19.3 C
Cairo
الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةتحقيقاتمتى يتوقف التحريض ضد مسيحيّي مصر؟ بين حرّية التعبير وخطاب الكراهية… قانون...

متى يتوقف التحريض ضد مسيحيّي مصر؟ بين حرّية التعبير وخطاب الكراهية… قانون ازدراء الأديان يعود إلى الواجهة

تحقيق: إيهاب أدونيا

عاد الجدل حول حدود حرية التعبير وخطاب الكراهية في مصر إلى الواجهة، عقب تداول مقطع مصوّر لصانع محتوى يُدعى محمود داود، تضمّن دعوات صريحة إلى مقاطعة التجار المسيحيين وعدم التعامل المالي معهم، بزعم أن الشراء منهم «يسهم في سبّ الإسلام»، إلى جانب توجيه اتهامات مباشرة إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والإساءة إلى البابا تواضروس الثاني.

وأثار الفيديو موجة واسعة من الغضب والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، وفتح بابًا جديدًا للنقاش العام حول خطورة الدعوات الإقصائية التي تستهدف فئة من المواطنين على أساس ديني، في بلد يقوم نسيجه الاجتماعي، تاريخيًا، على التعايش بين المسلمين والمسيحيين.

وسرعان ما تجاوزت القضية حدود الواقعة الفردية، لتعيد تسليط الضوء على المادة 98 من قانون العقوبات المصري، المعروفة إعلاميًا بـ«قانون ازدراء الأديان»، والتي تنص على معاقبة من يسيء إلى الأديان السماوية أو يستغل الدين في الترويج لأفكار متطرفة أو التحريض على الفتنة.

تحريض علني على المقاطعة الاقتصادية

المقطع المتداول تضمن عبارات مباشرة دعا فيها صاحب الفيديو المسلمين إلى الامتناع عن الشراء من المتاجر المملوكة لمسيحيين، مدعيًا أن «كل جنيه يُدفع لهم يساهم في سبّ الإسلام»، على حد قوله، كما زعم أن الكنائس «تسبّ الإسلام ليلًا ونهارًا»، وأن مقاطعة المسيحيين اقتصاديًا ستؤدي – وفق طرحه – إلى حرمانهم من مصادر الدخل.

ولم يكتف صاحب الدعوة بالتحريض الاقتصادي، بل شنّ هجومًا لفظيًا مباشرًا على البابا تواضروس الثاني، ووجّه إليه اتهامات مسيئة، زاعمًا أنه «راضٍ عن سبّ الإسلام»، وهي عبارات اعتبرها كثيرون تجاوزًا خطيرًا لحدود الرأي، وانتقالًا صريحًا إلى خطاب الكراهية.

ساويرس: ما ورد بالفيديو تحريض وازدراء أديان

في هذا السياق، علّق رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس على الفيديو المتداول، مؤكدًا أن ما ورد فيه لا يمكن اعتباره رأيًا أو نقاشًا دينيًا، بل يندرج في إطار ازدراء الأديان والتحريض على الكراهية.

وأوضح ساويرس أن استخدام أوصاف مهينة بحق الرموز الدينية، والدعوة إلى مقاطعة فئة من المواطنين على أساس عقيدتهم، يمثلان خطرًا مباشرًا على السلم المجتمعي، ويستوجبان التوقف عندهما ومحاسبة المسؤول عنهما وفق القانون.

وتباينت ردود الفعل على تعليق ساويرس بين مؤيدين اعتبروا موقفه دفاعًا عن قيم المواطنة، وبين من رأوا أن القضية تمس إشكالية أوسع تتعلق بحدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي.

من الجدل إلى إشكالية قانونية أوسع

تعيد هذه الواقعة إلى الواجهة نقاشًا قديمًا متجددًا حول طريقة تطبيق نصوص تجريم ازدراء الأديان في مصر. فعلى مدار السنوات الأخيرة، أظهرت قضايا بارزة أن معظم المحاكمات في هذا الملف طالت مسيحيين أو ملحدين أو منتقدين للإسلام، بينما تبقى القضايا المرتبطة بازدراء المسيحية نادرة نسبيًا.

ويرى مراقبون أن استمرار الخلط بين «نقد الأفكار والمعتقدات» و«التحريض على أتباع الديانة» يُربك المجال العام، ويُبقي مساحة رمادية واسعة بين حرية التعبير من جهة، وتجريم خطاب الكراهية من جهة أخرى.

عمار علي حسن: النسيج الوطني أقوى من دعوات الكراهية

المفكر والمحلل السياسي عمار علي حسن يرى أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في مصر لم تُبنَ على المجاملات أو الخطابات الرسمية فقط، بل على أسس اجتماعية وتاريخية عميقة لا يمكن لدعوات المقاطعة أو التحريض أن تهزّها.

ويؤكد أن التجانس العرقي والنفسي بين المصريين، وتوزيع المسيحيين في مختلف القرى والمدن، يرسّخان علاقات يومية مباشرة بين المواطنين، تجعل فكرة الانفصال أو القطيعة بلا معنى عملي.

ويضيف أن «هبة الجغرافيا» لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجمعي المصري، حيث لا توجد مناطق مغلقة لطائفة بعينها، بل تتشابك المصالح والعلاقات في كل مكان، بما يعزز حتمية العيش المشترك.

كما يشير إلى «التشرب الحضاري» لمصر، التي استوعبت طبقات متراكمة من الثقافات والأديان، واحتفظت في الوقت نفسه بخصوصيتها، لتصنع نموذجًا فريدًا للتعدد داخل وحدة وطنية واحدة.

ويؤكد حسن أن وحدة الموروث الشعبي، من عادات الأفراح والأحزان إلى طقوس الموالد والأساطير الشعبية، تشكل أرضية ثقافية مشتركة لا تفرّق بين مسلم ومسيحي، فضلًا عن علاقات السوق والعمل التي فرضت تاريخيًا تعايشًا عمليًا دائمًا بين الطرفين.

ويرى أن الخوف المشترك من عواقب الفتنة يظل كابحًا اجتماعيًا مهمًا، لأن أي انفلات طائفي يعني خسائر بشرية ومادية لا يمكن لأي طرف تحملها. ويخلص إلى أن النسيج الوطني المصري ظل متداخلًا ومترابطًا عبر القرون، ولن تستطيع دعوة عابرة من داعية صغير أن تفكك هذا البناء الراسخ.

نجيب جبرائيل: المقاطعة على أساس ديني جريمة

من جانبه، أكد الحقوقي نجيب جبرائيل، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، أن الدعوة إلى مقاطعة فئة من المواطنين على أساس ديني تمثل تحريضًا صريحًا على الكراهية، وتهديدًا مباشرًا للوحدة الوطنية.

وأوضح أن القانون يمنح الجهات المختصة، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، صلاحيات واضحة لرصد المخالفات التي تتضمن تحريضًا على الكراهية أو ازدراء الأديان أو مخالفة مواثيق الشرف الإعلامي، مطالبًا بإحالة الواقعة إلى النيابة العامة للتحقيق.

وشدد على أن ما جرى لا يمكن اعتباره رأيًا شخصيًا، بل سلوكًا يُقوّض أسس التعايش المشترك، ويهدد السلام الاجتماعي.

سامح عسكر: الإرهاب يبدأ بفكرة

الكاتب الليبرالي سامح عسكر حذّر من خطورة الاستهانة بمثل هذه الدعوات، معتبرًا أن الإرهاب لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بفكرة، ثم بخطاب تحريضي، ثم بتهيئة نفسية تبرر العنف.

وأشار إلى أن الذرائع المستخدمة لتبرير المقاطعة بدعوى «سب الإسلام» تشبه خطاب جماعات متطرفة سابقة كانت تعتبر المجتمع كله في حالة جاهلية أو كفر، مذكرًا بأن التنظيمات الإرهابية لطالما بررت عنفها بزعم الدفاع عن الدين.

وأكد أن ترك هذا النوع من الخطاب دون ردع يفتح الطريق أمام مراحل أخطر، خاصة في ظل وجود جهات داخلية وخارجية – على حد وصفه – تسعى إلى استثمار أي توتر اجتماعي لإشعال الأوضاع.

ريم مختار: الدين لا يُختزل في الخوف والكراهية

بدورها، انتقدت الصحفية ريم مختار بشدة مضمون الدعوة إلى المقاطعة، مؤكدة أن اختزال الدين في معركة اقتصادية وهمية يسيء إلى جوهر الإيمان قبل أن يسيء إلى المجتمع.

وتساءلت: هل يصبح المسلم محاربًا لدينه إذا تعالج لدى طبيب مسيحي، أو اشترى من بقال مسيحي، أو عمل مع زميل مسيحي؟ معتبرة أن تصوير التعامل اليومي الطبيعي بين المواطنين باعتباره «سبًا للإسلام» يعكس فهمًا مشوهًا للدين.

وشددت على أن العمل بالحلال والاجتهاد والالتزام بالقيم الإنسانية لا يمكن أن يُعد إساءة للدين، مؤكدة أن الرسول نفسه تعامل بيعًا وشراءً مع غير المسلمين، وهو ما ينفي من الأساس منطق الصدام الاقتصادي بين أتباع الديانات.

وأضافت أن من يسيء إلى الإسلام هو من يصدر صورة عنصرية عنه، ويجعله مرادفًا للخوف والكراهية، ويقدمه للعالم باعتباره دينًا منغلقًا على ذاته، في حين أن الإسلام – مثل غيره من الأديان – يقوم في جوهره على العدل والأخلاق.

ماهر عزيز: ذبح للمجتمع على أساس ديني

المفكر المصري واستشاري الطاقة والبيئة ماهر عزيز اعتبر أن الدعوة إلى مقاطعة المسيحيين تمثل «ذبحًا للمجتمع على أساس ديني»، وتنميطًا مذهبيًا جهولًا، وتحريضًا على العنف والإقصاء.

وطالب بسرعة التعامل مع هذا النوع من الخطاب بأقصى درجات الحزم، وتطبيق النصوص القانونية القائمة، حماية للأقلية المسيحية الوطنية المسالمة، ودرءًا لخطر الانقسام الذي يهدد استقرار الدولة.

وأشار إلى أن اتهام المسيحيين جميعًا بـ«سب الإسلام» لمجرد انتمائهم الديني هو توظيف خطير لمفهوم السب، ومعناه الواقعي هو شق الصف الوطني وضرب المجتمع من الداخل.

وأكد أن التحريض على اعتبار أي تعامل اقتصادي مع المسيحيين إساءة للدين، يمثل دعوة صريحة للاحتقان والاحتراب المجتمعي، ويفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية على وحدة الدولة.

مطالبات حقوقية بوأد الفتنة

في السياق ذاته، طالب حقوقيون بسرعة التدخل القانوني وتطبيق القانون بشكل عادل ومنصف، معتبرين أن الدعوة إلى المقاطعة الدينية جريمة تمس السلم العام، وتندرج تحت جرائم الفتنة الطائفية والتمييز العنصري.

وأكدوا ضرورة تعزيز قيم المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين، والتصدي لخطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، وعدم تركه يتحول إلى خطاب سائد يؤثر في وعي قطاعات من الشباب.

كما وجّهوا رسالة إلى المواطنين بضرورة عدم التفاعل مع الصفحات التي تتبنى خطاب التحريض، لأن التفاعل يمنحها انتشارًا وتأثيرًا أكبر، ويخدم أهدافها في إشعال التوتر.

السؤال الجوهري: أين ينتهي النقد ويبدأ التحريض؟

يبقى السؤال المركزي الذي تطرحه هذه الواقعة: أين ينتهي نقد الدين بوصفه أفكارًا ونصوصًا، ويبدأ خطاب الكراهية الموجّه إلى أتباعه؟

نظريًا، تتفق معظم دول العالم على تجريم التحريض على الكراهية والتمييز والعنف ضد فئة من الناس. غير أن الفارق الأساسي يكمن في التمييز الواضح، في عدد من النظم القانونية الغربية، بين نقد الأديان – بوصفه ممارسة فكرية مشروعة – وبين التحريض على أتباعها باعتبارهم جماعة بشرية.

أما في عدد من البلدان العربية، فما زال هذا الفصل غائمًا، حيث يُخلط في كثير من الأحيان بين نقد المعتقدات، والتحريض على أتباعها، ما يفتح الباب أمام تأويلات واسعة للنصوص القانونية.

وتُظهر واقعة التحريض على مقاطعة المسيحيين في مصر أن الحاجة باتت ملحّة إلى نقاش قانوني ومجتمعي صريح، يوازن بين حماية السلم الأهلي من جهة، وصون حرية التعبير من جهة أخرى، على قاعدة واضحة مفادها أن النقد الفكري حق، لكن الدعوة إلى الإقصاء والكراهية والعقاب الجماعي على أساس ديني ليست رأيًا، بل خطرًا يهدد المجتمع بأسره.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا