22.4 C
Cairo
السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيلماذا لا يحتوي الكتاب المقدس على سفر أخنوخ؟

لماذا لا يحتوي الكتاب المقدس على سفر أخنوخ؟

نمرود لوبيز

يُعد سفر أخنوخ، المعروف أيضًا بسِفر أخنوخ الأول أو سفر أخنوخ الإثيوبي، من أشهر الكتابات الأبوكريفية المرتبطة بالعهد القديم. وهو مجموعة من النصوص التي كُتبت في مراحل زمنية مختلفة خلال الفترة الواقعة بين العهدين، ثم جرى تحريرها أو تجميعها في الفترة الممتدة من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. ويُصنف هذا السفر ضمن الأدب اليهودي غير القانوني الذي انتشر في تلك المرحلة التاريخية.

وفي هذا الإطار، يلفت الباحث أليخاندرو دييس ماتشو الانتباه إلى ضرورة استخدام صيغة الجمع عند الحديث عن هذا السفر، كما فعل الباحث چوسيف تاديوس ميليك، إذ لا يوجد نص واحد فقط يُعرف بسِفر أخنوخ، بل مجموعة من الأسفار والتقاليد النصية المختلفة. وتشمل هذه التقاليد أخنوخ الإثيوبي، واليوناني، والسلافي، والعبري، إضافة إلى القصاصات القبطية، وسفر العمالقة. بل إن سفر أخنوخ الإثيوبي نفسه، المعروف أيضًا باسم أخنوخ الأول، يتكون من خمسة كتب مستقلة جُمعت معًا في عمل واحد.

ويرى غالبية الباحثين أن الاسم المنسوب إلى هذا السفر يشير إلى شخصية أخنوخ الواردة في الكتاب المقدس، لا أخنوخ ابن قايين، بل أخنوخ ابن يارد، وأبو متوشالح، والرجل السابع من نسل آدم. ويذكر سفر التكوين هذه الشخصية بعبارات موجزة لكنها فريدة، إذ يقول:
“وعاش يارد مئة واثنتين وستين سنة وولد أخنوخ… وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» (تكوين٥: ١٨–٢٤؛ قارن مع ١أخبار١: ٣؛ يهوذا١٤، ١٥).

وكما هو شائع في الأدب الأبوكريفي، سعى المحررون والناشرون إلى إضفاء سلطة دينية على كتاباتهم من خلال نسبتها إلى شخصيات كتابية معروفة. وقد ساهمت العبارة الكتابية «وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» في نشوء العديد من التصورات والأساطير حول أخنوخ، إذ اعتُبر شخصًا مميزًا يتمتع بإمكانية الوصول إلى الأسرار الإلهية، ومنها استقى –بحسب هذا التصور– الوحي الذي دون في السفر المنسوب إليه.

ويُعد سِفر أخنوخ الأول من حيث الحجم سفرًا واسعًا، إذ يتكوّن من خمسة أسفار تضم 108 أصحاحات، وما يقرب من 1048 عددًا، مع اختلاف هذا الرقم تبعًا للنسخة المعتمدة. وينقسم السفر على النحو التالي:

كتاب الساهرين (الأصحاحات 1–36)
كتاب أمثال أخنوخ (الأصحاحات 37–71)
الكتاب الفلكي (الأصحاحات 72–82)
كتاب أحلام أخنوخ الرؤيوية (الأصحاحات 83–90)
رسالة أخنوخ (الأصحاحات 91–108)
وعند التعمق في دراسة سِفر أخنوخ الأول، يتضح أن تأثيره الأدبي والفكري كان حاضرًا في بعض الكتابات اللاحقة. فعلى سبيل المثال، يقتبس رسول يهوذا في رسالته عددًا واردًا في (١أخنوخ١: ٩) عند حديثه عن مجيء الرب للدينونة (يهوذا ١٤، ١٥). كما اقترح بعض الباحثين وجود تشابهات أو تداخلات بين نصوص معينة في العهد الجديد وبعض أفكار أو تعبيرات سِفر أخنوخ.

غير أن المقارنة الدقيقة بين أقوال الكتاب المقدس وأقوال سِفر أخنوخ تُظهر أن هذه التشابهات لا تعني بالضرورة اعتماد كتاب العهد الجديد على هذا السفر كمصدر موحى به، بل تعكس توافقًا في المصطلحات ذات المحتوى اللاهوتي المتشابه، نتيجة للبيئة الفكرية والزمنية المشتركة، فضلًا عن النوايا الواضحة لكتاب هذه النصوص الأبوكريفية الذين ادعوا نسبتها إلى شخصيات كتابية معروفة.

ومن هنا، يمكن تحديد مجموعة من الأسباب الواضحة التي تفسر عدم إدراج سفر أخنوخ ضمن قانونية الكتاب المقدس.
أولًا، على الرغم من أن يهوذا اقتبس من نص أبوكريفي، فإن ذلك لا يقدم أي دليل على أنه اعتبر هذا النص جزءًا من الأسفار المقدسة المعترف بها. وإن كان هذا الأمر يثير تساؤلًا لدى البعض، فيمكن توضيحه من خلال النقاط التالية.

ثانيًا، يتمتع الروح القدس بحرية كاملة في استخدام كلمات أو عبارات مأخوذة من السياق الثقافي السائد، وجعلها جزءًا من كلمة الله الموحى بها. ويظهر هذا بوضوح في إدراج رسالة نبوخذ نصر المكتوبة بالآرامية في دانيال ٤، وكذلك في اقتباس بولس الرسول من شعراء يونانيين في (أعمال الرسل ١٧: ٢٨).

ثالثًا، لم يستند يهوذا في اقتباسه إلى الصيغة التقليدية «كما هو مكتوب»، وهي الصيغة التي اعتاد كتّاب العهد الجديد استخدامها عند الإشارة الصريحة إلى نصوص كتابية قانونية.

رابعًا، يعود الزمن المرجح لكتابة أو تنقيح سفر أخنوخ الأول إلى عصر انتشار الأدب الأبوكريفي، وهو زمن لا يتوافق مع أحد الشروط الأساسية لقبول أي سفر ضمن قانونية الكتاب المقدس، وهو أن يكون كاتبه معاصرًا للأحداث أو شاهدًا مباشرًا لها، أو أن يُكتب السفر في زمن حياة الشخص المنسوب إليه. وهذا الشرط يستحيل إثباته في حالة سِفر أخنوخ.

خامسًا، يحتوي سِفر أخنوخ على العديد من الموضوعات اللاهوتية التي تقدم توسعات مطولة لقصص كتابية معروفة، مثل قصة «بني الله وبنات الناس» في تكوين ٦ (١أخنوخ٧: ١–٦)، وما فعله أخنوخ بعد أن أخذه الله (١أخنوخ١: ١–٨)، وذكر ملائكة بأسماء محددة مثل أورئيل ورفائيل (١أخنوخ٩: ١–١١)، إلى جانب موضوعات أخرى تطرح إشكالات لاهوتية وتقود إلى استنتاجات تتعارض مع الإعلان الكتابي الواضح.

ومع ذلك، فإن محتوى (١أخنوخ١: ٩) –وهو العدد الذي اقتبسه يهوذا– لا يضيف أي معلومات جوهرية تتعلق بالعقائد الأساسية إلى الإعلان الإلهي الذي قدمه الله في الأسفار الستة والستين القانونية. ومن ثم، فإن هذا الأمر ينبغي أن يمنح المؤمن سلامًا ويقينًا بأن الله قد ترك في الكتاب المقدس كل ما هو كافٍ وضروري للإيمان والخلاص والحياة الروحية.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا