18.4 C
Cairo
الخميس, مارس 19, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيوحدة الكنيسة... شوق قلب الله!! (1)

وحدة الكنيسة… شوق قلب الله!! (1)

بقلم الدكتور القس/ ﭽورﭺ شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

كتب الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (أف4: 1–6) يقول: “فأطلب إليكم، أنا الأسير في الرب: أن تسلكوا كما يَحق للدعوة التي دُعيتم بها، بكل تواضع ووداعة وبطول أناة، محتملين بعضكم بعضًا في المحبة، مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إلهٌ وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم”.

وقبل هذا التقطت عدسة الوحي المقدس صورة بديعة الجمال للرب يسوع، جاثيًا في خشوع نفس وذوب قلب، يرفع صلاته لأجل تلاميذه قائلاً: “احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن” (يو17: 11).

ثم تطلع إلى مستقبل الكنيسة، فرآها كارزة وشاهدة عن فدائه العظيم وخلاصه الثمين للعالم كله على مر الأجيال وعبر العصور، ورأى النفوس الكثيرة التي تختبر الحياة الجديدة وتنضم إلى الكنيسة، وفي نفس الوقت كان يرى التحديات والتهديدات الخارجية التي تقف بالمرصاد أمام الكنيسة، وضد الرسالة التي تؤديها، هذا بالإضافة إلى الانقسامات والخصومات التي تهدد الكيان من الداخل. لذلك نجده يختتم صلاته الشفاعية بطلبته قائلاً: “ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني” (يو17: 21).

فوحدة الكنيسة هي شوق قلب الله، وهي موضوع صلاة الكنيسة، وحلم حياتها، وشغلها الشاغل، ولكي تتحقق هذه الأمنية الغالية، علينا أن ندرك الأمور الآتية:

أولاً: إيماننا هو السر في وحدتنا:

يضع الرسول بولس الوحدة التي تجمع الكنيسة في سباعية رائعة الجمال، فيسطر في الرسالة إلى أهل أفسس قائلاً: “مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إلهٌ وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم” (أف4: 4–6).

هذا، وعلى صفحات الوحي المقدس، رسمت ريشة الرسول بولس صورة دقيقة ناطقة ومعبرة عن الكنيسة، إذ قام بتصويرها بأنها “جسد المسيح”، وهي صورة توضح لنا أهمية وحيوية العلاقة التي تجمع بين المسيح والكنيسة من ناحية، وقوة ومتانة الرابطة التي تجمع أعضاء الجسد الواحد معًا من ناحية أخرى، فمكتوب في (رو12: 4، 5): “فإنه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة… هكذا نحن الكثيرين: جسد واحد في المسيح، وأعضاء بعضًا لبعض”.

ومكتوب في (1كو12: 27): “وأما أنتم فجسد المسيح، وأعضاؤه أفرادًا”.

إن إيماننا أننا واحد في المسيح هو سر وحدتنا، فلو أننا افترضنا أن المسيح يحتل مركز الدائرة، وكلنا على محيط الدائرة، فلو أن كل واحد منا اتجه في خط مستقيم ليقترب إلى مركز الدائرة… إلى المسيح… لأصبحنا كلنا في المسيح واحدًا، ولكن لو لم يكن اتجاه الواحد منا إلى مركز الدائرة، لحدث التقاطع والتصادم.

ففي المسيح نحن واحد، تزول كل الفوارق التي صنعها الزمان والمكان وفكر الإنسان، كما هو مكتوب في (غل3: 26–28): “لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع”.

إن إيماننا بأننا أعضاء في جسد واحد (المسيح) هو الذي يوحدنا.

أثناء الحرب العالمية الثانية، سقطت قنبلة على إحدى الكنائس التقليدية في إنجلترا، وأحدثت القنبلة بعض التصدعات والتشوهات لتمثال المسيح الذي كان بفناء الكنيسة.

كان التمثال قطعة فنية بديعة الجمال، تجسدت فيه كل فنون النحت والرسم، وكان كل من يراه يقف مبهورًا بروعة الفن والإبداع فيه، كنت ترى المسيح بنظراته الحانية، وأحضانه الدافئة، ويديه الممدودة الممتلئة بالعطاء للجميع.

لكن، من أسف، لقد تحطمت يداه بسبب القنبلة، وقررت الكنيسة ترميم التمثال، وعهدت بهذه المهمة لأحد المهندسين المتخصصين في هذا المجال، وعندما انتهت الترميمات، قررت الكنيسة عمل احتفالية لرفع الستار عن التمثال بعد أن تم ترميمه وتجديده، إلا أن الراعي كان قد اتفق مع المهندس المسؤول عن تنفيذ العملية على ترك أيدي المسيح المحطّمة دون أن يفعل بها أي شيء.

وفي يوم الاحتفال، وعندما أزاحوا الستار عن التمثال، كان الراعي قد وضع مكان اليدين المحطمتين لتمثال المسيح لوحة فنية مكتوب عليها: “نحن يداه”.

ثانيًا: قوتنا في وحدتنا:

تفيض ينابيع القوة في حياتنا عندما نتحد… نتحد أولًا بالله. نعم! فمكتوب في (أع1: 8): “لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلى أقصى الأرض”.

ننـال قوة بلا حدود مع الله، وكما أن إلهنا غير محدود، هكذا تمتد خدمتنا بلا حدود، وتخترق كل السدود، وتحطم كل القيود، ونضع أيدينا على كل ما تدوسه بطون أقدامنا، ويتحقق فينا ما قاله الرب يسوع لبطرس في (مت16: 18): “أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”.

لقد فسر البعض هذه الآية كبرهان ودليل على حفظ وحماية الله للكنيسة، وبالطبع هذا صحيح ولا شك في ذلك، ولكنه لا يعبر عن كل الحق الذي قصده الرب.

فالبعض يصور الكنيسة في موقع الدفاع عن نفسها، وهي خائفة وخانعة وقابعة في انتظار من يحميها ويدافع عنها، إنما الرب لم يقصد بكلماته هذه أن الكنيسة تأخذ موقف الدفاع، وإنما تأخذ دور المهاجم؛ فعلى الكنيسة أن تهاجم حصون الشر، وتدمر قلاع الإثم، وتدك معاقل الخطية، ووعد الرب أن أبواب الجحيم لن تقف أمامها.

بمعنى أنه لا يمكن لأية أبواب أن تقف حاجزًا أو مانعًا في وجه الكنيسة. فنعمة الله قادرة أن تصل إلى أعتى الخطاة، فكلما كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا.

إن المعركة ليست لنا، والنصرة هي للرب إلهنا.

إن دورنا ومسؤوليتنا أن نقبل قوته فيدفعنا، وأن نعلن سيادته علينا فيرفعنا، وأن نستثمر نصرته لأجلنا فينصرنا، متذكرين أن: “أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا، وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (2كو10: 4–5).

آه! ما أحوجنا اليوم إلى الصلاة التي رفعها داود في القديم عندما صلى قائلاً: “وحد قلبي لخوف اسمك” (مز 86: 11).

واستطاع أن يتوحد مع الله فهتف من الأعماق قائلاً: “التصقت نفسي بك” (مز 63: 8).

وهذا ما اختبره حزقيا كما هو مكتوب عنه في (2 مل 18: 6): “والتصق بالرب ولم يحد عنه”.

هذا، وعندما نتحد مع بعضنا البعض نختبر أيضًا قوة الله…

لعل هذا يذكرنا بما جاء في (أعمال الرسل 4: 32)، إذ مكتوب: “وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة ثم نقرأ مباشرة في (أع4: 33) “وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع” وفي (أعمال5: 12) “وجرت على أيدي الرسل آيات وعجائب كثيرة في الشعب. وكان الجميع بنفس واحدة”. فعندما نتحد معاً ونكون بنفس واحدة نختبر القوة في كل جوانب حياتنا وخدمتنا.

نستكمل العدد القادم

المقاله السابقة
المقالة القادمة
مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا