زيارة تاريخية من بابا الإسكندرية إلى بابا القسطنطينية.. البابا تواضروس والبطريرك المسكوني يفتحان صفحة جديدة من الوحدة الأرثوذكسية
“من الحوار النظري إلى الشركة الفعلية.. الإسكندرية والقسطنطينية تكسران عزلة القرون نحو ‘وحدة الإيمان’ وجسد المسيح الواحد”
تحقيق: إيهاب أدونيا
في لحظة فارقة من تاريخ الكنيسة، وتتميمًا لرسالة المحبة التي لا تعرف الحدود، قام البابا تواضروس الثاني بزيارة أرض القسطنطينية العريقة. هذه الزيارة هي الأولى من نوعها منذ 13 عامًا منذ اعتلاءه كرسي مارمرقس وهذا اللقاء ليس مجرد لقاء دبلوماسي، بل هو امتداد لجسر الصلاة الذي يربط بين الكنيسة القبطية وأعرق قلاع الأرثوذكسية في العالم.
تتمتع المسيحية في تركيا بتاريخ عريق يمتد لألفي عام، حيث تُعد الأناضول مهدًا للكنائس الأولى، ومسقط رأس رسل (مثل بولس الطرسوسي) وموقعًا للمجامع المسكونية التي صاغت العقيدة المسيحية.
تحولت المنطقة من قلب الإمبراطورية البيزنطية المسيحية إلى دولة ذات غالبية مسلمة، وانخفضت نسبة المسيحيين فيها بشكل كبير خلال القرن العشرين، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى وتبادل السكان.
البابا تواضروس يحضر القداس البطريركي بمقر كرسي القسطنطينية
حضر البابا تواضروس الثاني القداس الإلهي البطريركي والسينودسي الذي خدمه البطريرك برثلماوس الأول، بطريرك القسطنطينية للروم الأرثوذكس، وشارك فيه أعضاء السينودس في كنيسة القديس جاورجيوس بالفنار بالمقر البطريركي في إسطنبول، وهو قداس أحد حاملات الطيب حسب طقس كنيسة القسطنطينية. وحضر القداس سفير مصر في تركيا الدكتور وائل بدوي، والوفد المرافق للبابا.
البطريرك المسكوني يدعو البابا تواضروس لترجمة وحدة الإيمان إلى شركة كنسية كاملة وإنهاء الانقسام
عقب القداس، تبادل البطريرك المسكوني برثلماوس الأول والبابا تواضروس الثاني الكلمات في لقاء اتسم بروح الوحدة الكنسية.
وأكد البطريرك أن العلاقة بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والمشرقية تقوم على إيمان واحد، وأن الانقسامات التاريخية ترجع لعوامل لغوية وثقافية لا عقائدية.
ودعا إلى ترجمة الاتفاقات اللاهوتية إلى واقع كنسي حي، والانتقال من الحوار النظري إلى الشركة الفعلية والتعاون الرعوي.
كما شدد على أهمية العمل من أجل السلام العالمي، وحماية الإنسان والخليقة باعتبارهما مسؤولية روحية مشتركة.
واختتم بالتأكيد على السعي نحو الوحدة الكاملة في جسد المسيح، معتبرًا الزيارة خطوة متقدمة في طريق المصالحة الكنسية.
البابا تواضروس في إسطنبول يبعث برسائل وحدة وسلام من إنجيل القيامة
وألقى البابا تواضروس كلمة في القداس الإلهي، وجّه في بدايتها تحية وشكرًا للبطريرك على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.
وتأمل في إنجيل القداس مشيرًا إلى كلمات القديس بولس الرسول عن “رائحة معرفة المسيح”، موضحًا أن هذه الرائحة تتجلى في خبر القيامة من خلال مريم المجدلية، التي ظلت واقفة عند القبر تبكي بدافع محبتها العميقة للرب.
وأضاف أن مريم كانت أول من اختبر فرح القيامة، حين ناداها المسيح باسمها قائلًا “يا مريم”، فتعرفت عليه، لتتحول من حالة الحزن إلى إعلان البشارة، في صورة تعكس قرب المسيح الحي من محبيه.
وأشار إلى أن القيامة تكشف عمق العلاقة الشخصية بين المسيح وكل مؤمن، وأن اللقاء به يغيّر حياة الإنسان من اليأس إلى الرجاء ومن الحزن إلى الفرح.
واختتم بالصلاة أن يملأ الرب كنيسته في أيام الخمسين المقدسة بفرح القيامة وسلامه، وأن يمنح الجميع البركة والقوة، ليعيشوا خبرة مريم المجدلية ويشهدوا قائلين: “لقد رأيت الرب”.
أبرز محطات التاريخ المسيحي في تركيا:
العصور المبكرة (القرن الأول – الخامس الميلادي): ازدهرت المسيحية بعد قيامة السيد المسيح وصعوده، وحلول الروح القدس على تلاميذه في يوم الخمسين (عيد العنصرة) لبدء الكرازة؛ حيث بُشر بالإيمان المسيحي في أنطاكية وأفسس (التي تحظى بقدسية كبيرة).
المجامع المسكونية: احتضنت تركيا (الأناضول) أهم المجامع التي صاغت العقيدة المسيحية، مثل مجمع نيقية عام 325م الذي أقر “قانون الإيمان”.
الإمبراطورية البيزنطية: كانت القسطنطينية (إسطنبول الحالية) عاصمة المسيحية الشرقية لقرون، ومقرًا لبطريركية القسطنطينية المسكونية.
1959 أول تواصل بين الكرسيين الإسكندري والقسطنطيني منذ مجمع خلقيدونية
في 10 ديسمبر 1959، قام أثيناغوراس الأول بزيارة تاريخية إلى مصر، هي الأولى من نوعها في العصر الكنسي الحديث.
مثّلت الزيارة أول تواصل رسمي بين الكرسيين الإسكندري والقسطنطيني منذ مجمع خلقيدونية، فاتحةً صفحة جديدة للحوار الكنسي.
شملت الزيارة الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، حيث اطّلع على دورهما العلمي واللاهوتي في حفظ التراث القبطي.
وأكد البطريرك في كلمته روح الوحدة والمحبة، مشددًا على وحدة الإيمان والتاريخ بين الكنائس الأرثوذكسية رغم الاختلافات.
واختُتمت الزيارة بمشاهد أخوية عكست رغبة مشتركة في تعزيز التقارب وبناء مستقبل قائم على الحوار والوحدة المسيحية.
القسطنطينية والبطريرك المسكوني: خلفية تاريخية مختصرة
تُنسب بداية الكرسي البطريركي في القسطنطينية بحسب التقليد الكنسي إلى القديس أندراوس الرسول، الذي بشّر في منطقة بيزنطة القديمة. ومع تحويل الإمبراطور قسطنطين الكبير للمدينة إلى عاصمة للإمبراطورية الشرقية تحت اسم “القسطنطينية”، اكتسبت مكانة سياسية ودينية كبرى جعلتها مركزًا محوريًا في العالم المسيحي.
شهدت المدينة انعقاد مجمع القسطنطينية الأول عام 381م، الذي رفع مكانة أسقفها إلى المرتبة الثانية بعد روما، ثم عزز مجمع خلقيدونية عام 451م هذا الوضع ومنح الكرسي امتيازات أوسع داخل الكنيسة الجامعة. ومع كونها “روما الجديدة”، أصبحت القسطنطينية مركزًا لاتخاذ القرارات الكنسية الكبرى، خاصة المجامع المسكونية، ضمن نظام “البنتارخية” الذي ضم الكراسي الخمسة الكبرى: روما، القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، وأورشليم.
ومن هنا ظهر لقب “البطريرك المسكوني”، للدلالة على دور بطريرك القسطنطينية داخل إمبراطورية اعتُبرت عالمية في ذلك الزمن، وعلى مكانته بين الكراسي الأرثوذكسية. كما ارتبط الكرسي بقضايا لاهوتية كبرى وصراعات كنسية مثل بدعتي نسطور ومقدونيوس، وقضية انبثاق الروح القدس، إضافة إلى حركة تحطيم الأيقونات، وغيرها من المحطات التاريخية المؤثرة.
ورغم تراجع نفوذها بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م، ظل الكرسي البطريركي مركزًا روحيًا وتاريخيًا مهمًا. ويشغله اليوم البطريرك المسكوني برثلماوس الأول، وهو البطريرك رقم 270 في تسلسل البطاركة. وقد شهدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية زيارات متبادلة مهمة، من أبرزها زيارة البابا شنودة الثالث عام 2002 لتعزيز الحوار بين العائلتين الأرثوذكسيتين وتفعيل التقارب اللاهوتي.
الأب جون جبرائيل الدومنيكاني: لقاءات الكنائس علامة على نضج المسار المسكوني نحو الوحدة
أكد الأب جون جبرائيل الدومنيكاني أن المسكونية اليوم لم تعد كما كانت في السابق، إذ أسهم التطور الإعلامي في نقل لقاءات الكنائس وأحاديثها إلى المؤمنين بشكل مباشر وسريع، ما جعلها خبرة حية تُعاش وتُناقش، لا مجرد اتفاقيات محصورة في الأطر الرسمية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن لقاء البابا تواضروس الثاني بالبطريرك برثلماوس الأول يمثل علامة على مرحلة أكثر نضجًا في المسار المسكوني، امتدادًا لمحطات تاريخية سابقة من الحوار بين الكنائس، من بينها زيارات متبادلة سابقة بين قيادات كنسية.
وأوضح أن جوهر الخلافات التاريخية بين الكنائس كان في التعبير اللاهوتي والصياغات أكثر منه في الإيمان نفسه، لا سيما في القضايا الكرستولوجية، حيث يتقارب الإيمان بسر المسيح رغم اختلاف المصطلحات والتقاليد التعبيرية.
وأشار إلى أن هذا التقارب يفتح أفقًا أوسع للوحدة الكنسية، ويعزز إمكانية تحويل التفاهمات اللاهوتية إلى واقع كنسي حي في الرعاية والشهادة المشتركة، مع التأكيد على أن الروح القدس هو القائد الحقيقي لمسيرة الوحدة.
واختتم بأن المسكونية تشهد تحولًا واضحًا من حوار نخبوي إلى خبرة كنسية جامعة، ومن اتفاقات نظرية إلى خطوات عملية تدريجية نحو شركة أعمق بين الكنائس.
وفي النهاية، وإن كان هناك جموع تعارض الوحدة بين الكنائس بحجة حماية الإيمان، الذي لم يطلب منهم الرب حمايته، بل طلب أن نكون كنيسة واحدة، فهناك أيضًا خطوات تسعى إلى الوحدة وتنفيذ مشيئة الرب رغم كل الصراعات والحروب. وتُعدّ هذه خطوة من تلك الخطوات المهمة على الطريق.