في تحذير هو الأشد منذ ما يقرب من ثمانية عقود، أعلنت نشرة علماء الذرة تحريك ساعة القيامة إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب توقيت تصل إليه الساعة منذ إنشائها، في إشارة رمزية إلى اقتراب البشرية من مخاطر وجودية غير مسبوقة.
وجاء الإعلان خلال اجتماع عام في واشنطن العاصمة، شارك فيه جون وولفستال، مدير قسم المخاطر العالمية في اتحاد العلماء الأمريكيين، وآشا جورج، المديرة التنفيذية للجنة الحزبية للدفاع البيولوجي، وستيف فيتر، أستاذ السياسة العامة والعميد السابق بجامعة ميريلاند. وفي 27 يناير 2026، أكدت ألكسندرا بيل، الرئيسة والمديرة التنفيذية للنشرة، القرار رسميًا، واصفة الرسالة بأنها “أوضح وأخطر تحذير حتى الآن”.
تحذير لا تنبؤ
لم يُقدَّم الإعلان بوصفه حدثًا استعراضيًا، بل جاء بنبرة هادئة وحاسمة. شدد أعضاء مجلس العلوم والأمن التابع للنشرة، والذي يضم علماء وخبراء سياسات وحائزين على جائزة نوبل، على أن الساعة لا تتنبأ بنهاية العالم، ولا تمثل عدًّا تنازليًا حرفيًا، بل هي مؤشر رمزي يقيس مدى اقتراب البشرية من الدمار الذاتي نتيجة أفعالها.
وأكد العلماء أن منتصف الليل ليس قدرًا محتومًا، بل تحذير قابل للفهم والتدارك، إذا توفرت الإرادة السياسية والتعاون الدولي.
ما هي ساعة القيامة؟
تعود فكرة ساعة القيامة إلى تصور تاريخي رمزي يقيس عمر الأرض لو ضُغط في عام واحد، حيث لا يظهر الإنسان إلا في اللحظات الأخيرة من ليلة رأس السنة. هذا الإدراك لقصر وجود البشرية مقارنة بتاريخ الكوكب دفع علماء ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى التحذير من أن مستقبل الإنسان قد يُقاس بـ“دقائق مجازية” تفصله عن الكارثة.
ومن هنا، وُلدت ساعة القيامة كمؤشر رمزي لا يقيس الوقت المتبقي، بل مستوى الخطر العالمي الناتج عن التهديدات النووية، والتغير المناخي، والتقنيات الخارجة عن السيطرة.
من هيروشيما إلى غلاف مجلة
نشأت الساعة من صدمة استخدام السلاح النووي. ففي عام 1939، حذر ألبرت أينشتاين وليو زيلارد من خطورة الانشطار النووي، وبعد ست سنوات دُمِّرت هيروشيما وناجازاكي. وقد صُدم حتى العلماء المشاركون في مشروع مانهاتن من سرعة تحوّل الاكتشاف العلمي إلى أداة دمار شامل.
وفي عام 1945، أسس هؤلاء العلماء نشرة علماء الذرة بهدف توعية الرأي العام. وبعد عامين، صممت الفنانة مارتيل لانجسدورف غلافًا أصبح أيقونيًا: ساعة تقترب عقاربها من منتصف الليل، في إشارة إلى أن الوقت ينفد، لكنه قابل للتراجع.
كيف تُضبط عقارب الساعة؟
ضُبطت الساعة لأول مرة على سبع دقائق قبل منتصف الليل. وفي عام 1949، ومع أول اختبار نووي سوفيتي، تقدمت إلى ثلاث دقائق. ومنذ ذلك الحين، لم تعد رمزًا ثابتًا، بل انعكاسًا للتغيرات البنيوية في النظام العالمي.
ولا تتحرك الساعة مع كل أزمة؛ فعلى سبيل المثال، لم تؤدِّ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 إلى تغيير التوقيت، لأن الساعة تقيس الهياكل طويلة الأمد لا اللحظات العابرة. في المقابل، أدت معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية عام 1963 إلى إرجاع العقارب خمس دقائق، في دلالة على أهمية الاتفاقات المؤسسية.
إعلان 2026: المخاطر تتزايد والتعاون يتراجع
أوضح مجلس العلوم والأمن أن تحريك الساعة إلى 85 ثانية يعكس نمطًا متراكبًا من التدهور، لا أزمة واحدة. فقد كانت الساعة عند 89 ثانية في يناير 2025، لكن استمرار تصاعد المخاطر في مجالات متعددة دفع إلى تقريبها أكثر.
وقالت ألكسندرا بيل إن العالم يمتلك اليوم أعلى مستويات المعرفة والقدرات التكنولوجية، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية لإدارة نتائجها. وأضافت أن التشرذم الدولي حلّ محل التعاون، في وقت تتطلب فيه المخاطر استجابة جماعية.
وحذّر دانيال هولز، رئيس مجلس العلوم والأمن، من تصاعد الأنظمة القومية الاستبدادية، مؤكدًا أنها تقوض عناصر أساسية لإدارة المخاطر الوجودية، مثل الشفافية والثقة والتعاون. كما رأت الصحفية الحائزة على نوبل ماريا ريسا أن العالم يواجه “كارثة معلوماتية”، حيث تنتشر المعلومات المضللة أسرع من الحقائق، ما يجعل التوافق على حلول مشتركة شبه مستحيل.
لماذا اقتربت الساعة؟
استند قرار 2026 إلى أربعة محاور رئيسية:
أولًا: الأسلحة النووية
عاد الخطر النووي بقوة إلى الواجهة. فالدول النووية توسع وتحدث ترساناتها، وتُضعف اتفاقيات الحد من التسلح، في ظل تراجع الحوار بين القوى الكبرى.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي
لم يعد خطر الذكاء الاصطناعي نظريًا، بل بات مرتبطًا بأنظمة القيادة النووية والبحوث البيولوجية. ويحذر العلماء من دمجه في قرارات عسكرية دون أطر حوكمة واضحة.
ثالثًا: التهديدات البيولوجية
كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة أنظمة الاستجابة العالمية. ومع تطور البيولوجيا التركيبية والبحوث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تزداد المخاطر في ظل ضعف التعاون الدولي.
رابعًا: تغير المناخ
يُعد تغير المناخ عاملًا مضاعفًا للأزمات، رغم توفر حلول تقنية فعالة. غير أن غياب الالتزام السياسي يعرقل خفض الانبعاثات ويزيد عدم الاستقرار العالمي.
بين الأمل والتراجع
شهد تاريخ الساعة لحظات أمل حقيقية، أبرزها بين عامي 1987 و1991، حين تراجعت العقارب 14 دقيقة بفضل معاهدات الحد من التسلح. لكن هذا التقدم لم يستمر، إذ تراجعت الجهود الدولية، وظهرت تهديدات جديدة تفوق قدرة الحوكمة الحالية.
ومنذ عام 2017، ظلت الساعة قريبة بشكل خطير من منتصف الليل، مع تقلص هامش الخطأ وازدياد المخاطر.
الرسالة النهائية
لا تحذّر ساعة القيامة من خطر سلاح أو تقنية بعينها، بل من فشل الحوكمة الإنسانية. فهي لا تتقدم عندما تُخترع أدوات خطيرة، بل عندما يعجز العالم عن إدارتها جماعيًا.
ويؤكد العلماء أن إعلان 2026 لا يعني نهاية حتمية، بل دعوة عاجلة لإعادة بناء التعاون الدولي، وضبط التسلح، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في المناخ، وتعزيز الاستعداد البيولوجي.
يبقى السؤال، كما كان دائمًا:
هل ستصغي البشرية إلى التحذير قبل أن تصل العقارب إلى منتصف الليل؟