نيفين عاطف مشرقي
يُعرف التصلب المتعدد بالمخادع، وذلك لأنه مرض يهاجم الجهاز العصبي المركزي بأشكال متعددة تختلف من شخص لآخر، ليجد المريض أن إشارات جسده المعتادة، من المشي أو الرؤية أو حتى الإمساك بكوب من القهوة، قد أصبحت فجأة خارجة عن السيطرة، ودون سابق إنذار. في هذا المقال سوف نغوص في تفاصيل معركة صامتة يخوضها المصابون بهذا المرض المناعي، من خلال حديثنا مع د. شريف صلاح، استشاري المخ والأعصاب والحاصل على دكتوراه المخ والأعصاب من جامعة عين شمس.
ما هو التصلب المتعدد؟
في البداية، تحدث د. شريف قائلًا إن التصلب المتعدد يُعد من الأمراض الشهيرة في العصر الحالي، وهو مرض يهاجم فيه جهاز المناعة غشاء “المايلين” -وهو غشاء يحيط بالمسارات العصبية التي تنقل الإشارات العصبية- في الجهاز العصبي المركزي، مما يحدث خللًا فيها، وينتج عن ذلك الأعراض والهجمات الخاصة بمرض التصلب المتعدد، والتي لها أنواع وأشكال على النحو التالي:
التصلب الانتكاسي المتردد: وهو الأكثر شيوعًا وانتشارًا، وفيه يعاني المريض من حدوث هجمات، وقد تتلاشى هذه الهجمات كليًا بالعلاج أو تتلاشى جزئيًا.
التصلب التقدمي الثانوي: ويكون في البداية عبارة عن هجمات تظهر ثم تختفي، وبعد ذلك لا تحدث للمريض هجمات، لكنه يتدهور على المستوى الحركي.
التصلب التقدمي الأولي: وفي هذا النوع لا تحدث للمريض هجمات من البداية، لكنه يتدهور على المستوى الحركي دون حدوث هجمات.
التصلب المتقدم الانتكاسي: وفيه يحدث تدهور في الحالة المرضية دون الشعور بهجمات، وبعد ذلك تظهر الهجمات وتختفي، وهذا النوع نادر الحدوث، بينما تُعد الأنواع الثلاثة الأخرى الأكثر انتشارًا.
أسباب المرض والعوامل المحفزة
وعن الأسباب المتعلقة بحدوث المرض، أشار د. شريف إلى أن حدوث تهيج في جهاز المناعة بشكل ما يؤدي إلى الهجوم على غشاء المايلين، مما يجعل جهاز المناعة يهاجم نفسه، وخصوصًا الجهاز العصبي. وهذه الحلقة غير معروف سببها حتى الآن، ولكن هناك بعض العوامل التي قد تثير جهاز المناعة، مثل:
وجود عوامل وراثية.
نقص فيتامين “د”.
التدخين.
الإصابة ببعض الفيروسات، مثل فيروس “إبشتاين بار”.
وأضاف أن المرض يحدث لدى السيدات أكثر من الرجال، وكلها أسباب مطروحة، لكنها ليست السبب الأساسي للإصابة بالمرض، الذي لا يزال سببه الحقيقي غير معروف حتى الآن.
أعراض متعددة ووجوه مختلفة
وعن الأعراض الناتجة عن المرض، أشار د. شريف إلى أنه كما سبق وذكرنا، فإن هذا المرض يسبب مشكلة في غشاء المايلين، وبالتالي فإن الخلل الحادث فيه وإعادة تكوينه مرة أخرى يسببان أعراضًا تظهر في صورة مشكلات حركية، حيث يشعر المريض بثقل في اليد أو القدم، أو حدوث أعراض حسية مثل التنميل أو الخدر في الجانب الأيمن أو الأيسر من الجسم، بما في ذلك الوجه، وأحيانًا يكون هناك فقدان للإحساس في هذا الجانب.
كما أن من أشهر الأعراض التهاب العصب البصري، لأنه يكون محاطًا بكثير من السحايا وغشاء المايلين السميك، وعند حدوث الهجمة، وخلال ثلاثة أيام، يشعر المريض بألم في العين، ثم بعدم القدرة على رؤية الأشياء بوضوح، وخصوصًا الألوان، وعدم القدرة على التمييز بين اللون الأزرق واللون الأحمر، حيث يرى الألوان وكأنها باهتة أو “مغسولة”.
وأضاف أنه عند حدوث هجمة في جذع المخ، يشعر المريض بعدم الاتزان أو بخلل في أحد الأعصاب القحفية، وإذا حدثت الهجمة في الحبل الشوكي، فإن المريض يشعر بثقل في القدمين وعدم التحكم في البول، أو العكس، أي احتباس البول.
كيف يتم تشخيص المرض؟
وعن كيفية التشخيص، أوضح د. شريف أنه يتم تشخيص التصلب المتعدد من خلال قانون يُعرف باسم “ماكدونالد”، وقد تم اكتشافه من خلال العالم “لوبلن”، حيث حدد هذا القانون تشخيص المرض من خلال حدوث هجمتين يشعر بهما المريض، تستمر كل منهما أكثر من 24 ساعة، ويفصل بينهما 30 يومًا، ولابد أن تشمل الهجمة مشكلات في الحركة أو الإحساس أو النظر أو خللًا في أحد الأعصاب القحفية وعدم الاتزان.
بالإضافة إلى ذلك، يتم إجراء رنين مغناطيسي يؤكد وجود التصلب المتعدد، أي وجود نقاط مؤثرة في خلايا المخ تظهر في الرنين، وتشير إلى التصلب المتعدد، وهي لها شكل ونمط معينان. وقد نحتاج إلى استخدام الصبغة لتأكيد نشاط المرض، وأحيانًا، في حالة عدم توافر جميع المؤشرات الخاصة بالمرض، نحتاج إلى سحب عينة من السائل الشوكي المحيط بالمخ وسحايا المخ، وفي حالة وجود أجسام مضادة، فإن ذلك يؤكد وجود المرض.
العلاج بين السيطرة والمتابعة
وعن طرق العلاج المتبعة، أكد د. شريف أنها تنقسم إلى شقين؛ الشق الأول هو علاج يُستخدم في الحالات الحادة، التي تكون فيها الهجمات شديدة، ويكون من خلال استخدام “السولوميدرول”، وهو عبارة عن عقار كورتيزون يُستخدم على مدار خمسة أيام متتالية.
أما الشق الثاني فهو علاج يمنع تطور المرض ويقلل نشاط جهاز المناعة، وبالتالي يقلل الإعاقة الحركية التي تحدث للمريض. وتُعرف هذه الأدوية باسم DMT، وهي تعدل من نشاط جهاز المناعة، وتُستخدم حسب نوع التصلب الذي يعاني منه المريض، سواء كان الانتكاسي المتردد أو الأولي أو الثانوي.
ويُستخدم هذا العلاج حسب درجة ومعيارية إعاقة المريض، كما تُستخدم الأدوية المعدلة للمناعة وفقًا لنوع المرض، ونوع الهجمات، وقوة المرض، ومدى نشاطه. وهناك بعض الأدوية التي تُستخدم لبعض الأعراض المصاحبة، مثل التشنجات العضلية، والألم، والتنميل، وأحيانًا يكون المرض مصحوبًا ببعض التغيرات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق والتوتر وقلة النوم.
نصائح مهمة للتعايش مع المرض
ووجّه د. شريف بعض النصائح التي قد تقلل من خطورة المرض، قائلًا: نظرًا لأنه لا يوجد سبب حقيقي معروف للمرض، فإنه يمكن الابتعاد عن الأشياء المطروحة نظريًا كمسببات محتملة، مثل التدخين والتوتر والعصبية، مع ضرورة ممارسة الرياضة والنوم الجيد، وإذا تم التشخيص الفعلي للمرض، يجب متابعة العلاج وعدم إهماله نهائيًا.
الأمل ما زال موجودًا
وفي الختام، يمكن القول إن التصلب المتعدد لم يعد ذلك السجن المظلم الذي كان يرعب المرضى في العقود الماضية؛ فالعلم يتقدم بخطوات متسارعة، والخيارات العلاجية الحديثة باتت تمنح المصابين فرصة لعيش حياة طبيعية، إلى جانب أهمية الدعم النفسي وتوفير بيئة تحتضن هؤلاء المحاربين ولا تشعرهم بالعجز.