عـادل عطيـة
اختاره المسيح ضمن الاثني عشر تابعًا، ليكون معه، وليكون تلميذًا له، ولتصير له وظيفة رسولية!
عاش أكثر من ثلاثة أعوام، بالقرب منه، وتلامس معه مثل سائر التلاميذ. اختبر عن قرب محبته الفياضة نحوه ونحو الآخرين. ولمس وداعته، ولطفه، وعطفه، وترفقه بالضعفاء والمساكين!
لكن النهايات الكئيبة تسارعت. وصار الذي بدأ حياته تلميذًا للرب –عبر سديم الزمن– مادة للشعراء، والكُتَّاب، والروائيين، كنموذج لا يمكن تصوره عن: الخسة، والخيانة، والدناءة، والحماقة، والتعاسة، والبؤس!
ونتساءل، كمن لا يعرف الإجابة: “لماذا اختار المسيح، يهوذا الإسخريوطي، واحدًا من الاثني عشر، وهو الذي يعلم منذ البدء ما سيقترفه؟!، وكيف متَّعه بثقته وتقديره، وأعطاه مكانة قيادية بين الآخرين، حتى قبلوا اختياره أمينًا للصندوق، ذلك الصندوق الذي جعله يتحوّل إلى حالم، تمتلئ رأسه بالأخيلة الباطلة؟!”
لعله درس آخر من دروس المُعلّم، للتأمل والاعتبار، عن أوراق كاذبة لشجرة تين أخرى، ولكن بشرية؟!
درس أراد الله فيه أن يبدد صمت الانفراد: انفراد يهوذا بلقب “ابن الهلاك”، وانفراده بقضاء عجيب فريد في كل التاريخ، لكي يجعلنا ندرك ما يمكن أن يفعله الطموح البشري الخاطئ إلى السلطة والمال. فلم يكتفِ يهوذا بما كان يختلسه من صندوق المال، بل قادته حماقته إلى قادة عميان، سائلًا إياهم: “ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟”، فجعلوا له ثلاثين قطعة فضة، تزيد قليلًا على ثلاث جنيهات مصرية!، كما أراد أن يكشف لنا عن سقطات البشر، وأنهم يبيعون مَنْ يشتريهم، ويشترون مَنْ يبيعهم، وأن هناك أصدقاء ومقربين خانوا قادتهم، وقابلوا إحسان ومحبة سادتهم بالخيانة وتسليم اليد التي امتدت إليهم بالخير إلى الموت!
فالكل باع الذي هو فوق كل قيمة، أو ثمن، بثمن فدية عبد، فكان هو ثمن الكراهية التي ملأت قلب يهوذا وقلب رئيس الكهنة!
بـاعـه يهوذا، لأن المسيح لم يخطب وده بوعود زائفة، ولم يحقق أحلامه وطموحه في أن يكون وزيرًا للمالية أو الخزانة في مملكته الخيالية! وباعه اليهود لأنه طارد أطماعهم، وهم يحولون بيت الله إلى مغارة لصوص، والدين إلى تجارة فاسدة!
ولا يزال المسيح إلى اليوم يباع في مدن الخيانة. قد لا يباع بفضة، أو ذهب، أو جنيهات قليلة. لكن يباع في سوق العمل، أو على مقعد القوة. يباع في خميلة الحظ، أو في مخدع الدنس!
ولا نزال نتذكر يهوذا، الذي ذهب إلى الليل الأبدي، بثيابه التي استعارت من العتمة القاتمة لونها، وتلوثت برائحة السرقة والخيانة، بدون رجاء؛ لأنه لم يتأثر بجمال وروعة البستان الذي اقتحمه بمشاعل ومصابيح وسلاح الأعداء، والذي يحتضن جنة حب وأمل، ويستقطب أكثر من أي بقعة من بقاع الأرض النفوس الأكثر طهارة وقدسية!، ولم ينتبه إلى ذراعيّ المسيح الممدوتين إليه كفروع الشجر، لمنعه من اقتراف قبلة الخيانة! ولم يهزه مشهد طالبيه، وهم يرجعون إلى الوراء، وسقوطهم على الأرض، عندما أعلن لهم عن ذاته، وقال: “إنّي أنا هو”! ولم يستفد من صبر المسيح، وحنانه، وحبه، وإشفاقه على أشر الخطاة، وأحط الأثمة، وحتى الثمن البخس الذي اقتناه تحول إلى نار في يده، فطرحه في الهيكل، ومضى وخنق نفسه، تاركًا وراءه مثالًا مرعبًا لأسوأ مصير لكل مَنْ يبيع مسيحه، أو يستبدله بمتاع أو بشهوة أرضية!…