37.4 C
Cairo
الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةتحقيقاتمراد وهبة.. فيلسوف "المواجهة" في زمن "المسايرة".. عدو "الأصولية" الأول.. قصة المعارك...

مراد وهبة.. فيلسوف “المواجهة” في زمن “المسايرة”.. عدو “الأصولية” الأول.. قصة المعارك التي جعلت من وهبة “فيلسوفًا مزعجًا”

تحقيق: د. ماريانا يوسف

بعد رحلة استثنائية امتدت قرابة مئة عام، قضاها في خدمة العقل والمعرفة والتنوير، رحل عن عالمنا الفيلسوف المصري الكبير الدكتور مراد وهبة.

ظل الدكتور مراد وهبة، حتى اللحظة الأخيرة من عمره المديد، مشتبكًا ومتفاعلًا مع قضايا الفكر والتنوير في مصر والعالم، منخرطًا في معارك العقل بلا كلل أو مواربة. وقد تبنّى، منذ ما يقرب من نصف قرن، مشروعًا فكريًا واضح المعالم، يقوم على إعادة الاعتبار لفلسفة ابن رشد، والسعي إلى إنهاء هيمنة فكر ابن تيمية على العقل العربي، بوصفها هيمنة عطّلت النقد وكرّست النقل.

وأيًا كان اختلاف الآراء حول تجربة مراد وهبة وأفكاره، فإن قدرة هذا الرجل على القراءة والكتابة والتفكير، وإثارة الجدل والمعارك الفكرية، وهو على مشارف عامه المئة، تظل إنجازًا فريدًا، وملهمًا، وجديرًا بالتقدير.

لم يكن مراد وهبة مثقفًا بالمعنى الاستهلاكي للكلمة، ولا صاحب حضور إعلامي عابر، بل كان مفكرًا بالمعنى الثقيل والعميق؛ رجلًا وضع عقله في مواجهة السائد، ودفع ثمن ذلك بوعي كامل وإرادة صلبة، دون تراجع أو مساومة.

كان من القلائل الذين أدركوا أن معركة التنوير لا تُخاض مع الجهل وحده، بل مع الخوف، ومع النفاق الثقافي، ومع التسويات الرخيصة التي تُقدَّم باسم الحكمة أو الواقعية. كان واضحًا إلى حد الإزعاج، عقلانيًا إلى حد الصدام، ومخلصًا للفلسفة، لا للجمهور، ولا للسلطة، ولا للتراث حين يتحوّل إلى قيد يكبّل العقل ويعطّل السؤال.

نشأته وحياته

لم يكن الدكتور مراد وهبة مجرد أستاذ جامعي يدرّس الفلسفة في قاعات الدراسة، ولا مفكرًا يكتب من برجٍ عاجيٍّ بعيد عن الناس. بل كان رجلًا اختار أن يجعل من العقل موقفًا، ومن التنوير معركة يومية، ومن الفلسفة أداة للاشتباك مع الواقع لا للهروب منه. لذلك ظل اسمه حاضرًا في قلب الجدل الثقافي المصري والعربي لعقود طويلة، مرتبطًا بأسئلة الحداثة والعقل والدين والدولة.

وُلد مراد وهبة عام 1927 في صعيد مصر، في بيئة بعيدة عن النخب الثقافية، لكن شغفه المبكر بالمعرفة قاده إلى جامعة القاهرة، حيث درس الفلسفة، قبل أن ينتقل إلى فرنسا، ويتعمّق هناك في دراسة الفلسفة الغربية الحديثة.

في فرنسا، تشكّلت ملامح وعيه النقدي، وتعرّف عن قرب على تيارات فكرية كبرى ستترك أثرها الواضح في مشروعه الفكري لاحقًا؛ من الوجودية إلى الماركسية، ومن فلسفة التنوير إلى العقلانية الحديثة. هناك تبلورت قناعته بأن أزمة العقل العربي ليست أزمة نصوص، بل أزمة منهج في التفكير، وأزمة خوف من السؤال.

وعلى المستوى المؤسسي، شغل الدكتور مراد وهبة مناصب ثقافية وأكاديمية مهمة، من بينها أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس، ورئيس الجمعية الفلسفية المصرية، وعضو المجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب مشاركته الفاعلة في المؤتمرات الفكرية والحوارات الثقافية داخل مصر وخارجها.

المشروع الفكري لمراد وهبة: التنوير بوصفه معركة عقل لا ترفًا فكريًا

لم يكن المشروع الفكري للفيلسوف المصري الراحل الدكتور مراد وهبة مجرد اجتهاد أكاديمي أو رؤية نظرية معزولة داخل أسوار الجامعة، بل كان مشروعًا نقديًا متكاملًا، يستهدف تفكيك بنية العقل العربي، ومساءلة المسلمات التي حكمت علاقته بالدين والتراث والسياسة عبر قرون طويلة. وقد خاض وهبة هذا المشروع بوضوح وصدام، مدفوعًا بإيمان راسخ بأن التنوير ليس خيارًا ثقافيًا، بل شرطًا ضروريًا للنهضة.

في قلب مشروع مراد وهبة الفكري، احتلت فلسفة ابن رشد موقعًا محوريًا. لم يتعامل وهبة مع ابن رشد بوصفه فيلسوفًا تاريخيًا يُستدعى للاحتفاء، بل باعتباره نموذجًا لعقل نقدي قُضي عليه مبكرًا في الثقافة العربية الإسلامية.

رأى وهبة أن إقصاء ابن رشد لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية تم فيها استبدال العقل بالفهم الحرفي، والبرهان بالتلقين، والاجتهاد بالإغلاق.

من هنا، دعا إلى إعادة الاعتبار لابن رشد بوصفه رمزًا لعلاقة صحية بين العقل والنص، حيث لا يُلغى العقل باسم الدين، ولا يُستخدم الدين لقمع السؤال. وكان يؤكد أن غياب ابن رشد عن الوعي العربي المعاصر هو أحد الأسباب الجوهرية لأزمة التفكير، وهيمنة منطق النقل على حساب العقل.

العقل في مواجهة النقل: جوهر رؤية مراد وهبة

انطلق مراد وهبة من قناعة مركزية مفادها أن الأزمة الحقيقية في الثقافة العربية ليست أزمة دين، بل أزمة عقل. فالصراع، في نظره، ليس بين الإيمان والكفر، بل بين العقل والنقل حين يتحول النقل إلى سلطة مغلقة ترفض التأويل والتاريخ والسياق.

رفض وهبة اختزال العقل في كونه أداة لفهم النص فقط، ودافع عن استقلاله بوصفه وسيلة لإنتاج المعرفة وفهم الواقع المتغير. وكان يرى أن النقل، حين يُفصل عن العقل، يتحول من مصدر للمعنى إلى أداة للجمود، ومن مرجعية روحية إلى سلطة قمعية.

من هذا المنطلق، اعتبر أن أي مشروع نهضوي لا يبدأ بتحرير العقل من هيمنة النقل الجامد، هو مشروع محكوم عليه بالفشل، مهما رفع من شعارات دينية أو قومية.

لماذا اعتُبر ابن تيمية أزمة عقل لا مجرد فقيه؟

أثار مراد وهبة جدلًا واسعًا حين وصف فكر ابن تيمية بأنه أزمة عقل لا مجرد اجتهاد فقهي. لم يكن هذا الوصف هجومًا شخصيًا أو موقفًا أيديولوجيًا، بل قراءة نقدية لتأثير هذا الفكر في تشكيل الوعي الجمعي.

رأى وهبة أن ابن تيمية مثّل لحظة انتصار للنص الحرفي على العقل التأويلي، ولليقين المغلق على السؤال المفتوح. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا المنهج إلى مرجعية فكرية تُستخدم لتبرير الإقصاء والتكفير ورفض الحداثة.

وأكد أن خطورة فكر ابن تيمية لا تكمن في شخصه، بل في استمراره كنموذج يُستدعى لمواجهة كل محاولة للتجديد، ما أدى إلى تكريس عقل يقاوم التاريخ، ويخشى التعدد، ويرفض الاختلاف.

العلمانية عند مراد وهبة: تحرير العقل لا معاداة الدين

من أكثر القضايا التي أسيء فهمها في مشروع مراد وهبة مفهوم العلمانية. فقد رفض وهبة تعريفها بوصفها عداءً للدين، واعتبر هذا الفهم تبسيطيًا ومضللًا.

العلمانية، في تصوره، هي فصل بين المقدس والسياسي، لا بين الإنسان وإيمانه، وهي أداة لحماية الدين من التوظيف، وحماية العقل من الهيمنة.

دافع وهبة عن علمانية تنطلق من احترام الإيمان الفردي، وتضمن في الوقت ذاته حرية التفكير والبحث والنقد. وكان يرى أن المجتمعات التي لم تحسم علاقتها بين الدين والدولة، تظل أسيرة صراعات لا تنتهي، وتستخدم المقدس لتبرير الفشل السياسي والاجتماعي.

لماذا شمت البعض في موت مراد وهبة؟

معارك “ابن رشد” المصري: مراد وهبة وحيدًا في مواجهة طيور الظلام.

الشماتة هنا ليست في الموت ذاته بقدر ما هي انعكاس لأزمة أعمق، يمكن تفكيكها في عدة مستويات:

أولًا: صدام الأفكار لا الأشخاص

مراد وهبه كان مفكرًا إشكاليًا بامتياز؛ تبنّى مشروعًا فلسفيًا عقلانيًا جذريًا، وانتقد بحدة السلفية الدينية، وتديين السياسة، وهيمنة الخطاب الغيبي على العقل العربي.

في مجتمعات ما زالت تعتبر الفكر النقدي تهديدًا للثوابت، يتحول المفكر إلى “خصم”، لا إلى صاحب رأي. ومع الزمن، يُختزل المفكر في أفكاره فقط، فتغيب إنسانيته، ويصبح موته عند خصومه كأنه “نهاية لمعركة”.

ثانيًا: ثقافة الإقصاء لا ثقافة الاختلاف

الشماتة تكشف عن ضعف ثقافة قبول الاختلاف.

في الثقافة السائدة، كثيرًا ما يُنظر إلى الخلاف الفكري بوصفه صراعًا أخلاقيًا أو دينيًا:

من يختلف معي = مخطئ، منحرف، أو خطر.

وعندما يُصنَّف المفكر بهذه الطريقة، يصبح موته لدى البعض “انتصارًا رمزيًا”، وهو منطق خطير، لأنه يلغي الإنسان لصالح الفكرة.

ثالثًا: الخوف من العقل الحر

مراد وهبه لم يكن مفكرًا شعبويًا، بل نخبويًا بالمعنى المعرفي، وكان يدافع عن العقل النقدي، والعلمانية بوصفها أداة لتحرير العقل لا لمحاربة الدين.

هذا الخطاب يربك من اعتادوا اليقينيات الجاهزة، فيتحول الخوف إلى عداء، والعداء إلى شماتة.

رابعًا: الشماتة كآلية نفسية

على المستوى النفسي، الشماتة أحيانًا تعبير عن عجز عن المواجهة الفكرية.

فمن لم يستطع تفنيد الفكرة بالحجة، يفرغ غضبه في صاحبها، وحتى بعد رحيله.

وهي أيضًا نوع من التعويض الرمزي: “لم ننتصر عليه في الحياة، فلنعلن انتصارنا بعد موته”.

خامسًا: المفارقة الأخلاقية

المفارقة أن الشماتة في وفاة مفكر تدّعي الدفاع عن الدين أو الأخلاق، بينما الموت في كل الثقافات لحظة صمت ومراجعة، لا شماتة.

وهذا يكشف تناقضًا بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية.

«جرثومة التخلف».. قراءة نقدية جريئة لأسباب تعثّر المجتمعات العربية

يقدّم الفيلسوف الراحل الدكتور مراد وهبة في كتابه «جرثومة التخلف» قراءة نقدية جريئة لأسباب تعثّر المجتمعات العربية، منطلقًا من فرضية أساسية مفادها أن التخلف ليس أزمة موارد أو اقتصاد، بل مرض فكري مزمن يسكن العقل الجمعي، ويعطّل القدرة على التفكير النقدي، ويمنع إنتاج معرفة حديثة قادرة على مواكبة العصر.

ويرى وهبة أن المجتمعات المتخلفة تميل إلى الهروب من مواجهة أسباب الفشل الحقيقية، فتفسّر الإخفاقات الاقتصادية أو الهزائم السياسية باعتبارها «ابتلاءً إلهيًا»، من دون مراجعة للسياسات العامة، أو مساءلة للأداء، أو مواجهة للفساد. وبهذا المنطق، لا يُعالَج الخلل، بل يُبرَّر العجز، ويُقصى العقل من ساحة الفعل.

ما هي «جرثومة التخلف»؟

يعرّف مراد وهبة «جرثومة التخلف» بأنها منظومة من الأفكار المغلقة التي ترفض السؤال، وتخشى النقد، وتقدّس الماضي، وتشيطن الحاضر. وعندما تتحول عبارات من قبيل «هكذا وجدنا آباءنا» إلى حجة كافية لإغلاق أي نقاش، تصبح الفكرة نفسها جرثومة تعيق التطور، وتمنع المجتمع من التجدد.

أهم أسباب التخلف عند مراد وهبة

أولًا: سيادة الفكر الأسطوري

يرى وهبة أن الفكر الأسطوري يقدّم تفسيرات غيبية جاهزة بدل البحث العلمي والعقلاني، ما يؤدي إلى تعطيل أدوات الفهم الحديثة. ويتجلى ذلك في صور متعددة، منها:

تفسير المرض بالسحر أو الحسد بدل اللجوء إلى الطب والعلاج العلمي.

تفسير الزلازل والكوارث الطبيعية على أنها «غضب إلهي»، دون بحث في أسبابها الجيولوجية أو البيئية.

ربط النجاح أو الفشل بالأحجبة والتمائم بدل العمل والتخطيط وبذل الجهد.

ثانيًا: تقديس النقل وتهميش العقل

يقصد وهبة بـ«النقل» الاعتماد الأعمى على آراء القدماء دون مساءلة أو نقد، وكأن الزمن توقف عند مرحلة تاريخية بعينها. ويظهر ذلك في:

رفض أي اجتهاد جديد بحجة أن «العلماء قالوا ذلك منذ مئات السنين».

تحريم أفكار أو مناهج علمية حديثة لأنها لم تكن موجودة في التراث.

مهاجمة الفلسفة بزعم أنها «كلام لا يفيد»، لأنها تقوم على السؤال والتفكير الحر.

ثالثًا: تحويل النسبي إلى مطلق

يعدّ مراد وهبة هذه النقطة أخطر مظاهر التخلف، حيث تتحول أفكار بشرية نسبية إلى حقائق مقدسة لا تقبل النقاش. ويتجسد هذا الخلل في:

اعتبار تفسير ديني لشخص بعينه هو «الدين نفسه»، ومن يخالفه يُتهم بالكفر أو الفساد.

التعامل مع نظم اجتماعية أو سياسية معينة باعتبارها «إرادة إلهية» لا يجوز تغييرها.

تقديس شخصيات تاريخية واعتبارها معصومة من الخطأ.

رؤية مراد وهبة للحل

أولًا: تنوير العقل

يرى وهبة أن التنوير يبدأ بتحرير العقل من الخوف، ومنحه الحق في السؤال والشك والنقد. فبدل أن يُطلب من الطالب أن «يحفظ ولا يناقش»، يجب أن يُشجَّع على السؤال والمجادلة بالحجة والمنطق.

ثانيًا: العودة إلى فلسفة ابن رشد

يضع مراد وهبة ابن رشد نموذجًا للفكر القادر على التوفيق بين العقل والنص، دون إلغاء أحدهما. فالعقل، في هذا التصور، لا يعارض الإيمان، بل يحميه من التحول إلى خرافة أو أداة قمع.

ثالثًا: مواجهة الأصولية الفكرية

يؤكد وهبة أن الأصولية الفكرية تقتل التنوع، وتحول المجتمع إلى نسخة واحدة جامدة، ترفض الاختلاف وتخشى الإبداع. ويتجلى ذلك في مواقف مثل رفض الفنون والموسيقى والسينما بحجة أنها «حرام مطلقًا»، دون نقاش أو تمييز أو فهم للسياق الثقافي والاجتماعي.

البعد الإنساني في حياة مراد وهبة

فيلسوف اختار العزلة… ولم ينعزل عن السؤال

غالبًا ما يُقرأ المفكرون من خلال أفكارهم وحدها، وتُختزل سيرتهم في كتبهم ومعاركهم الفكرية، بينما يبقى الإنسان خلف الفيلسوف غائبًا عن المشهد. وفي حالة الدكتور مراد وهبة، فإن هذا البعد الإنساني لا يقل أهمية عن مشروعه الفكري، إذ يكشف عن شخصية اختارت الهدوء في الحياة الخاصة، والاشتباك في المجال العام، دون أن تطلب ضوءًا أو تصفيقًا.

الفيلسوف الإنسان: حياة خاصة بعيدة عن الأضواء

لم يكن مراد وهبة من الباحثين عن الظهور الإعلامي أو النجومية الثقافية. عاش حياة بسيطة، تميل إلى التقشف والهدوء، وفضّل أن تبقى حياته الخاصة خارج التداول العام. لم يسعَ إلى بناء صورة ذهنية عن نفسه بوصفه “نجمًا فكريًا”، بل ترك أفكاره تتقدم المشهد، حتى وإن أثارت الجدل أو الخصومة.

كان حضوره العام محسوبًا، يظهر حين يرى أن الفكرة تستحق المواجهة، ويغيب حين تتحول المنابر إلى ضجيج بلا مضمون. هذا الاختيار الواعي للعزلة الجزئية لم يكن انعزالًا عن المجتمع، بل كان شكلًا من أشكال حماية التفكير من الاستهلاك السريع والتشويه الإعلامي.

من أكثر الجوانب الإنسانية إثارة للإعجاب في سيرة مراد وهبة، قدرته على الاستمرار في القراءة والكتابة حتى سنواته الأخيرة، وهو يقترب من عامه المئة. لم يكن حضوره الفكري في شيخوخته مجرّد تذكير بالماضي، بل كان حضورًا فعّالًا، متجددًا، يحمل نفس الحدة والوضوح.

الكتابة في هذا العمر لم تكن فعل تحدٍّ للزمن فحسب، بل تعبيرًا عن علاقة وجودية بينه وبين الفكر. بالنسبة إليه، لم تكن الفلسفة مهنة تقاعدية، بل نمط حياة لا ينفصل عن التنفس اليومي. وكانت هذه الاستمرارية رسالة ضمنية مفادها أن العقل لا يشيخ ما دام السؤال حيًا.

كيف عاش مراد وهبة مع العزلة والاختلاف؟

دفع مراد وهبة ثمن اختلافه مبكرًا. ووُجه بالرفض، والتهميش، وأحيانًا بالتشويه، لكنه لم يتعامل مع ذلك بوصفه مأساة شخصية، بل بوصفه جزءًا طبيعيًا من مسار المفكر في مجتمع يخشى الأسئلة الصعبة.

اختار العزلة لا هروبًا من الناس، بل رفضًا للتنازلات. لم يساوم على أفكاره مقابل القبول الاجتماعي، ولم يسعَ إلى تخفيف حدّة خطابه لكسب التعاطف. عاش اختلافه بهدوء داخلي، مؤمنًا بأن العزلة الفكرية أقل قسوة من الاندماج القسري في السائد.

كانت وحدته، في جانب منها، ثمنًا للوضوح، لكنها كانت أيضًا مساحة للتأمل العميق، وإعادة النظر، والاستمرار في الكتابة دون ضغط أو حسابات آنية.

حلمي النمنم: ركّز فكره في مسألة مواجهة الأصولية بعد زيادة الأصوليين في المحافل الجامعية

من جانبه، قال الكاتب الصحفي حلمي النمنم إن مراد وهبة ركّز فكره ونشاطه في مسألة مواجهة الأصولية بكافة أشكالها، خاصة بعدما لاحظ وجود أصوليين كُثُر في المحافل الجامعية.

وهذا ما جعله يتجه، منذ قيام الثورة الإيرانية، إلى تبنّي مشروع ابن رشد في تأويل النص الديني. وإذا كان هناك من يطالب بالدولة الثيوقراطية، فقد رفع شعار العلمانية، ولم يتردد في ذلك، رغم أن المصطلح بات مشوَّهًا في ثقافتنا. وقدّم تعريفه للعلمانية، وهو: «التفكير في النسبي بما هو نسبي، وفي المطلق بما هو مطلق»، أي أن العقل الإنساني يتعامل مع قضاياه الحياتية (النسبية) بشروطها وملابساتها، أما القضايا المطلقة الكبرى فلا يصح التعامل معها بالمعايير النسبية. وباختصار: لا دولة دينية على غرار دول العصر الوسيط في أوروبا، أو إيران، أو طالبان في أفغانستان، أو الترابي/البشير في السودان.

ولما كانت هذه القضية ليست محلية فقط، فقد حاول أن يكون نشاطه دوليًا عبر المؤتمرات الدولية التي عقدها أو شارك فيها حول ابن رشد، وحول مواجهة الأصوليات كلها. ورغم محاولات التلاسن معه، لم ينسحب من موقعه، ولم يدخل في معارك جانبية.

وزير الثقافة: مشروعه الفكري رسّخ منهج التفكير العلمي وعزّز ثقافة الحوار

نعى الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة، الذي رحل عن عالمنا عن عمر ناهز المئة عام، بعد مسيرة فكرية وفلسفية حافلة، ترك خلالها أثرًا عميقًا في مسار الفكر العربي المعاصر.

وأوضح وزير الثقافة أن الدكتور مراد وهبة يُعد من أبرز دعاة التنوير في مصر والعالم العربي، حيث أسهم عبر مشروعه الفكري، ومؤلفاته، ومحاضراته، في ترسيخ منهج التفكير العلمي، وتعزيز ثقافة الحوار، الأمر الذي أثرى الساحة الفكرية على مدار عقود طويلة.

فيلسوف “عاش غريبًا”: لماذا احتفى به العالم وتجاهله “حراس الجمود” في وطنه؟

ويبقى السؤال.. لماذا لم يكرّم، ولم يُحتفَ به كما يستحق… (مثل اختياره كشخصية رئيسية لدورة في معرض الكتاب أو منحه أرفع أوسمة الدولة)

 الاجابة: لأن المجتمعات التى تهيمن عليها الأصولية لا تكرّم من يفضحها ولكن تحتفي بمن يسايرها، أو يجمّلها، أو يتعايش معها.، أما من يُعلّم الناس كيف يرون عريها الفكري، فيُهمَّش، ويُصنَّف، ويُتجاهل.

لقد فضح وهبة “الأصولية” وفكك المسلمات، وبما أن المؤسسات الثقافية الرسمية غالبًا ما تحاول الموازنة بين التيارات المختلفة وتجنب الصدام المباشر مع القوى التقليدية، فإن تكريم شخصية “صدامية” فكريًا مثله يُعتبر مغامرة قد تثير غضب هذه القوى.

كان وهبة ينتقد حتى النخب الثقافية التي يرى أنها تتعايش مع الأصولية، مما جعله “صوتًا منفردًا” خارج السرب في كثير من الأحيان، وهذا النوع من المفكرين عادة ما يأتي تكريمهم متأخرًا جدًا، أو بعد رحيلهم، وبشكل لا يوازي حجم تأثيرهم الحقيقي في تغيير بنية العقل.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا