في الذكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية.. وثيقة مسكونية جديدة… ونداء لمسيحيي العالم: “لنحيا نحو الوحدة”
في سابقة تاريخية … مصر تحتضن أكبر مؤتمر مسيحي عالمي بعد قرن بحضور 500 شخصية من 100 دولة
تغطية: د. ماريانا يوسف
في مشهد كنسي غير مسبوق منذُ قرن، احتضنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فعاليات المؤتمر الدولي السادس لمجلس الكنائس العالمي، والذي انعقد لأول مرة في ضيافة كنيسة شرقية، بمركز “لوجوس” بالمقر البابوي بدير الأنبا بيشوي في وادي النطرون، بمشاركة نحو 500 شخصية كنسية يمثلون أكثر من 100 دولة حول العالم، حول موضوع “إلى أين نتجه الآن نحو الوحدة المنظورة؟”
ولم تُعقد سوى خمسة مؤتمرات عالمية من هذا القبيل منذ المؤتمر الأول الذي انعقد في لوزان في عام 1927، والذي أدى إلى ولادة “حركة الإيمان والنظام”، وهي واحدة من المبادرات المسيحية التي أدت إلى تأسيس مجلس الكنائس العالمي في عام 1948.
والتقى حوالي 500 مشارك في هذا المؤتمر بالتزامن مع الذكرى السنوية الـ1700 لمجمع نيقية الأول، وهي لحظة حاسمة بالنسبة للكنيسة المسيحية.
ولعب الكرسي الرسولي للإسكندرية دورًا مهمًا في المناقشات التي أدت إلى تأسيس مجمع نيقية، وسعى القديس أثناسيوس، أسقف الإسكندرية، إلى حل الخلاف الآريوسي ويسر قبول العقيدة النيقية.
يُعد مجلس الكنائس العالمي من أبرز الهيئات المسكونية على مستوى العالم، حيث يضم في عضويته 356 كنيسة من أكثر من 120 دولة، ويمثل أكثر من 580 مليون مسيحي من الطوائف الأرثوذكسية والأنجليكانية والمعمدانية واللوثرية والميثودية والإصلاحية وغيرها.
ويهدف المجلس إلى تعزيز الوحدة المسيحية والتعاون بين الكنائس في مجالات العبادة والخدمة والعمل من أجل السلام والعدالة الاجتماعية، كما يشارك في جهود حماية البيئة والإغاثة الإنسانية.
ويُذكر أن الكنيسة القبطية عضو في مجلس الكنائس العالمي منذ عام 1954، وتشارك في لجانه المتخصصة ومنها لجنة الإيمان والنظام. ويضم المجلس أكثر من 315 كنيسة من أكثر من مئة دولة، تشكل فيها الكنائس الشرقية نحو 15% مقابل 85% للكنائس الغربية، وهو ما يجعل منح الصوت الشرقي مساحة أكبر من خلال هذا المؤتمر خطوة مهمة توازن المشهد المسكوني.
ويُعد هذا المؤتمر الحدث الأبرز في تاريخ العلاقات المسكونية الحديثة للكنيسة القبطية، إذ يأتي بعد سلسلة من اللقاءات الدولية التي استضافتها مصر خلال السنوات الأخيرة، منها اجتماع مجلس كنائس الشرق الأوسط عام 2022، ولقاءات الكنائس الأرثوذكسية العالمية عام 2024، وبطاركة الشرق الأوسط الأرثوذكس عام 2025.
مجلس الكنائس العالمي في سطور
يُعد المجلس منظمة مسكونية دولية تضم مئات الكنائس من مختلف أنحاء العالم، وتهدف إلى تعزيز وحدة الكنيسة المسيحية والشهادة المشتركة للمسيح والتعاون في الخدمة الإنسانية، كما يجمع المجلس بين الكنائس البروتستانتية والأرثوذكسية والأنجليكانية واللوثرية والمعمدانية والميثودية وغيرها، من أجل تنسيق الحوار اللاهوتي والعمل الإنساني والدفاع عن القضايا الأخلاقية والاجتماعية، إلى جانب برامج التعليم والتكوين المسكوني.
تعود جذور المجلس إلى الحركات المسكونية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خاصة مؤتمر الإرسالية العالمي في إدنبره عام 1910، بينما تأسس رسميًا عام 1948 خلال الجمعية العامة الأولى في أمستردام بهولندا، ومنذ ذلك الحين، يعقد المجلس جمعيات عامة دورية تُحدد سياساته وتوجهاته، ويضم اليوم أكثر من 350 كنيسة عضو تمثل مئات الملايين من المسيحيين حول العالم، وتشارك الكنيسة الكاثوليكية في المجلس بصفة مراقب وتساهم في العديد من الحوارات اللاهوتية المشتركة.
يقع المقر الرئيسي للمجلس في جنيف بسويسرا، ويديره الأمين العام القس البروفسور جيري بيلاي، ويعمل المجلس من خلال هياكل إقليمية تشمل أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، ومنطقة المحيط الهادئ، والشرق الأوسط، لتنسيق العمل المسكوني على المستويين المحلي والدولي.
مهام اللجان في المجلس
تنقسم أعمال مجلس الكنائس العالمي إلى عدد من اللجان المتخصصة، أبرزها لجنة الإيمان والنظام المعنية بالحوار اللاهوتي والعقائدي وصياغة الوثائق المشتركة حول وحدة الإيمان، ولجنة العدالة والسلام وحماية الخليقة التي تهتم ببناء السلام وحقوق الإنسان والعدالة الاقتصادية والبيئية والمساواة بين الجنسين، وقسم الدياكونية والخدمة المعني بالتنمية والعمل الإنساني، ومنه انبثقت منظمة تحالف الكنائس للعمل المشترك. كما يشمل المجلس قسم الإرسالية والروحانية والتعليم المسكوني وتنشئة الشباب من خلال برامج مثل المعهد اللاهوتي المسكوني العالمي.
ينظم المجلس أنشطة متنوعة تشمل عقد الجمعيات العامة العالمية، والحوار اللاهوتي بين الكنائس، والدعوة إلى السلام ونزع السلاح والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب العمل الإنساني والإغاثي، وبرامج تدريبية لتأهيل الشباب والقادة الكنسيين.
البابا تواضروس: الوحدة الحقيقية هي وحدة في الإيمان
ألقى البابا تواضروس الثاني في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر كلمة رحب في بدايتها بالمشاركين في المؤتمر المقام على أرض مصر في ضيافة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. كما ألقيت كلمات من قيادات المجلس ورؤساء وممثلي الكنائس الأعضاء في المجلس.
وفي كلمته قال قداسة البابا: “أرحِّب بكم جميعًا في مصر، وفي مركز لوجوس للمؤتمرات، في هذا المكان المقدس بدير القديس العظيم الأنبا بيشوي، في برية شيهيت المقدسة بوادي النطرون، والتي كانت مصدر إشعاع وإلهام للحياة الرهبانية، وألهمت العالم منذ القرن الرابع الميلادي”.
وأشار إلى أن مجمع نيقية كان له أثر بالغ في ترسيخ الأسس اللاهوتية للعقيدة المسيحية، حيث أكد على وحدة الجوهر الإلهي بين الآب والابن والروح القدس، ووضع حدًا للبدع التي انتقصت من إلوهية المسيح، وأسس لنموذجٍ جديدٍ في الحوار الكنسي المسكوني، إذ جمع أساقفة من شتى أنحاء العالم، وأرسى مبدأ أن الحق الإيماني يُحسم من خلال المجامع الجامعة لا الآراء الفردية.
وأكد أن مجمع نيقية المسكوني الأول يُعد من أهم الأحداث المفصلية في تاريخ الفكر المسيحي واللاهوت الكنسي، إذ شكَّل نقطة تحول في تحديد معالم الإيمان القويم وصياغة العقيدة الجامعة التي توارثتها الكنيسة عبر القرون.
ونوه إلى أن مؤتمر مجلس الكنائس العالمي يشكّل فرصة للتأمل في أمانة الكنيسة في حفظ الإيمان النيقاوي، وتأكيد رسالتها في عالم يشهد تعددية فكرية وثقافية.
وعن الدعوة إلى الوحدة بين الكنائس المسيحية، شدد قداسته على أن هدف الوحدة المسيحية هو هدف نبيل، معطيًا إجابة على السؤال الذي يُعد عنوانًا للمؤتمر: أين نحن الآن ومجمع نيقية والوحدة المنظورة؟ فقال: “نحن نؤمن أن الوحدة الحقيقية هي وحدة في الإيمان ويكون واقعها أن نكون في شركة كاملة في الأسرار الإلهية، “رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَ” (أف 4: 5)”
ونوَّه إلى أننا نؤمن أن الطريق إلى الوحدة ليس سهلًا، ولكن لن نصل إلى الوحدة إلا بالحوارات اللاهوتية.
وعن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، قال: “أدعوكم في هذا الوقت المبارك، وخلال وجودكم بيننا، أن تتعرفوا على كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، هذه الكنيسة العريقة التي تحمل إيمانها القويم وتراثها الآبائي العميق، إيمان قد رُوي بدماء الشهداء عبر الأجيال، وحُفظ بأمانة عبر العصور كوديعة مقدسة تسلمناها من الآباء الأولين”.
وعن مجيئهم إلى مصر، قال قداسة البابا: “إن مصر، بتاريخها العريق وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين، ما زالت تقدم للعالم شهادة حية عن الإيمان الثابت والمحبة الجامعة. ومن دواعي فخرنا وسرورنا أن نرحب بكم في كنيستنا القبطية وفي وطننا مصر، التي تتشرف باستضافة هذا الحدث الهام في مسيرة مجلس الكنائس العالمي”
واختتم: “إن اجتماعنا هذا يُعد علامة مضيئة تؤكد أن مصر، ومعها منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، ما زالت تشكل جسرًا حيًّا بين الكنائس، ومكانًا يحمل رسالة الرجاء والوحدة أمام أنظار العالم المسيحي أجمع”.
الكنائس التي شاركت
حضرت إلى وادي النطرون وفود تمثل تنوع العالم المسيحي:
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – المضيفة، برئاسة البابا تواضروس الثاني.
بطريركية الروم الأرثوذكس بالإسكندرية وسائر إفريقيا.
الكنيسة الأسقفية/الأنجليكانية لإقليم الإسكندرية.
الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر (سنودس النيل).
كنائس أرثوذكسية شرقية وغربية من روسيا واليونان ورومانيا وسيربيا.
كنائس بروتستانتية ولوثرية من أوروبا وأميركا وأفريقيا.
ومندوبون مراقبون من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تأكيدًا لروح الانفتاح على الحوار.
الرئيس السيسي: مؤتمر مجلس الكنائس العالمي يحمل دلالات عميقة على مكانة مصر
استقبل الرئيس السيسي وفد مجلس الكنائس العالمي برئاسة القس البروفيسور دكتور جيري بيلاي، الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي، وبحضور قداسة البابا تواضروس الثاني. وصرَّح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيس رحب بالوفد الزائر، معربًا عن تهنئته بنجاح المؤتمر السادس لمجلس الكنائس العالمي، الذي استضافته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في وادي النطرون، مؤكدًا أن انعقاد هذا المؤتمر في مصر، ولأول مرة في أفريقيا وآسيا منذ عام 1927، يحمل دلالات عميقة على مكانة مصر الروحية والتاريخية.
وأكد الرئيس تقديره العميق لقداسة البابا تواضروس الثاني ولدور الكنيسة المصرية الوطني والروحي، مشددًا على أن مصر، التي احتضنت العائلة المقدسة وكثيرًا من الرسل والأنبياء، ستظل دومًا أرض السلام والتسامح، وأن الدولة المصرية ملتزمة بصون حرية العبادة والعقيدة، وتعزيز الحوار بين المؤسسات الدينية بما يسهم في ترسيخ قيم التفاهم والتسامح.
أشاد الحضور بتجربة التعايش المصري بين الكنيسة والدولة والمجتمع، معتبرين أن مصر تقدم للعالم نموذجًا عمليًا لحوار الحياة اليومية.
فالمسيحية هنا، كما وصفها أحد الأساقفة، “تتنفس الأمان، وتتكلم بلهجة الوطن.”
كما أتاح انعقاد المؤتمر في مصر فرصة نادرة لوفود الكنائس الغربية للتعرف على اللاهوت الشرقي القبطي، بما يحمله من عمق روحي وتجربة نسكية تفتقر إليها الحداثة الغربية.
الكنيسة الإنجيلية: صوت نيقية ما زال يدعونا لأن نحيا الإيمان المشترك
أعرب القس رفعت فتحي، الأمين العام لـ “سنودس النيل الإنجيلي”، عن سعادته بانعقاد هذا الحدث المسكوني التاريخي على أرض مصر العريقة، مؤكدًا أن انعقاد المؤتمر في مصر يحمل رمزية روحية وتاريخية عميقة.
وأكد القس رفعت فتحي أن انعقاد المؤتمر في هذه اللحظة التاريخية يُعيد إلى الأذهان روح مجمع نيقية الذي اجتمع فيه الآباء الأوائل في محبة ليعلنوا إيمانهم الواحد بالمسيح، مشددًا على أن “وحدة الكنيسة ليست مجرد نقاش لاهوتي، بل هي شهادة حية للمسيح أمام العالم”.
وأضاف بأن صوت نيقية ما زال يدعونا لأن نحيا الإيمان المشترك، ونصون الشهادة الواحدة، ونعلن أن المسيح هو رب واحد وإله واحد ومخلّص واحد.
وفي كلمته، عبَّر القس رفعت فتحي عن فخر الكنيسة الإنجيلية في مصر بالمشاركة في هذا الحدث العالمي، مؤكدًا أن الكنيسة تؤمن بالحوار والخدمة، وتعتبر أن “الوحدة لا تُفرض بل تُبنى بالمحبة والثقة، والإيمان لا يكتمل إلا إذا صار عملًا وعدلًا وسلامًا”.
وشدد على أن الوحدة المسيحية لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تقديس التنوع بالمحبة والاحترام المتبادل، مضيفًا أن “الوحدة ليست تماثلًا، بل تناغم بين أعضاء الجسد الواحد، حيث يعمل كل عضو ليخدم الآخر ويُظهِر وجه المسيح في العالم”.
واختتم القس رفعت فتحي كلمته بالدعاء أن تكون أيام المؤتمر المباركة فرصة لتجديد الالتزام بوحدة الكنيسة وتعميق الشركة بين الطوائف المسيحية المختلفة، مشيرًا إلى أن مصر – أرض الكنانة – كانت وستظل جسرًا بين الشرق والغرب، وبلد الإيمان والسلام.
وقال في ختام كلمته: “فلنتحد في الإيمان، ونتقدّم في المحبة، ونحيا المسكونية شهادة حية للوطن عن المسيح الواحد”.
الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي: المؤتمر يهدف إلى إيجاد طريق مشترك لنا جميعًا
أشار الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي، القس البروفيسور الدكتور جيري بلاي، إلى أن المؤتمر يهدف إلى إيجاد طريق مشترك لنا جميعًا.
وتسأل بلاي: “كيف يمكننا أن نجري هذه المناقشات حول العقيدة والقضايا التي ربما قد أدت إلى انقسام المسيحيين على مر القرون؟ وكيف يمكننا أن نجد طريقًا مشتركًا لنا جميعًًا؟ في هذه اللحظة التي نلتقي فيها هنا في مصر، تستضيفنا الكنائس الأرثوذكسية والكنائس الأعضاء الأخرى في المنطقة، ونحن ممتنون للغاية على حسن الضيافة الرائعة هذه من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي منحتنا البركة بالفعل، وبطرق عديدة ومختلفة، وقدمت لنا فرصة جيدة للالتقاء في هذا المكان الرائع”.
رئيس لجنة الإيمان والنظام القس ستيفاني ديتريش: حوارنا اللاهوتي بهدف البحث عن وحدة منظورة
وبدورها، أشارت القس البروفيسور الدكتورة ستيفاني ديتريش، رئيس لجنة الإيمان والنظام، إلى أن لجنة الإيمان والنظام لمجلس الكنائس العالمي هي أوسع لجنة لاهوتية موجودة على وجه الأرض، وتضم لاهوتيين من جميع التقاليد ومن جميع أنحاء العالم. وقالت: “إننا نجري حوارًا لاهوتيًا بهدف البحث عن وحدة منظورة، وهذا أيضًا، كما ترون، هو الموضوع الرئيسي لاجتماعنا هنا في هذا المؤتمر العالمي”.
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط: المسيحية تدور حول التكاتف معًا بغض النظر عن طوائفنا
نوَّه الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور الدكتور ميشال عبس إلى أن مصر مكان رمزي للغاية لأنها هي المكان الذي لجأت إليه العائلة المقدسة عندما تعرضت للاضطهاد. وقال: “المسيحية تدور حول التكاتف – البقاء معًا والحوار والمناقشة، وما إلى ذلك، بغض النظر عن توجهاتنا اللاهوتية أو طوائفنا. أشكر الله على هذا الحدث؛ فليباركه الله”.
وشدد على أن “الوحدة المسيحية ظاهرة أكثر مما نعتقد، فالمسيح واحد ونحن واحد، وباسمه نحتفل بالحياة والخلاص”.
وقال عبس: “المسيحيون يتقبلون بعضهم البعض بغض النظر عن اختلافاتهم. نحن في الواقع واحد والوحدة موجودة، وما نحتاجه فقط هو معرفة كيف نعيشها” .
ممثل الكنيسة الأرثوزكسية الأنبا أبراهام: الوحدة المسيحية لها مساران هما التعاون والحوار
قال الأنبا أبراهام، ممثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: “أعتقد أن الوحدة المسيحية لا بد أن تتطور على مسارين رئيسيين: التعاون والحوار. المسار الأول يتلخص في التعاون ـ اللقاء، والحوار، والعمل معًا”.
وأشار إلى أن العديد من الكنائس، خاصةً الحديثة منها، ليست على دراية جيدة بتراث الآخرين، خاصةً التراث الأرثوذكسي، حيث تمثل الكنائس الأرثوذكسية نحو 25% من العضوية في مجلس الكنائس العالمي.
ويقول الأسقف أبراهام: “غالبًا ما يميزنا الناس عن طريق ملابسنا أو طقوسنا، ولكنهم قد لا يفهمون حقًا لاهوتنا أو حياتنا الروحية. فنستطيع من خلال التعاون -زيارة بعضنا البعض، والدراسة معا، وبناء العلاقات- تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل”.
أما المسار الثاني فيسميه الأسقف أبراهام “الحوار”، وتحديدًا الحوار اللاهوتي العميق. وأوضح قائلًا: “منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، انخرطت الكنيسة القبطية في حوارات مع الكنائس الأنجليكانية والكنائس الإصلاحية، بالإضافة إلى غيرها من العائلات الأرثوذكسية. وتساعدنا هذه الجهود في تحديد نقاط الاشتراك في الإيمان وتوضيح مكامن الاختلاف، كما فعلنا مع اتفاق عام 1989 بشأن المسيح”.
ويعتقد الأسقف أنه إذا نجحت الكنائس في الجمع بين التعاون والحوار، فإنها لن تبني زمالة رمزية فحسب، بل وأيضًا وحدة لاهوتية حقيقية.
واقترح قائلًا: “يتعين علينا أن نعود إلى الجذور. إن الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة تقليدية إلى حد كبير – أي أنها تستند إلى الكتاب المقدس، واللاهوت، وحياة الكنيسة. والطقوس والتقاليد ليست مجرد عادات؛ بل إنها تحمل معاني روحية وعقائدية”.
وقال الأسقف: “لقد ظلت خلافتنا الرسولية بلا انقطاع – من القديس مرقس إلى البطريرك الحالي، الخليفة الـ118، وهذه الاستمرارية هي شهادة حية لإيماننا وتقاليدنا. إن مثل هذا الإرث المتواصل يمكن أن يثري الحوار المسكوني، ويذكِّرنا بأن الوحدة المنظورة لا تتعلق بالاتفاق على عقيدة فحسب، بل تتعلق بفهم ما تعنيه هذه العقيدة في الممارسة العملية”.
البيان الختامي للمؤتمر السادس للإيمان والنظام – وادي النطرون، مصر (2025)
دعوة إلى جميع المسيحيين: «لنحيا الوحدة التي صلّى من أجلها المسيح»
«لنسعَ إلى أن نحيا الوحدة التي صلّى من أجلها المسيح، حتى يؤمن العالم ويختبر عطايا الله في الشفاء والعدالة والحياة الوافرة.»
نحن، المشاركين في المؤتمر السادس للإيمان والنظام المنعقد في وادي النطرون بمصر، نوجّه هذه الدعوة إلى جميع الكنائس في العالم:
أن تجدّد التزامها بالإيمان والرسالة والوحدة في المسيح يسوع.
ندعو الجميع أن نصغي معًا إلى الروح القدس، وأن نسير كحجّاجٍ معًا، أبناءً للآب، نتعلّم كيف نحيا إيماننا ورجاءنا ومحبّتنا في واقع الحياة، وفي ممارسة العدل والمصالحة والوحدة.
من الكلمة إلى الفعل
نلتزم بأن نحمل ثمار صلواتنا وحواراتنا إلى كنائسنا ومجتمعاتنا، فنحوّل الكلمات إلى شهادة حيّة وأعمال ملموسة تعبّر عن الإيمان بالمسيح.
إنّ الإيمان المسكوني لا ينتهي عند أبواب المؤتمرات، بل يجب أن يصل إلى المقاعد في الكنائس، وإلى شوارع العالم، وإلى حياة الناس، وإلى أماكن الحاجة والظلم.
شكر وامتنان
نعبّر عن امتناننا العميق لقداسة البابا تواضروس الثاني وللكنيسة القبطية الأرثوذكسية لاستضافتها هذا المؤتمر بروحٍ من الضيافة العميقة والقداسة، ولأنها أعادتنا إلى تراث مجمع نيقية وإلى الشهادة الرهبانية التي تميز أرض مصر منذ قرون.
من أجل وحدة منظورة
نسأل أنفسنا السؤال الذي شكّل محور المؤتمر: «إلى أين تمضي الوحدة المنظورة؟»
ونلتزم بأن نواصل المسير معًا من أجل تحقيق وحدة منظورة في الإيمان والرسالة وحياة الكنائس والعالم.
نؤمن أن الوحدة التي صلّى لأجلها الرب يسوع (يوحنا 17: 21) ليست فكرة لاهوتية فحسب،
بل هي نداء روحي ورسالة إنسانية تُترجم في حياة الكنائس وشهادة المؤمنين في كل مكان.
ختام
بنعمة الله، نغادر وادي النطرون حاملين معنا نور الصحراء وصوت الصلاة، عازمين على أن يكون هذا المؤتمر بداية جديدة لمسيرة الوحدة، حيث تتحوّل الكلمات إلى محبة، والحوار إلى خدمة، والإيمان إلى شهادة حيّة للعالم.
«الوحدة ليست حلمًا مؤجَّلًا، بل طريقًا نسير فيه معًا، حتى يرى العالم وجه المسيح في تنوّعنا المتصالح ووحدتنا في الروح».