22.4 C
Cairo
الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةتحقيقاتشماسات تحت الحصار: إصلاح محاصر… ومحافظون على يصرخون رسامة الشماسات بين الجذور...

شماسات تحت الحصار: إصلاح محاصر… ومحافظون على يصرخون رسامة الشماسات بين الجذور التاريخية والجدل المعاصر

تحقيق: د. ماريانا يوسف

في أقل من دقائق، تحوّل مقطع مصوَّر لأسقف قبطي في كنيسة صغيرة بمدينة كيبك الكندية إلى عاصفة كنسية مكتملة الأركان. ظهر نيافة الأنبا بولس، أسقف أوتاوا ومونتريال وشرق كندا، وهو يقدِّم مجموعة من الفتيات أمام المذبح مستخدمًا تعبير «شماسات»، لتشتعل صفحات التيار المحافظ و«رابطة حماة الإيمان»، ويتحوّل المشهد إلى اتهامات بـ«الهرطقة» و«مخالفة تقليد الآباء» و«بشاير وحدة» مع كنائس أخرى ترسم النساء.

بين من رأى في المشهد عودة طبيعية لتقليد قديم حيّ في ذاكرة الكنيسة، ومن اعتبره خرقًا خطيرًا لـ«نظام الكنيسة الذي تسلَّمته من المسيح ومار مرقس»، وجدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية نفسها مجددًا أمام سؤال شائك: هل ما جرى حادثة فردية عابرة، أم علامة على صراع أعمق حول مكانة المرأة، وحدود الإصلاح، وطبيعة الشهادة المسيحية في زمن متحوّل؟

هذا التحقيق يحاول تفكيك المشهد: من الواقعة نفسها إلى الجذور التاريخية واللاهوتية، مرورًا بملف «الشماسات» في الكنيسة الأولى، ثم مسار الجدل المعاصر داخل الكنيسة القبطية، وصولًا إلى سؤال أوسع: هل تتحرّك الكنيسة نحو انغلاق دفاعي أم نحو شهادة نبوية منفتحة؟

ماذا حدث في كندا؟

بدأت الأزمة عندما نشر دياكون ديسقورس -مؤسس تيار «حماة الإيمان»- مقطع فيديو للأنبا بولس من كنيسة السيدة العذراء في كيبك، واعتبر «رسامة شماسات» بالمخالفة للتقليد الكنسي. تَبنَّت صفحات محسوبة على التيار المحافظ الهجوم، وطالبت بمحاكمة الأسقف كنسيًا، بل ووصفت ما جرى بأنه «بشاير الوحدة»، في إشارة إلى محاولة التقارب مع كنائس أخرى تجيز رسامة المرأة.

في المقابل، احتفت صفحات أخرى بصور الفتيات، وتداولت صورًا قديمة وحديثة لشماسات من كنائس مختلفة، معتبرة أن ما جرى «إحياءٌ لخدمة قديمة» طالما عرفتها الكنيسة القبطية.

تحت هذا الضغط، أصدر الأنبا بولس بيانًا أوضح فيه أن ما حدث «لم يكن رسامة شماسية» بل «تخصيص لخدمة معينة»، مشيرًا إلى أن:

وضع اليد لم يتم على رؤوس الفتيات.

لا يُسمح لهن بخدمة الهيكل أو القراءة الليتورجية.

يقتصر دورهن على الوقوف في الصفوف الأولى وسط السيدات، وترتيل الألحان مع الشعب، ومساعدة المسنات والمريضات، والمساهمة في نظافة الكنيسة وأعمال الخدمة غير الطقسية.

اعترف الأسقف بأنه أخطأ في إجراء ما سمّاه بالـRecognition خلال القداس، وقدم اعتذارًا صريحًا عن استخدام لفظ «شماسة». غير أن الاعتذار لم يوقف الجدل.

جاء بيان اللجنة الدائمة للمجمع المقدس، برئاسة البابا تواضروس الثاني، ليضع نهاية رسمية للأزمة، إذ اعتبر ما حدث «كأن لم يكن»، ووافق على منح الأنبا بولس فترة خلوة وهدوء بدير السيدة العذراء البرموس حتى نهاية صوم الميلاد، مع الإشارة إلى أن «الأمر اختلط عليه». بالنسبة للكثيرين، اعتُبر هذا القرار انتصارًا جديدًا للتيار المحافظ، يضاف إلى سلسلة من التراجعات عن مبادرات إصلاحية أو تجديدية تحت ضغط الأصوات المتشددة.

لكن السؤال الأعمق ظل معلَّقًا: هل الأزمة مجرد «سوء تقدير طقسي»؟ أم أنها تكشف هشاشة ملف كامل اسمه «الشماسات» ظلّ مؤجلًا ومعلقًا على مدار قرون؟

الشماسات في ذاكرة الكنيسة الأولى والتراث الكنسي القبطي

التاريخ الكنسي – مصريًا وعالميًا – لا يعرف الكنيسة بلا نساء خادمات. لكن ما طبيعة هذه الخدمة؟ وما حدودها؟

1. الأساس الإنجيلي

يستند المدافعون عن رسامة الشماسات إلى نص واضح في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية:

«أُوصِي إِلَيْكُمْ بِأُخْتِنَا فِيبِي، الَّتِي هِيَ خَادِمَةٌ لِكَنِيسَةِ كَنْخَرِيَا» (رو 16: 1).

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي Diakonos، وهي ذاتها التي تُستخدم للشماس (ذكرًا كان أم أنثى). في الوعي الأصولي المعاصر، تُختزل مثل هذه الشخصيات في دور «جليسة أطفال» أو «خادمة مدارس أحد»، بينما السياق الكتابي يتحدث عن خدمة كنسية واسعة «للكنيسة في كنخريا» لا لركن محدود فيها.

حضور النساء في خدمة المسيح نفسه يبدو متنوعًا:

مريم المجدلية التي تبعت المسيح حتى الصليب والقيامة.

مريم ومرثا أختا لعازر، في علاقة حوار وخدمة وتعليم.

نساء تبعن يسوع من الجليل، ورافقنه حتى القبر وأعددن الأطياب لجسده.

هذا الحضور لا يحسم وحده قضية «الكهنوت»، لكنه ينقض الصورة التي تحصر المرأة في الهامش أو تجعلها «ممنوعة بالطبيعة» من أي دور كنسي ذي تأثير.

2. الأساس التاريخي والقبطي

التراث الكنسي القبطي يحفظ بدوره نصوصًا تؤكّد وجود «الشماسات» كرتبة معروفة:

1- الدسقولية (تعاليم الرسل): تنص صراحة على إقامة شماسات نساء لخدمة النساء، خاصة في سرّ المعمودية، حيث لا يمكن للشماس الرجل أن يتعامل مع النساء في بيوتهن أو أثناء دهن الجسد بالميرون.

2- قوانين الأنبا تيموثاوس الأول (القرن الرابع): تتضمن بابًا خاصًا برسامة الشماسات وقواعد خدمتهن.

3- كتاب «سيرة البيعة المقدسة» للبابا كيرلس الثالث (القرن الثالث عشر): يذكر الشماسة كرتبة كنسية معتمدة.

4- كتاب «مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة» لابن كبر (القرن الرابع عشر): يُفرد بابًا كاملاً لقوانين رسم الشماسات وخدمتهن داخل الكنيسة.

في هذه النصوص، كانت الشماسة عادةً:

– إما عذراء مكرّسة، أو أرملة لرجل واحد.

– بلغت سن الستين غالبًا.

– تخدم في مجالات تخص النساء: المعمودية، الرعاية، تعليم النساء، وأدوار محددة في الليتورجيا تحت إشراف الكهنة والأساقفة.

حتى في القرون الوسطى، ظلّ حضور الشماسات قائمًا. يذكر مار يوحنا ابن قوروسوس – في القرن الثالث عشر – ضوابط دقيقة:

– لا تُناول الشماسة صبيًا تجاوز الخامسة من عمره.

– لا تدخل المذبح إلا في حالة غياب الشماس بحضور قسيس.

– لا تسكب الخمر أو الماء في الكأس إلا بإذن خاص من الأسقف.

بكلمات أخرى: لم تكن المرأة «غريبة» عن الخدمة الكنسية أو عن قربها من المذبح، وإن كانت خدمتها محكومة بقيود ثقافية ولاهوتية وزمنية.

 

البابا شنودة الثالث يعيد ملف رسامة الشماسات

توقفت خدمة الشماسات في الكنيسة القبطية عمليًا منذ القرن الثالث عشر. لكن القرن العشرين شهد محاولات لإحيائها من جديد.

1. البابا شنودة الثالث: إعادة فتح الملف

في عيد العنصرة عام 1981، أقدم البابا شنودة الثالث على رسامة عدد كبير من الشماسات، في خطوة اعتُبرت حينها إعادة إحياء لرتبة تاريخية اندثرت. لاحقًا، ومع اتساع الكنيسة في المهجر وتعقّد الاحتياجات الرعوية، صار هناك احتياج متزايد لقيادات نسائية مُدرَّبة، خاصة في التعليم والرعاية.

غير أن البابا نفسه وضع ضوابط صارمة؛ ففي حديث له أشار إلى شرط ألا يقل عمر الشماسة عن 60 عامًا، وربط الخدمة بأدوار محددة، بعيدة عن الهيكل والقراءات العلنية. وفي 22 مايو 2010، أصدر المجمع المقدس، برئاسته، قرارًا يمنع إلباس البنات الصغيرات أو الفتيات زيًا خاصًا في القداسات أو وقوفهن كخورس أمام السيدات لترتيل الألحان.

2. قرار 2018: «تكريس» لا «سيامة»

مع تعدّد الاجتهادات، اتخذ المجمع المقدس عام 2018 قرارًا ضابطًا: ما يجري للنساء هو «تكريس لخدمة معينة» وليس «رسامة كهنوتية». وأكّد أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «لا تعترف برسامة المرأة كشماسة بدرجة كهنوتية».

هذا التفريق الاصطلاحي بين السيامة والتكريس سمح من جهة باستمرار خدمة النساء في مجالات رعوية وتعليمية وخدمية، ومن جهة أخرى هدّأ المخاوف من أن يكون الأمر «تمهيدًا لكهنوت المرأة»، وهي تهمة يلوّح بها التيار المحافظ كلما أثير ملف الشماسات.

نموذج معاصر – الشماسة سارة ميتكالف

من الأمثلة التي تستحضرها الأصوات المُطالِبة بإحياء دور الشماسات، قصة الشماسة سارة ميتكالف في الكنيسة الأرثوذكسية البريطانية التابعة سابقًا للكرسي الإسكندري.

وُلدت سارة عام 1934 في سكيلو قرب دونكاستر بجنوب يوركشاير. وتعمّدت طفلة، وانضمت إلى الكنيسة الأرثوذكسية عام 1988. رسمها أبّا سيرافيم شماسة عام 1989. خدمت الكنيسة في كاسورث أكثر من ثلاثين عامًا، في الرعاية والتعليم والزيارات.

زارت مصر عام 1996، والتقت البابا شنودة الثالث، ضمن وفد كنسي.

هذه النماذج تذكّر بأن وجود الشماسات في سياق قبطي أو مرتبط بالكرسي الإسكندري ليس اختراعًا غربيًا، بل امتداد لتقليد روحي طويل، وإن ظلّ محصورًا في نطاقات جغرافية أو طقسية معينة.

بين اللاهوت والواقع – كيف يُقرأ دور المرأة؟

النقاش اللاهوتي حول المرأة في الكنيسة ليس جديدًا. لكنه يُستدعى في كل مرة بأدوات انتقائية تخدم تصورًا جاهزًا.

1. حُجج الرافضين

يرتكز الرافضون لرسامة الشماسات أو توسيع دور المرأة في الليتورجيا على عدة محاور:

– أن المسيح اختار تلاميذه الاثني عشر من الرجال.

– أن الشموسية مرتبطة بالكهنوت، والكهنوت -في التقليد القبطي- ذكوريّ حصريًا.

– أن تعاليم بولس الرسول تطلب من النساء الصمت في الكنيسة والخضوع لأزواجهن.

– أن مشاركة النساء في الهيكل أو في قراءة السنكسار والقراءات الليتورجية تمثّل «كسرًا للنظام» و«بدعة مستحدثة».

هذه الرؤية تُترجَم عمليًا في مواقف متتابعة:

اعتذار الأنبا إسحق، أسقف طما، عام 2020 عن سماحه للمكرسات بدخول الهيكل والمشاركة في دورة القيامة، مؤكدًا أنه «لن يكرّر ذلك حفاظًا على سلامة الطقوس».

اعتذار رئيسة دير عندما قرأت راهبة السنكسار في قداس عام 2022، ورسالة التبرير التي قالت فيها: «أول مرة أقرأ السنكسار… أخطأت سامحني»، وردّ الأنبا رافائيل بتجديد رفضه لمشاركة النساء في القراءة أثناء الليتورجيا.

2. ميراث نظرة «النجاسة» والحيض

في عهد البابا شنودة الثالث، تعمّق تعليم يعتبر المرأة في فترة الحيض غير مهيأة للتناول أو دخول الكنيسة. في إحدى عظاته قال:

«المرأة اللي في فترة الحيض بيمنعوها من دخول الكنيسة… شوفوا، نحن نكرم المرأة لكن إكرامها إننا لا نتملقها أو نخدعها ونقولها تعالي بدمك اتناولي».

وفي كتاب «سنوات مع أسئلة الناس»، ربط بين الدورة الشهرية وتذكُّر الخطيئة الأولى. هذه الرؤية لم تبق رأيًا لاهوتيًا بين آراء، بل تحوّلت -بفعل كارزمية البابا شعبًا وإكليروسًا- إلى «مسطرة إيمان»، تبنّاها الوعظ الشعبي وكرّستها الثقافة الكنسية. انعكس ذلك على مكانة المرأة داخل الكنيسة، وحدّ من قدرتها على المطالبة بأدوار خدمية أو تعليمية أوسع.

انتصارات التيار المحافظ… وهواجس الإصلاح المؤجَّل

لم تكن أزمة الأنبا بولس، ولا اعتذارات الأساقفة والراهبات، حالات معزولة. يمكن رصد خيط متصل يبيّن كيف نجح التيار المحافظ، في أكثر من محطة، في فرض تراجعات على المؤسسة الكنسية.

في فبراير 2023، أُلغى حفل للموسيقار هاني شنودة كان مقررًا إقامته على مسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بعد هجوم واسع على السوشيال ميديا من تيار «حماة الإيمان» اعتراضًا على «نوع» الحفل داخل حرم كنسي.

في يونيو 2023، أثار ظهور صور للأنبا متياس -بعد نحو 18 عامًا من استقالته من أسقفية المحلة الكبرى عام 2005- جدلاً واسعًا بين محافظين وإصلاحيين، بينما اكتفت الكنيسة بتسريب الخبر عبر صفحات كهنوتية، دون إعلان واضح لخطوات المصالحة مع من سبق إقصاؤهم.

في ملف الأحوال الشخصية، حاول البابا تواضروس الثاني منذ بداية خدمته أن يوسّع أسباب الطلاق، في محاولة لمعالجة «الكوارث المتراكمة»، ثم واجه هجومًا عنيفًا، فتراجع وأكّد الالتزام بالصيغة التي رسّخها البابا شنودة: «لا طلاق إلا لعلة الزنا أو تغيير الدين». وحتى الآن، لا يزال قانون الأحوال الشخصية الشامل قيد الانتظار رغم الحديث عنه منذ أكثر من عقد.

في هذا السياق، تبدو أزمة «الشماسات» جزءًا من مشهد أكبر: كل خطوة إصلاحية، حتى لو كانت محدودة وخجولة، تصطدم بجدار صلب من الرفض، مدعومًا بمنصات إلكترونية عالية الصوت، لتجد الكنيسة نفسها بين خيارين: الصدام أو التراجع. حتى الآن، يميل الميزان في معظم الملفات إلى الكفة الأولى.

قراءة لاهوتية واجتماعية – أصوات من الداخل

وسط هذا الجدل، لا تغيب أصوات كهنوتية ولاهوتية تحاول تقديم قراءة أكثر هدوءًا وتعقّلًا لدور المرأة وخدمة الشماسات.

1. الأب إرميا نشأت: كرامة متساوية وأدوار متمايزة

يرى الأب إرميا نشأت، الراعي المساعد ببازيليك سيدة السلام بشرم الشيخ، أن النقاش حول أدوار النساء لا يمكن فصله عن تطور الأدوار عمومًا في المجتمع. يقول:

«اليوم ليس كالبارحة، كما أن اليوم لا يعلم ما سوف يفاجئه به الغد».

يضرب أمثلة من الواقع المعاصر:

مجالات عسكرية بالغة الخطورة لا تزال نسبة النساء فيها أقل من الرجال، ليس بمنع مطلق، بل بفعل متطلبات جسدية وثقافة مهنية معينة. ومجالات أخرى مثل التمريض ورعاية الأطفال والتعليم الأولي يغلب عليها حضور النساء تاريخيًا لأسباب ثقافية.

ويستخلص: «المساواة في الكرامة ثابتة لجميع البشر بلا استثناء. أما المساواة الوظيفية فليست قاعدة، بل مسألة تمييز أدوار، وليست درجات كرامة… الكرامة تُستقبل؛ الوظيفة تُمنَح». بهذا المعنى، لا يرى الأب إرميا أن كل اختلاف في الأدوار بين الرجال والنساء ظلم أو انتقاص، ولا يراه أيضًا قدرًا مغلقًا. بل يعتبره مجالاً قابلًا للتطوّر بحسب احتياجات الخدمة، شرط عدم المساس بمبدأ الكرامة المشتركة.

2. الأب جون جبرائيل الدومنيكاني: بين الانغلاق والشهادة النبوية

من زاوية أوسع، يضع الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ الكنيسة المصرية كلها أمام سؤال جذري: «الكنيسة المصريّة أمام مفترق طرق: انغلاقٌ دفاعيّ أم شهادةٌ نبويّة؟». ويتساءل: ما معنى الإيمان المسيحي في واقع يختبر ثقل التاريخ وضغط الحاضر وجرح الهجرة واستمرار خبرات العنف والتمييز؟

كيف يتجلّى الإيمان في كنائس متجذّرة في أرضها منذ قرون، لكنها تواجه تحوّلات اجتماعية وثقافية سريعة؟

هل يميل الإيمان إلى التماهي مع الهوية الجماعية والدفاع عن البقاء، أم ينفتح على بُعد النبوة والعدالة والحرية؟

يدعو الأب جون إلى قراءة أوضاع الكنائس المصرية في ضوء:

– علاقتها المتغيرة بالدولة والمجتمع.

– أثر الفقر والطبقية والهجرة والعنف على خبرة الإيمان.

– ضعف أو قوة التعليم اللاهوتي والكتابي، مقابل تأثير الإعلام الديني والفضائي.

ويخلص إلى أن الإيمان مدعوّ لأن يعي نفسه كقوة تجديد من الداخل، لا مجرد آلية دفاع عن جماعة مهدَّدة. إيمان يفتح تقليد الكنيسة على أسئلة الكرامة الإنسانية والعدالة، ويعيد وضع شخص المسيح في مركز الخبرة الكنسية، لا كشعار جماعي بل كشخص حيّ يحرّر ويقود.

الشماسات… ملف طقسي أم مرآة لصراع أوسع؟

قد يبدو النقاش حول «رسامة شماسات» مسألة طقسية تخص ترتيب المذبح أو شكل القداس. لكن القراءة المتأنية تكشف أنه يتجاوز ذلك بكثير:

– إنه مسّ مباشر بصورة المرأة داخل الكنيسة: هل تُرى كجسد ناقص طقسيًا، أم كصاحبة كرامة كاملة وأدوار خدمية أصيلة؟

– وهو مسّ بطبيعة الإصلاح داخل المؤسسة: هل الإصلاح «ممنوع» ما لم يوافق عليه التيار الأكثر تشددًا؟ أم أن للكنيسة، كمؤسسة روحية وتاريخية، حق ومسؤولية في تطوير بعض ممارساتها بما لا يمس جوهر الإيمان؟

وهو أيضًا مسّ بالعلاقة بين الكنيسة والمجتمع: هل تنغلق الكنيسة دفاعًا عن تقليدها في وجه كل سؤال جديد، أم تدخل في حوار صعب لكنه صادق مع المتغيرات الثقافية والاجتماعية؟

من هنا، يبدو أن ملف «الشماسات» ليس نهاية الجدل، بل أحد تجلياته. قد تُلغى كلمة هنا، وتُسحب رتبة هناك، وتصدر بيانات اعتذار وتراجع، لكن الأسئلة تبقى معلّقة:

كيف يمكن للكنيسة أن تحافظ على تقليدها دون أن تتحوّل إلى حصن مغلق؟

وكيف يمكن أن تستجيب لنداءات العدالة والكرامة- خاصة تجاه النساء- دون أن تنساق وراء شعارات فارغة أو ضغوط ظرفية؟

بين «رسامة» و«تكريس»، وبين «شماسة» و«خادمة»، وبين خلوة أسقف في دير واحتقان شعب على السوشيال ميديا، تظل الحقيقة الأوضح أن الكنيسة القبطية اليوم أمام لحظة اختيار: إمّا أن تستسلم لمنطق الانكماش، أو أن تخوض مسارًا إصلاحيًا طويلًا، هادئًا لكن جريئًا، يعيد قراءة تراثها في ضوء الإنجيل والتاريخ وواقع الإنسان المعاصر.

وفي قلب هذا المسار، ستظل المرأة -وشماسات اليوم والغد- معيارًا صادقًا لمدى قدرة الكنيسة على أن تكون، حقًا، «نبويّة» لا «منغلقة»، و«أمًّا» لا «حارسة بوابة» فقط.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا