تحقيق: إيهاب قزمان
الرابحون والخاسرون: صعود “تجار الأزمات”، تآكل الطبقة الوسطى، وواقع اجتماعي واقتصادي يفرض شروطه على المنطقة
فعّلت مصر «غرفة الأزمات» بمجلس الوزراء، مع بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، استعدادًا لمواجهة تداعيات سلبية متوقعة على الاقتصاد المصري، الذي يسعى لتجاوز المراحل الصعبة وتحقيق معدلات نمو مرتفعة.
ورغم التأكيدات الحكومية على توافر السلع الإستراتيجية لأشهر عدة، وتأمين إمدادات الغاز مع وجود خطط احتياطية لضمان عدم تأثر الكهرباء، فإن تسارع الأحداث واحتمالات تفاقمها في المنطقة يثيران قلق المواطنين وخبراء الاقتصاد من موجات جديدة لارتفاع الأسعار ومستويات أعلى من التضخم، في مشهد يبدو كحلقة مفرغة تتكرر كلما واجه العالم صراعًا أو وباءً.
ولم تُبدِّد تأكيدات الوزراء بشأن استعداد مصر المسبق لسيناريو الحرب مخاوف الشارع، خصوصًا في ظل تصريحات حكومية سابقة رجّحت تحسن الأوضاع خلال عام 2026 ما لم تطرأ تغيرات إقليمية كبيرة. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه الأسواق المصرية من ارتفاعات موسمية في الأسعار مرتبطة بشهر رمضان. كما قامت الحكومة، قبل اندلاع الحرب بأسبوعين، برفع أسعار المواد البترولية مجددًا، بالتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار ليتجاوز حاجز 52 جنيهًا.
وعلى صعيد آخر، ورغم تأثر الاقتصاد المصري والبورصة بتداعيات الصراع الإيراني الإسرائيلي، فإن القاهرة لم تكتفِ بالمراقبة، بل تحركت للقيام بدور الوسيط عبر محادثات مشتركة تهدف إلى إنهاء الصراع أو على الأقل وقف إطلاق النار، لا سيما في ظل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. كما دفعت مصر نحو إعادة إحياء فكرة «القوة العربية المشتركة» باعتبارها ضمانة للحفاظ على أمن وسيادة الدول العربية في مواجهة التهديدات القائمة، وهو المقترح الذي طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ سنوات، دون أن يلقى التفاعل المأمول عربيًا.
خريطة ما بعد المدافع: من يربح ومن يخسر في “الشرق الأوسط الجديد”؟
في حروب الشرق الأوسط، نادرًا ما تُحسم الأمور بتوقيع معاهدات سلام واضحة، بل بفرض وقائع مجتمعية واقتصادية جديدة على الأرض. خريطة المنطقة بعد هذه الأزمة لن تُقاس بتغير الحدود الجغرافية، بل بتغير مسارات التجارة، وحركة البشر، وشكل العلاقات بين الشعوب.
1- ميزان “الرابحين والخاسرين”: هزيمة المجتمعات وصعود “اقتصاديات الخراب”
الخاسر الأكبر (رأس المال البشري والطبقة المتوسطة): الخاسر الحقيقي ليس جيشًا بعينه، بل أجيال كاملة من الشباب العربي. النزيف الأكبر يتمثل في هجرة العقول (الأطباء، المهندسين، والأكاديميين) الذين فقدوا الأمل في الاستقرار. الطبقة المتوسطة في دول النزاع ودول الجوار تآكلت تمامًا، متحولة إلى طبقات تبحث عن البقاء اليومي، مما يعني خسارة المنطقة لمحرك الابتكار والإنتاج لعقود قادمة.
الرابحون (أمراء الأزمات وحيتان الإعمار): على الجانب الآخر، تبرز كيانات اقتصادية مستفيدة. “اقتصاد الظل” وتجار الأزمات هم أول الرابحين. وفي اليوم التالي للحرب، ستكون الشركات الكبرى العابرة للحدود (سواء الإقليمية أو الدولية) التي ستستحوذ على “كعكة إعادة الإعمار” هي الرابح الأكبر، حيث تتحول المدن المدمرة إلى أسواق مفتوحة لمقاولات البنية التحتية، غالبًا على حساب سيادة الدول ومواردها المستقبلية التي ستُرهن لسداد ديون هذا الإعمار.
2- العلاقات بين الدول: “أمننة” الحدود ونهاية التنقل المرن
حدود خشنة وعزلة إقليمية: العلاقات بين دول المنطقة ستتخذ طابعًا “أمنيًا” بامتياز. الخوف من انتقال الصراعات أو موجات لجوء جديدة سيجعل الدول تغلق حدودها بشكل غير مسبوق. أنظمة التأشيرات (الفيزا) ستصبح أكثر تعقيدًا وصرامة حتى بين الدول العربية ذات العلاقات الجيدة تاريخيًا.
تراجع التبادل الثقافي والعمال: حركة العمالة التي كانت تمثل شريانًا اقتصاديًا وثقافيًا بين دول المنطقة ستتقلص. الدول المستقرة ستعطي الأولوية لعمالتها المحلية أو تستجلب عمالة من خارج الإقليم كليًا (من آسيا مثلًا) لتجنب أي استقطابات أو توترات اجتماعية قد يحملها الوافدون من مناطق الصراع.
3- الخريطة الجيواقتصادية: تحول مسارات التجارة والطاقة
طرق بديلة واستثمارات حذرة: أثبتت الأزمة هشاشة الممرات المائية وطرق التجارة التقليدية في المنطقة. خريطة ما بعد الحرب ستشهد تسريعًا لمشاريع ربط بري وسكك حديدية إقليمية بديلة تتجاوز مناطق التوتر.
خريطة الاستثمار: ستنقسم المنطقة بشكل حاد إلى “مناطق خضراء” (آمنة وجاذبة للاستثمار التكنولوجي والسياحي) و”مناطق حمراء” (طاردة للاستثمار وتعتمد كليًا على المساعدات الإغاثية). هذا الفرز سيخلق فجوة تنموية وحضارية هائلة بين دول تشترك في نفس اللغة والجغرافيا.
4- الوعي الجمعي: تضامن شعبي عابر للحدود مقابل “انعزالية وطنية”
التناقض الثقافي: على المستوى الشعبي، خلقت الحرب (بفضل وسائل التواصل الاجتماعي) حالة من التضامن والوعي المشترك العابر للحدود، حيث توحدت مشاعر الشعوب حول قضايا إنسانية واحدة. ولكن في المقابل، وعلى مستوى السياسات الداخلية، ستشهد بعض الدول صعودًا لتيارات “الانعزالية الوطنية”؛ تيارات ترفع شعار “بلدي أولًا” وترفض التدخل أو تحمل أعباء أزمات الإقليم، مما سيخلق شرخًا في مفهوم “القومية” أو “الهوية الإقليمية المشتركة”.