تحقيق: د. ماريانا يوسف
تطرقت بعض الأعمال الدرامية المصرية الأخيرة إلى ما يتعرض له الرجل من متاعب على يد زوجته أو بسبب تعقيدات العلاقة بينهما، عندما تنشب خلافات ويحدث الطلاق. وجاءت هذه المعالجة على خلاف طريقة التناول التي سادت في مواسم سابقة، حيث كانت أغلب القضايا التي تم التطرق إليها تتعلق بتعرض المرأة لظلم شديد على يد الرجل، قبل الطلاق وبعده.
وبدت المعالجة العكسية في الأعمال الأخيرة مقصودة، لأن المشرفين على الدراما أرادوا عدم إظهار انحيازهم للمرأة، وتناول قضايا الزواج والطلاق من زواياها المختلفة، وإثارة جدل حول قانون الأحوال الشخصية في مصر، المنتظر مراجعته ليصدر خاليًا من الثغرات التي يمكن أن يستغلها الرجل أو المرأة في تأكيد الأحقية في الملفات المثارة.
ومن أبرز الأعمال التي عُرضت مؤخرًا، وتطرقت إلى ما يتعرض له الرجل من اضطهاد: “أب ولكن” بطولة محمد فراج، و”كان ياما كان”، و”بابا وماما جيران”، و”المتر سمير”، إلى جانب أعمال أخرى لا تخلو من مقاربات تتقاطع مع تلك القضايا التي تلقي بظلالها على مظلومية الرجل.
أما في الأعوام السابقة، فقد ركزت الدراما على مظلومية المرأة والطفل في أعمال أخرى مثل “تحت الوصاية”، و”لعبة نيوتن”، و”برغم القانون”، حيث أحدثت في حينه حراكًا حول المشكلات التي تتعرض لها المرأة، وتحركت منظمات نسوية عديدة معنية بمتابعتها والبحث عن حلول ناجزة لها.
ولكن، كما قال “المتر سمير” (كريم محمود عبد العزيز) في أحد المشاهد: إن المرأة لها جمعيات حقوقية، وكذلك الطفل، وحتى الحيوان، أما الرجل فليس له جمعية تدافع عنه وعن حقوقه؟!
السيسي يشيد بمستوى الأعمال الفنية وتأثيرها على الأسرة المصرية
أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسي بمستوى الأعمال الفنية والبرامج في الموسم الدرامي الرمضاني، وتأثيرها على الأسرة المصرية.
وقال، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، إنه لمس خلال هذا العام بعض التقدم الإيجابي على هذا الصعيد.
وطالب بالمزيد من هذا التوجه البنّاء في الأعمال التي تُقدَّم للشعب، لتكون مرآة لقيمه الراسخة، وتجسيدًا لوعيه الحضاري، وإسهامًا فاعلًا في بناء وجدان وطني يليق بمصر ومكانتها، ويعكس رسالتها الثقافية الممتدة عبر العصور.
وكان السيسي قد انتقد، في نوفمبر الماضي، الدراما المصرية، معتبرًا أنها تسببت في ارتفاع نسب الطلاق، من خلال تقديم صور غير واقعية تُروَّج حول مستوى المعيشة والحياة الأسرية، معتبرًا أن هذا المحتوى ساهم، على مدار عقود، في خلق فجوة خطيرة بين الواقع والخيال لدى الجمهور، لا سيما السيدات.
وبدا أن القائمين على الدراما الرمضانية في مصر التقطوا الخيط، حيث شهد الموسم الدرامي لهذا العام أعمالًا تناولت الخلافات الأسرية، لكنها ركزت معظمها على استغلال الأطفال من جانب المرأة في الخلافات، كمنع الأب من رؤية أطفاله، مثل مسلسلات «أب ولكن، وكان ياما كان، والمتر سمير”.
ويرى مراقبون أن هذه الأعمال تمثل مؤشرًا على نية الدولة لتغيير قانون الأحوال الشخصية، الذي يواجه جدلًا خلال الأعوام السابقة، ويسعى مجلس النواب لتعديل بعض مواده، خاصة ما يتعلق بترتيب الأب في حضانة الأطفال، حيث يحل الأب في القانون الحالي في مرتبة متأخرة، بعد الأم والجدات وشقيقات الزوجة وشقيقات الزوج، إضافة إلى ما يتعلق بحق الرؤية والاستضافة وسن الحضانة، حيث تطالب بعض الجمعيات والآباء المتضررون من القانون الحالي بتعديلات للسماح باستضافة الأطفال بدلًا من الاكتفاء بالرؤية لساعات محدودة أسبوعيًا.
بعد عقود من “الرجل الشرير”.. الدراما تفتش في “وجع الرجال” المنسي خلف أسوار المحاكم
أب ولكن
تعرض العمل لبعض المشكلات التي تواجه الأسرة، في إطار السعي إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بهدف إصدار قانون متوازن يحمي حقوق جميع الأطراف، ويضع مصلحة الطفل الفضلى فوق كل اعتبار، ويحقق العدالة ويحفظ مكتسبات الأسرة.
وأشار البيان الصادر عن أسرة عمل المسلسل إلى أن حق الطفل في الرعاية المشتركة وحمايته من النزاعات يمثل أولوية قصوى لا يمكن التنازل عنها، مؤكدًا أن حرمان الطفل من أحد والديه أو امتناع الأب عن النفقة عليه يُعد جريمة وفق القانون، مشددًا على الالتزام بقيم العشرة والإحسان حتى في حال الانفصال.
وجاءت أهم القضايا المتعلقة بقانون الرؤية للأطفال، وأزمة “القايمة”، والتمكين من المسكن، إلى جانب التعنت من بعض الزوجات في الرؤية، كسلوك خاطئ وما له من تأثير على الصحة النفسية للأطفال.
ويعاني قطاع كبير من الرجال من تلك الأزمات في الحياة ما بعد الطلاق، ويسلط المسلسل الضوء على تلك الزاوية التي تخص الرجال، وهي من المرات النادرة التي يناقش فيها عمل فني ما يواجهه الرجل من ضغوط من بعض قوانين الطلاق وما بعده.
المتر سمير
يستعرض المسلسل أروقة محكمة الأسرة في إطار كوميدي اجتماعي مستوحى من وقائع واقعية، حيث تتقاطع النزاعات القانونية مع الأبعاد الإنسانية للعلاقات، ويطرح العمل تساؤلات حول حدود المناورة القانونية والثمن الإنساني للنزاعات الأسرية.
ويناقش العمل إشكاليات قانون الأسرة من منظور درامي، مسلطًا الضوء على الفجوة بين النصوص القانونية والتحولات الاجتماعية، مع الاعتماد على مراجعات قانونية وتجارب واقعية لضمان مصداقية الطرح، دون الابتعاد عن الطابع الكوميدي.
بابا وماما جيران
يسلط العمل الضوء على المشكلات العائلية اليومية، مقدمًا إياها للجمهور في قالب خفيف يمزج بين الدراما والكوميديا، ما يجعله قريبًا من واقع الكثير من العائلات العربية.
ويبرز قضية حساسة ومهمة تمثلت في تداعيات الطلاق على الصحة النفسية للأطفال. فبعد الخلافات التي واجهها كل من الزوجين، والتي انتهت بالطلاق، بدأت آثار هذا الانفصال تنعكس تدريجيًا على طفليهما. وقد شهدت الأحداث الأخيرة لجوء الأهل إلى طبيب نفسي، بعدما لاحظوا تغيرًا واضحًا في سلوك طفليهما، وخصوصًا نجلهما يوسف، الذي يجسد دوره الطفل جان رامز.
فقد لفت نظر الأهل إهمال يوسف لدراسته وتراجع أدائه بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، ما دفعهم إلى البحث عن تفسير لما يمر به. لذلك افتُتحت الحلقة التي عُرضت مؤخرًا بمشهد يجمع الطفلين جان رامز ودالا حربي داخل عيادة المعالج النفسي، في خطوة تعكس إدراك الأهل لضرورة التعامل مع الأمر بجدية.
وهذه المشكلة ليست بعيدة عن الواقع، إذ تُعد من الظواهر الشائعة في المجتمعات العربية. فمع تزايد نسب الطلاق، تتزايد أيضًا الضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال، خاصة عندما يغيب الوعي الكافي لدى بعض الأهل حول كيفية مرافقة الطفل في هذه المرحلة الحساسة من حياته. وغالبًا ما يتفاقم الوضع عندما يشهد الطفل الخلافات والمشاجرات بين والديه بطريقة لا تتناسب مع عمره.
كان ياما كان
مسلسل «كان ياما كان» لا يحكي قصة طلاق عادي، ولا يقدم دراما خلافات أسرية تقليدية، بل يحكي وجع أب، ويحكي لحظة انكسار رجل كان يومًا ما زوجًا، ثم أصبح فجأة خصمًا في قضية. من خلال شخصية الدكتور مصطفى، التي يقدمها ماجد الكدواني بحساسية شديدة، نرى رجلًا يختار الانسحاب بهدوء بعدما تصر زوجته، وبدون أي أسباب مقنعة، على الطلاق. يترك الشقة والأثاث، ويترك كل شيء تقريبًا إلا ابنته، لكن المفارقة القاسية أن ما تركه طوعًا لا يشفع له أمام ما يُنتزع منه قسرًا، ليتفاجأ بمحضر تبديد قائمة منقولات، رغم أنه لم يمس شيئًا، ويتحول من أب يحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الود، إلى متهم يُستدعى إلى أقسام الشرطة والمحاكم.
ليست القضية هنا قضية «قايمة المنقولات» بل كرامة، ليست أوراقًا بل صورة رجل يُراد له أن يُهان. لكن الألم الأكبر لا يأتي من المحاضر بل من الباب المغلق، حيث يحصل على حكم رؤية، ويذهب في الموعد، وينتظر ويترقب لحظة أن يرى فرح تركض نحوه، لكن الحيلة جاهزة، والشهادة الطبية المزورة حاضرة، واللقاء يُلغى. وهكذا، ببساطة، يتحول القانون من وسيلة لحماية الحق إلى أداة لتأجيله.
العمل لا يُبرئ الرجل على إطلاقه، ولا يدين المرأة بالمطلق، لكنه يضع إصبعه على جرح مسكوت عنه طويلًا؛ فليس كل زوج شريرًا، وليست كل زوجة ضحية، وأحيانًا يكون الانتقام أقوى من الحكمة وأقسى من الرحمة.
وهنا تظهر شخصية أم الزوجة في صورة «الحما العقربة» التي لا ترى في الطلاق نهاية علاقة، بل بداية معركة، تدبر، وتحرض، وتوجه، والابنة تسير خلفها، لا لأنها شريرة بالضرورة بل لأنها ضعيفة. ضعف الشخصية هنا لا يقل خطورة عن القسوة. وفي قلب هذه الحرب تقف فرح، طفلة لا تفهم المحاضر ولا تعي نصوص القانون، لكنها تشعر؛ تشعر أن أباها يقل حضوره، وتشعر أن الكلمات عنه تغيرت، وتشعر أن المسافة تكبر. فالمسلسل يفضح أخطر ما في الصراعات الأسرية، حين يتحول الطفل إلى سلاح، وحين يُستخدم الحب وسيلة ضغط، وحين تُزرع الشكوك في قلب صغير لم يختر أن يكون طرفًا في النزاع.


