تحقيق: إيهاب أدونيا
دائمًا ما كانت الدراما المصرية مرآةً تعكس نبض المجتمع، وتنقل تحولاته الاجتماعية والثقافية، وتسهم في تشكيل الوعي الجماهيري تجاه القضايا المصيرية.
بعد تصاعد الانتقادات مؤخرًا بسبب هيمنة مشاهد العنف والبلطجة والقتل والصراخ في عدد من المسلسلات المصرية، أصبحت الدراما في الوقت الحاضر، وخاصةً (الدراما الرمضائية) نظرًا لكثافة عدد مسلسلاتها قوة لا يستهان بها، تلك الدراما التي تدخل كل باب وكل عقل وتصل لكل فئة بالمجتمع المصري، ومنها ما يبني ومنها ما يهدم. ولكن عندما غلب الطبع الهدام على البناء، وجهت الدولة، متمثلة في رئيسها وكل هيئاتها، لتعزيز کل الوسائل المتاحة للحفاظ على الروح الوطنية وتعزيز الانتماء داخل الأفراد. ومن أهم هذه الوسائل الدراما، فهي تُعد الأسهل وصولًا إلى الجمهور والأکثر تأثيرًا عليهم، ولذلك يجب استغلال هذه الوسيلة الاستغلال الأمثل لتحقيق هدف التنمية الوطنية وتعزيز روح الانتماء في المجتمع بدلًا من عرض القبح والقيم البذيئة وتصوير الحارة المصرية بأقبح الصور مخالفة للواقع.
بينما يرى آخرون أن ذلك النهج من الدولة يقضي على الباقي من حرية الإبداع والتعبير ويضع قيود على الفن والدراما ليخرج قالبًا موحدًا من الأفكار لا تمثل الشارع المصري.
وبين قبول او رفض لجنة مراجعة الدراما، كانت هناك العديد من التساؤلات حول ماهية اللجنة، وما هي صلاحياتها، وهل دورها استرشادي ام إلزامي، وهل سيقنن مقص الرقيب أو الإنتاج أي عمل لا توافق عليه تلك اللجنة، وهل سينتهز التيار السلفي الموجة ليركبها ويتحكم بشكل غير مباشر في الدراما وبث سموم التطرف.
ويشهد الموسم الرمضاني لعام 2025 سباقًا دراميًا حافلًا بالمنافسة، حيث تتنوع المسلسلات المصرية المعروضة بين الإنتاجات المحلية والعربية، بإجمالي 40 مسلسلًا، من بينها عشرة مسلسلات ذات إنتاج عربي، في حين أنتجت الشركة المتحدة على شاشاتها 22 مسلسلًا.
السيسي يدعو إلى جدية الدراما وعدم رعاية “الغث والهزل الذي لا يبني أمة”
وكان السيسي قد دعا خلال حفل الإفطار السنوي الذي أقامته القوات المسلحة إلى توفير الفرصة في القنوات التلفزيونية والدراما المصرية لـ “العمل الإيجابي الذي يتضمن جدية والتزام”، وطالب بمحتوى جدي أكثر إلى جانب الكوميديا، ونبَّه إلى عدم رعاية “الغث والهزل والكلام الذي لا يبني أمة، والبحث عن الصالح”.
كما دعا الرئيس السيسي إلى “مراجعة الذات” فيما يتعلق بالمحتوى الذي يتم تقديمه في الإعلام والدراما المصرية، وذلك خلال كلمته في لقاء المرأة المصرية والأم المثالية، وعبّر عن خشيته على “الذوق العام للمصريات والمصريين”.
وقال إن الدراما المصرية “كانت صناعة وأصبحت تجارة، والدولة المصرية كانت تساهم في هذا القطاع من خلال إنتاج مبني على رؤية من متخصصين في الإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع”
وأوضح أنه خلال “الـ 30 أو الـ 40 سنة الماضية، حينما أصبح تلفزيون الدولة محملًا بأعباء بات غير قادر على القيام بهذا الدور”، وأشار الرئيس السيسي إلى إمكانية تحقيق أرباح كبيرة من هذا القطاع “حينما يكون العمل جيدًا”.
وشدد على أن الدعوة للمراجعة أو التوقف عند موضوع” المحتوى الدرامي والإعلامي “لا يعني المنع”، وإنما “إعادة وصياغة وتنظيم”، وتقديم “إشارة أو تنبيه للمعنيين بأن هناك خللًا في التوازن”.
وتوجه بالحديث للحاضرين في الاجتماع بالقول: “أنا أعبِّر عن نبضكم، وليس وجهة نظر فوقية أو أحادية، بل بناءً على قياسات رأي، ودراسات أشارت إلى أن الموضوع بات يحتاج لمراجعة”.
المتحدة للخدمات الإعلامية”: لجنة متخصصة للمحتوى الدرامي… ومؤتمر بإبريل عن مستقبل الدراما
أعلنت الشركة “المتحدة للخدمات الإعلامية” في مصر عن تشكيل لجنة متخصصة للمحتوى، بالتزامن مع إعلان “الهيئة الوطنية للإعلام” عن عقد مؤتمر حول مستقبل الدراما المصرية في أبريل، استجابةً لتوجيهات الرئيس السيسي حول طبيعة المحتوى المقدم في القنوات التلفزيونية المصرية.
وجاء إعلان “المتحدة” في بيان نشرته عبر حساباتها الرسمية على مواقع التواصل، أكدت فيه أنها “بدأت بالفعل في تشكيل لجنة متخصصة للمحتوى، تتولى وضع خطط وبرامج للإنتاج الدرامي والإعلامي، إلى جانب متابعة ورصد الأعمال المنتَجة من الشركة بهدف تحقيق رؤية واضحة للإنتاج قائمة على تحليل دقيق للواقع”.
وأوضحت أن اللجنة “ستجري مراجعة شاملة للأعمال المقدمة، لتقييم نقاط القوة والضعف، وصولًا إلى توصيات مدروسة تضمن توافق المحتوى مع الأهداف الوطنية والتوعوية، بما يسهم في التطوير المستدام للمشهد الإعلامي المصري”.
ومن المقرر بحسب البيان الصادر عن “المتحدة”: “الإعلان عن تشكيل اللجنة خلال الأيام المقبلة، حيث تضم نخبة من الشخصيات البارزة وأصحاب الخبرات في مختلف المجالات، بما يضمن تمثيلًا متوازنًا لمختلف القطاعات والفئات، وتحقيق رؤية أكثر شمولًا للارتقاء بالمحتوي الإعلامي ككل”.
القومي للمرأة: دراما رمضان 2025 قدمت تراجع مقلق للصورة الإيجابية للمرأة وصدرت الصور السلبية للنماذج النسائية
أكدت المستشارة أمل عمار، رئيسة المجلس القومي للمرأة، أهمية تقديم صورة عادلة ومتوازنة للمرأة في الدراما المصرية، تعكس واقعها الحقيقي، ودورها الإيجابي في التنمية وبناء الوطن.
وقالت رئيسة المجلس القومي للمرأة في تصريحات لها إلى أن لجنة الإعلام بالمجلس ستواصل متابعة ورصد محتوى الأعمال الفنية، تمهيدًا لإصدار التقرير النهائي والتوصيات بنهاية شهر رمضان.
وقد أعلنت لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة عن المؤشرات الأولية للأعمال الدرامية خلال النصف الأول من شهر رمضان 2025، والتي كشفت عن تراجع مقلق للصورة الإيجابية للمرأة، مقابل تصدر الصور السلبية للنماذج النسائية المقدمة هذا العام.
المؤيدون: خطوة تهدف لتعزيز الهوية الوطنية وتقديم صورة حقيقية عن المجتمع المصري
السيناريست مجدي صابر: الحل في عودة كبار الكتاب … إعادة النظر في سطوة النجم … مواجهة تغول الإعلانات
ومن ناحيته، يرى السيناريست مجدي صابر أن ملف علاج الدراما المصرية يجب أن يسير على ثلاثة محاور أساسية، أولها عودة الكتاب الكبار إلى مواقعهم في صناعة الدراما.
وعلق قائلًا إنه لا يليق أن يتم استبعاد الكبار أصحاب الخبرات من كُتَّاب الدراما، وهو استبعاد غير مفهوم ولا مبرر، خاصةً وأن أعمالهم كانت علامات في صناعة الدراما العربية، ومنذ سنوات لا نرى لهم أي أعمال على الشاشة، بشكل يبدو كما لو كان مقصودًا.
وأضاف: الدراما تبدأ من النَص، بينما أصبحت معظم الأعمال المعروضة على الشاشة تعتمد على ورش الكتابة، عناصرها في أغلب الأحيان من الشباب قليل الخبرة، ومن هنا تغلب على المسلسلات المعروضة أجواء البلطجة والمخدرات والألفاظ الخارجة.
أوضح صابر أن المحور الثاني من محاور إصلاح الدراما ينصب على ضرورة إعادة النظر في سطوة النجم على كل عناصر العمل الدرامي.
وقال: كنا طول الوقت نبدأ العمل من عند المؤلف الذي يضع الفكرة ويكتب النص، ويتوجه به لجهة الإنتاج التي تختار المخرج الذي يرشح مع المؤلف ومسئولي الإنتاج باقي عناصر العمل بما فيها الأبطال. وخلال السنوات الأخير، انقلب الحال، حيث تبدأ شركات الإنتاج بالتعاقد مع النجم ثم البحث عن مؤلف يكتب للنجم عملًا تفصيليًا على هواه، ومن هنا خرجت دراما البطل الأوحد، الفتوة والبلطجي والنجم الذي تقع في حبه 4 أو 5 بنات، لتصبح الدراما على هذا النحو عاملًا مكملًا لتلك الحالة المصطنعة، والتي صدرت العنف والابتذال لشاشة الدراما.
ويشير مجدي صابر إلى المحور الثالث والذي أصبح من العناصر المهمة في منظومة الإنتاج، وهو الإعلان، منتقدًا تغول الإعلانات على الدراما، والتي أفسدت متعة التتابع والمشاهدة، وفصلت المتلقي عن متابعة تفاصيل العمل.
ماجدة موريس رئيس لجنة الدراما: المجتمع لا يمكن اختزاله في مشاهد العنف والبلطجة التي تُعرض على الشاشة في الوقت الحالي
أوضحت الناقدة الفنية ماجدة موريس أن الحل يتمثل في عودة المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة و “ماسبيرو”، إلى ممارسة دورها القديم في الإنتاج الدرامي.
وأكدت موريس في أول تصريح بعد توليها رئاسة “لجنة الدراما” بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بهدف تقييم الأعمال الدرامية المعروضة، أن إعادة تشكيل اللجنة جاء في التوقيت المناسب لإنقاذ الدراما المصرية، مشيرةً إلى أن المجتمع لا يمكن اختزاله في مشاهد العنف والبلطجة التي تُعرض على الشاشة في الوقت الحالي.
وشددت في تصريح للصحافة المحلية على أهمية عودة الهيئة الوطنية للإعلام للإنتاج الدرامي، مؤكدةً أن أفضل الأعمال الدرامية المصرية خرجت من عباءة مؤسسات الدولة مثل شركتي “صوت القاهرة” و”مدينة الإنتاج الإعلامي” التابعتين لماسبيرو.
وأضافت أن مصر لديها التاريخ الحافل من الإبداعات الدرامية على يد الرواد من المخرجين والمؤلفين مثل نور الدمرداش، محمد فاضل، أسامة أنور عكاشة، والتي خرجت جميعًا من عباءة “ماسبيرو”.
وتعليقًا على اعتزال المخرج محمد سامي، قالت إن قراره جاء كرد فعل على الهجوم والنقد من الجمهور، مؤكدةً أن أعماله ليست الأفضل من وجهة نظرها.
المسلماني: هناك ضرورة لمواجهة تدمير قيم العائلة والابتذال اللفظي والانحراف السلوكي بالدراما
أعلن الكاتب أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام عن عقد مؤتمر بعنوان «مستقبل الدراما في مصر» في أبريل الحالي في مبنى ماسبيرو.
جاء قرار رئيس «الوطنية للإعلام» استجابةً للرؤية التي طرحها الرئيس السيسي خلال حديثه بحفل إفطار القوات المسلحة، والتي تقضي بضرورة تعزيز القيم في صناعة الدراما والسينما، وضرورة مواجهة موجات العنف والجريمة وتعاطي المخدرات، وإشعال الصراع المجتمعي، وترويج الابتذال اللفظي والانحراف السلوكي، وتدمير قيم العائلة.
وأكد المسلماني أن المؤتمر سيتضمن دعوة الكُتَّاب والمخرجين والمنتجين وعلماء النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وسيتم رفع توصياته للمؤسسات المعنية، مشيرًا إلى أن التليفزيون المصري سيسترشد بالرؤية الرئاسية في تقديم المحتوى اللائق فكريًا وقيميًا ووطنيًا، بعد عودته للإنتاج الدرامي هذا العام، في إطار إستراتيجية (عودة ماسبيرو).
دعوة المسلماني، ومن قبلها الرؤية التي طرحها الرئيس السيسي، كانت موضع اهتمام واسع في الأوساط الفنية، حيث رأى فيها صناع الفن والدراما فرصة ذهبية لتصحيح مسار صناعة الفن في مصر، وإعادة ترتيب دفاعات قوة مصر الناعمة واستعادة أمجاد العصر الذهبي لتأثير الدراما المصرية في الشارع المصري، وامتداده في محيطها. وفي السطور التالية، نرصد بعض الرؤى وأهم المحاور التي يُنتظر طرحها على مائدة الحوار.
السيناريست أيمن سلامة: نحن بحاجة لمؤلفين لا يكتبون لإرضاء المشاهد، وإنما يكتبون من أجل رفع ثقافة المجتمع
وقال السيناريست أيمن سلامة، رئيس جمعية كتاب الدراما، إن بداية عودة الدراما إلى مسارها الصحيح تبدأ من استعادة الكاتب المثقف، الذي يؤمن بأهمية دوره، ويؤمن بقضايا وطنه، كما يؤمن بأن الله سيحاسبه على كل كلمة يكتبها قلمه.
وأضاف: نحن بحاجة لمؤلفين لا يكتبون لإرضاء المشاهد، وإنما يكتبون من أجل رفع ثقافة المجتمع، تمامًا كما فعلت أم كلثوم عندما غنت «الأطلال»، وعبد الحليم عند تقديمه «قارئة الفنجان» في مجتمع كانت نسبة الأمية فيه 80%، لنجد الفلاح البسيط الذي لا يعرف القراءة والكتابة يردد أبياتًا من قصائد الشعر العربي الفصيح، ويترجم معانيه.
وأضاف: يجب على المؤلف أن يتعامل بحساسية شديدة فيما يخص تلك القيم، فهو هنا مثل جراح المخ والأعصاب الذي يستخدم مشرطه لعلاج المرض بحرص ووعي شديدين لأن نتائج الأخطاء تكون وخيمة، وعلى هذا النحو ينبغي أن يتعامل الكاتب مع عقل المتلقي الذي تُصدَّر له الأفكار والقيم.
السيناريست مدحت العدل: صناعة الدراما تُواجه أزمة بكل مفرداتها، “أزمة إنتاج ونص وتوزيع، أزمة في كل حاجة من الآخر”.
أما السيناريست والمنتج ورئيس أمانة الثقافة والفنون بحزب الجبهة الوطنية مدحت العدل، فقال “لن نعيد اختراع العجلة. كلنا عارفين أن هناك مشكلة تُواجه الدراما المصرية”، مضيفًا: “طالما الرئيس قال، يبقى هناك إرادة دولة، وطالما موجودة هذه الإرادة الدنيا هتتغير للأحسن، إزاي ده سؤال سابق لأوانه، المهم أن تفرض الدولة إرادتها”.
ويرى العدل أن صناعة الدراما تُواجه أزمة بكل مفرداتها، “أزمة إنتاج ونَص وتوزيع، أزمة في كل حاجة من الآخر”.
حمدي رزق: كُتَّاب الدراما يتفننون في تجسيد القبح المجتمعي ويسودون وجه المجتمع بسطورهم
من جانبه، انتقد الكاتب والمفكر الصحفي حمدي رزق مسلسلات رمضان التي تحوي القَباحة والبَشاعة والفساد … كوكتيل من الأمراض المجتمعية السارية، في سياق بلطجة درامية تعجب الذي في قلبه مرض.
وأضاف أن كُتَّاب الدراما يتفننون في تجسيد القبح المجتمعي، ويسودون وجه المجتمع بسطورهم، وقد هبطوا بالدراما التلفزيونية الرمضانية إلى درك أسفل من القَباحة، وسط حنين جارف إلى عصر الغاب أو شريعة الغاب، ويُقصد بها حالة من الفوضى وغيبة القانون، كل شخص يتصرف كما شاء وشاء له الهوى، وأخذ حقه بذراعه.
فلا يخلو مسلسل من بلطجي (نصاب)، سوابق، يتفنن في الضرب وكسر العظم، وسرقات آثار، وتجارة مخدرات في كباريهات، وإذلال النفوس، واستباحة الأعراض، وخطف أطفال، وإهانتهم للمرأة منهاج، للأسف عندهم المرأة رقاصة أو رداحة (من الردح).
المعارضون: المعارضون: إصلاح الفكر لا يتم بلجان فوقية والذوق العام يبدأ بإصلاح التعليم وليس تقييد الإبداع، لا بد من منح الجمهور حرية الاختيار
لميس الحديدي: إصلاح الفكر لا يتم بلجان فوقية … والذوق العام يبدأ بإصلاح التعليم وليس تقييد الإبداع
وجهت الإعلامية لميس الحديدي رسالة طويلة، سجلت فيها ملاحظاتها كمشاهد، مؤكدةً أنها تأتي دفاعًا عن الدراما المصرية، قائلةً إن «إصلاح الفكر لا يتم بلجان فوقية»، موضحةً أن «من الأجدى بالحكومة أن تعقد مثلا مؤتمرًا عامًا لإصلاح التعليم، لأنه أساس انهيار الإبداع، والذوق العام، وأساس كل شيء»، لافتةً إلى أن الدراما المصرية لم تقتصر على البلطجة والضرب ولكنها تنوعت هذا العام بشكل واسع.
وقالت في منشورها على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»،: لم أفهم بدقة ما هو دور مجموعة العمل الحكومية التي تم الإعلان عنها لدراسة مستقبل الدراما المصرية … فالإبداع هو مسئولية المفكرين والمبدعين والمثقفين، وما يخص الحكومة هو فقط اختيار ما يُعرض على الشاشات الحكومية أو الممولة من شركات ذات المال العام، وليس تحديد مسار الدراما عمومًا، وإلا لانتهى ما تبقى لنا من إبداع وهو قليل … وعمومًا لديَّ بعض الملاحظات على واقع الدراما هذا العام كمشاهدة ولستُ بناقدة.
وتابعت: تضمن هذا العام أعمالًا متميزة في الموضوع والتقنيات والإخراج والتمثيل، منها الأعمال الكوميدية الخفيفة مثل كامل العدد، وأشغال شقة جدًا (رغم بعض الملاحظات)، وعايشة الدور، ومنها الأعمال الجادة، مثل: قلبي ومفتاحه، إخواتي، لام شمسية، ظلم المصطبة، الغاوي، ولاد الشمس، قهوة المحطة، منتهي الصلاحية، وغيرها كثير.
وأكدت أن هذه الأعمال عرضت قضايا مجتمعية جادة وحقيقية، كما قدمت الدراما أيضًا النموذج الرومانسي الاجتماعي في «وتقابل حبيب»، ولاقى نجاحًا كبيرًا، ونموذج الفانتازيا في «جودر» برسائله وتقنياته المبدعة. ولفتت «الحديدي» إلى أن الدراما إذن لم تقتصر على البلطجة والضرب ولكنها تنوعت هذا العام بشكل واسع.
واختتمت منشورها بالقول بأن الفن مسئولية قبل أن يكون ترند وأرباح، ولدينا طاقة من المبدعين والفنانين كبيرة لا يمكن أن نبخس قدراتهم بل نحييهم، وتحقيق هذه المسئولية لا يكون باللجان الحكومية، ولكن بمزيد من الوعي والتعليم والتثقيف، والأهم، الحرية، مشيرة إلى عبارة «الجمهور عاوز كده»، قائلةً: «طول عمرها عبارة جدلية بين المبدعين، ولا يمكن أن نحجر على عقل الجمهور بلجان، لكن علينا أن نقدم له البديل».
شريف عامر: المبالغات الدرامية يكون تصويبها بالنقد أو الانصراف عنها … وليس بالتقييد
علق الإعلامي شريف عامر على الجدل الدائر حول بعض الأعمال الدرامية قائلًا: الحمد لله، بين القصرين وزقاق المدق اتعملت مسلسلات في الثمانينيات، علشان نجيب محفوظ كان سيُتهم بأنه بيشوه صورة مصر، ومحمود مرسي بجلالة قدره صاحب دور السيد أحمد عبد الجواد كان بيقدم مشاهد إسفاف.
وأضاف: إذا كان فيه مبالغة ما، فتصويبها يكون بالنقد أو الانصراف عنها، أما (البحث) أو (التظاهر) بالبحث عن المجتمع المعقم لا يقدم ولا يؤخر … مجرد استهلاك وهدر طاقة ووقت.
وتابع: عمومًا، الجدل ده قديم جدًا، وطول الوقت كان فيه فئة ترى ما يقدم أنه مؤامرة لإفساد أخلاق الشعب المصري الأصيل. وأكمل: أنا من جيل كبر شوية، وعندي تعصب طبيعي لزمني، ولما سبق حضرتُ خناقات على السح ادح امبو، ولولاكي، لغاية ما وصلنا المهرجانات، لكني في نفس الوقت مدرك أن انحيازاتي لن تلغي وجود عالم آخر بمفرداته وسماته التي قد لا تناسبني، طعمتُ أسرتي ونقلتُ لهم ذوقي، ومفاهيم الصح والغلط وفق قدرتي، والباقي بقى عليهم.
وختم قائلًا: «الخلاصة … كل ذوق ابن عصره، وتعليمه، ومجتمعه، والناس بتفهم وبتعرف وبتفرد بدون وصاية … سلام عليكم».
السيناريست محمد هشام: نحن أمام واحد من أفضل مواسم الدراما الرمضانية المصرية منذ حوالي 10 سنوات
أبدى السيناريست محمد هشام اندهاشه من انتقاد الرئيس للموسم الدرامي الحالي، قائلًا: “نحن أمام واحد من أفضل مواسم الدراما الرمضانية المصرية منذ حوالي 10 سنوات، والتي عانت وكانت دراما مرتعشة إن جاز التعبير”.
وهو يفسر انتقاد الرئيس في هذا التوقيت بأنه “في ظني شاهد مشهد أو اثنان من مسلسل لم يروقا له، ولكن يظلوا مشاهد منزوعة السياق نختلف في تقييمهم الفني، وانسحب للأسف استياءه على الموسم كله وما يُقدم فيه من أعمال، رغم غِناه، ورغم أن أغلب مسلسلات هذا العام من إنتاج الشركة المتحدة التابعة لأجهزة الدولة”.
لا ينكر محمد هشام على رئيس الجمهورية حقه في انتقاد الدراما، “هو مشاهد في النهاية”، ولا يُخفي مخاوفه من استغلال انزعاج السيسي. “في مصر عندما يُبدي الرئيس إعجابه بشيء كل أجهزة الدولة تُقرر تُعَجب بهذا الشيء، وعندما ينزعج تنزعج كل الأجهزة”.
وهو يخشى كذلك حدوث رِدة في الدراما. “من حق الرئيس الانتقاد لكن أخشى من صناع الدراما أنفسهم يطلعوا يكرروا نفس الكلام”، وأوضح: “بعد عامي 2013 و2014، ولظروف سياسية شهدتها البلاد آنذاك، فُرضت قيود على الإنتاج الدرامي، لكن تحررت هذه القيود تدريجيًا ونسبيًا بكفاح حقيقي للصناع على مدار السنوات الماضية، وكنا نتوقع المزيد من الانفتاح في السنوات المقبلة، لكن بما نراه حاليًا من تشكيل لجان لبحث أزمة الدراما ربما يُحدِث كل ذلك رِدة في هذه الانفراجة”.
عمرو أديب: لابد من منح الجمهور حرية الاختيار في الأعمال الدرامية
في تغريدة له عبر منصة “إكس”، علق الإعلامي عمرو أديب على هذا الإعلان، مؤكدًا على أهمية بعض الأعمال السينمائية مثل فيلمي “العار” و”القاهرة 30″، وطرح تساؤلات حول المعايير الأخلاقية في الأعمال الفنية.
وأشار أديب إلى ضرورة احترام خيارات المشاهد، داعيًا إلى منح الجمهور حرية الاختيار في الأعمال الدرامية. وأكد على أهمية توفير محتوى يرفع من مستوى الذوق الفني والتعليمي.
وأضاف أن الأعمال الفنية الموجهة لا تنجح دائمًا، وأنه على المشاهد أن يختار ما يناسبه، معربًا عن عجزه عن فهم كيفية مشاهدة بعض الأفراد لعدد كبير من المسلسلات يوميًا خلال شهر رمضان.
دور الخصخصة والهيمنة الإنتاجية
وعن العوامل التي تساهم في تفاقم هذا الاغتراب، لم تكن سياسة الإعلانات في التلفزيون الحكومي هي التي تقود سوق الدراما، بحيث ترفع أسماء نجوم وتُقصي آخرين بحسب رغبة المعلنين. لكن خصخصة الإعلام أدت إلى هيمنة الإعلانات على القنوات، مما جعل المواطن يشعر بمزيد من الاستلاب أمام هذه السياسات المتوحشة.
وتسيطر “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية”، أو مثلما تعرف اختصارًا باسم “المتحدة”، منذ عام 2016-2017 على صناعة الدراما والسينما في مصر بشكل كبير، سواء في الدراما التلفزيونية أو الإعلانات أو السينما. ولا تزال هذه الشركة تهيمن على المشهد حتى الآن. وفي عام 2024، أعلنت “المتحدة” إنتاجها لأكثر من 125 عملًا دراميًًا في مصر.
سيطرة المتحدة تزامنت مع بداية تعويم الجنيه المصري، وهو ما أثّر بشكل مباشر على الطبقة المتوسطة، لا سيما الشرائح الدنيا منها. فمن خلال المشاهدات الميدانية في المدن وضواحيها، يمكن ملاحظة أن الناس تعاني اقتصاديًا في تأمين احتياجاتها اليومية، بدءًاً من إيجاد سكن إلى الزواج واستكمال الحياة. ومع ذلك، فإن الدراما المصرية، وبخاصة الإنتاج الرمضاني السنوي، لا تتناول هذه الأزمة الاقتصادية أو تأثيرها على حياة الناس اليومية.
فالهوة الطبقية تظهر بوضوح أكبر في الإعلانات الغزيرة التي يشاهدها المصريون في شهر رمضان.
وتهيمن إعلانات الكومباوندات الفاخرة على إعلانات رمضان في السنوات الماضية، في وقت انتشرت على منصات مثل تيك توك فيديوهات ساخرة من هذه الإعلانات، حيث يعيد سكان القرى والأحياء الشعبية إنتاجها بطريقة ساخرة تعكس واقعهم المعيشي البعيد عما يشاهدونه على الشاشة. هذه الظاهرة برزت بشكل ملحوظ بين عامي 2017 و2020، لكنها لا تزال مستمرة حتى اليوم.
ويرى البعض أن دور الرقابة الحكومية في مصر وهيمنة جهات بعينها على الإنتاج الدرامي هي إحدى الإشكاليات التي تواجه الدراما المصرية أيضًا، وأن مستوى الرقابة المفروضة على الدراما خلال السنوات العشر الأخيرة قد وصل إلى حد أن “الضباط باتوا يكتبون الأعمال بأنفسهم”، مما أدى إلى تضييق شديد على حرية التعبير الدرامي، وبالتالي أصبحت هناك حواجز أمام تقديم صور اجتماعية تعكس الواقع الحقيقي.
ونتيجة لذلك، “أصبحت الأعمال الدرامية تُنتَج وفق خيال يسيطر عليه صانع القرار الأمني، مما حوَّل الدراما والسينما المصرية إلى ما يشبه السينما الهندية، حيث يسود اللامنطق، وتُقدَّم صور متخيّلة لا علاقة لها بالواقع”.
أما الجمهور، فهو يتابع هذه الأعمال وهو يعلم أن الشخصيات والأحداث التي تعرضها “لا تمت إلى الواقع بصلة”، ولكنها قد تؤثر على عقله الباطن شيئًا فشيئًا.
أما البعض الآخر فيرى أن هناك حالة من النشوة أثناء المشاهدة، لكن بعد أسبوع من انتهاء المسلسل، ينساه المشاهد تمامًا، مما يعكس هشاشة هذه الأعمال وعدم ارتباطها الحقيقي بحياة الناس.
فالدراما المصرية كانت في السابق مركزية، تُنتَج عبر مؤسسات الدولة، مثل اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وكانت تتمحور حول الطبقة الوسطى المنضبطة، التي يجسدها نموذج “موظف الحكومة” وأسرته، كما رأينا في الشخصيات التي كان يؤديها الممثل حسن عابدين في الثمانينيات على سبيل المثال.
ثم جاء الكاتب أسامة أنور عكاشة ليؤسس سردية تاريخية عن الوطنية المصرية وطبقاتها الوسطى والشعبية.
غير أن التحولات الاقتصادية النيوليبرالية في أواخر التسعينيات وبداية الألفية أدت إلى تركيز أكبر على الطبقة الوسطى العليا، باعتبارها الممثل الجديد للطبقة الوسطى، وقتها لم يكن هناك آنذاك تمييز واضح بين مصر وإيجبت، فبدلًا من تصوير حياة موظف الحكومة الذي بالكاد يكفيه راتبه حتى آخر الشهر، بدأت الأعمال تتناول شريحة اجتماعية مختلفة، كالعائلات التي تعيش في شقق واسعة، وهي الفئة التي صعدت في عهد سطوة جمال مبارك. وقد تجسدت هذه التغيرات في أفلام أحمد حلمي بين عامي 2000 و2010، حيث تم تقديم هذه الفئة وكأنها تمثل مصر الحقيقية.
ولكن في السنوات الأخيرة، لم تعد هناك حتى رغبة في تقديم تصور واضح لماهية “مصر”. أصبحت الدراما تدور في عوالم فانتازية بالكامل، تخلو من أي محاولة لرسم ملامح اجتماعية حقيقية. وقد لعبت الرقابة الشديدة دورًا رئيسيًا في هذا التشوّه، إذ إنها تمنع صناع الدراما من تقديم صورة متكاملة عن المجتمع، مما يجعل الأعمال مبتورة ومجردة من المكان والزمان، وكأنها تدور في اللامكان.