول تفكيك المشهد: من الواقعة نفسها إلى الجذور التاريخية واللاهوتية، مرورًا بملف «الشماسات» في الكنيسة الأولى، ثم مسار الجدل المعاصر داخل الكنيسة القبطية، وصولًا إلى سؤال أوسع: هل تتحرّك الكنيسة نحو انغلاق دفاعي أم نحو شهادة نبوية منفتحة؟
ماذا حدث في كندا؟
بدأت الأزمة عندما نشر دياكون ديسقورس -مؤسس تيار «حماة الإيمان»- مقطع فيديو للأنبا بولس من كنيسة السيدة العذراء في كيبك، واعتبر «رسامة شماسات» بالمخالفة للتقليد الكنسي. تَبنَّت صفحات محسوبة على التيار المحافظ الهجوم، وطالبت بمحاكمة الأسقف كنسيًا، بل ووصفت ما جرى بأنه «بشاير الوحدة»، في إشارة إلى محاولة التقارب مع كنائس أخرى تجيز رسامة المرأة.
في المقابل، احتفت صفحات أخرى بصور الفتيات، وتداولت صورًا قديمة وحديثة لشماسات من كنائس مختلفة، معتبرة أن ما جرى «إحياءٌ لخدمة قديمة» طالما عرفتها الكنيسة القبطية.
تحت هذا الضغط، أصدر الأنبا بولس بيانًا أوضح فيه أن ما حدث «لم يكن رسامة شماسية» بل «تخصيص لخدمة معينة»، مشيرًا إلى أن:
وضع اليد لم يتم على رؤوس الفتيات.
لا يُسمح لهن بخدمة الهيكل أو القراءة الليتورجية.
يقتصر دورهن على الوقوف في الصفوف الأولى وسط السيدات، وترتيل الألحان مع الشعب، ومساعدة المسنات والمريضات، والمساهمة في نظافة الكنيسة وأعمال الخدمة غير الطقسية.
اعترف الأسقف بأنه أخطأ في إجراء ما سمّاه بالـRecognition خلال القداس، وقدم اعتذارًا صريحًا عن استخدام لفظ «شماسة». غير أن الاعتذار لم يوقف الجدل.
جاء بيان اللجنة الدائمة للمجمع المقدس، برئاسة البابا تواضروس الثاني، ليضع نهاية رسمية للأزمة، إذ اعتبر ما حدث «كأن لم يكن»، ووافق على منح الأنبا بولس فترة خلوة وهدوء بدير السيدة العذراء البرموس حتى نهاية صوم الميلاد، مع الإشارة إلى أن «الأمر اختلط عليه». بالنسبة للكثيرين، اعتُبر هذا القرار انتصارًا جديدًا للتيار المحافظ، يضاف إلى سلسلة من التراجعات عن مبادرات إصلاحية أو تجديدية تحت ضغط الأصوات المتشددة.
لكن السؤال الأعمق ظل معلَّقًا: هل الأزمة مجرد «سوء تقدير طقسي»؟ أم أنها تكشف هشاشة ملف كامل اسمه «الشماسات» ظلّ مؤجلًا ومعلقًا على مدار قرون؟
الشماسات في ذاكرة الكنيسة الأولى والتراث الكنسي القبطي
التاريخ الكنسي – مصريًا وعالميًا – لا يعرف الكنيسة بلا نساء خادمات. لكن ما طبيعة هذه الخدمة؟ وما حدودها؟
1. الأساس الإنجيلي
يستند المدافعون عن رسامة الشماسات إلى نص واضح في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية:
«أُوصِي إِلَيْكُمْ بِأُخْتِنَا فِيبِي، الَّتِي هِيَ خَادِمَةٌ لِكَنِيسَةِ كَنْخَرِيَا» (رو 16: 1).
الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي Diakonos، وهي ذاتها التي تُستخدم للشماس (ذكرًا كان أم أنثى). في الوعي الأصولي المعاصر، تُختزل مثل هذه الشخصيات في دور «جليسة أطفال» أو «خادمة مدارس أحد»، بينما السياق الكتابي يتحدث عن خدمة كنسية واسعة «للكنيسة في كنخريا» لا لركن محدود فيها.
حضور النساء في خدمة المسيح نفسه يبدو متنوعًا:
مريم المجدلية التي تبعت المسيح حتى الصليب والقيامة.
مريم ومرثا أختا لعازر، في علاقة حوار وخدمة وتعليم.
نساء تبعن يسوع من الجليل، ورافقنه حتى القبر وأعددن الأطياب لجسده.
هذا الحضور لا يحسم وحده قضية «الكهنوت»، لكنه ينقض الصورة التي تحصر المرأة في الهامش أو تجعلها «ممنوعة بالطبيعة» من أي دور كنسي ذي تأثير.
2. الأساس التاريخي والقبطي
التراث الكنسي القبطي يحفظ بدوره نصوصًا تؤكّد وجود «الشماسات» كرتبة معروفة:
1- الدسقولية (تعاليم الرسل): تنص صراحة على إقامة شماسات نساء لخدمة النساء، خاصة في سرّ المعمودية، حيث لا يمكن للشماس الرجل أن يتعامل مع النساء في بيوتهن أو أثناء دهن الجسد بالميرون.
2- قوانين الأنبا تيموثاوس الأول (القرن الرابع): تتضمن بابًا خاصًا برسامة الشماسات وقواعد خدمتهن.
3- كتاب «سيرة البيعة المقدسة» للبابا كيرلس الثالث (القرن الثالث عشر): يذكر الشماسة كرتبة كنسية معتمدة.
4- كتاب «مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة» لابن كبر (القرن الرابع عشر): يُفرد بابًا كاملاً لقوانين رسم الشماسات وخدمتهن داخل الكنيسة.
في هذه النصوص، كانت الشماسة عادةً:
– إما عذراء مكرّسة، أو أرملة لرجل واحد.
– بلغت سن الستين غالبًا.
– تخدم في مجالات تخص النساء: المعمودية، الرعاية، تعليم النساء، وأدوار محددة في الليتورجيا تحت إشراف الكهنة والأساقفة.
حتى في القرون الوسطى، ظلّ حضور الشماسات قائمًا. يذكر مار يوحنا ابن قوروسوس – في القرن الثالث عشر – ضوابط دقيقة:
– لا تُناول الشماسة صبيًا تجاوز الخامسة من عمره.
– لا تدخل المذبح إلا في حالة غياب الشماس بحضور قسيس.
– لا تسكب الخمر أو الماء في الكأس إلا بإذن خاص من الأسقف.
بكلمات أخرى: لم تكن المرأة «غريبة» عن الخدمة الكنسية أو عن قربها من المذبح، وإن كانت خدمتها محكومة بقيود ثقافية ولاهوتية وزمنية.



