الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
نعم! إن الكنيسة هي الوسيلة التي أوجدها الله في العالم ليتمم قصده من خلالها.. إنه يريد أن يصلح العالم بواسطتها ويصالح العالم لنفسه.. قال أحدهم: “إن الله أوجد الكنيسة في العالم ليحول العالم إلى كنيسة.” إنه يريد أن يستخدمها ليسترد من خلالها الإنسان الساقط في الخطية، ويعيده مرة أخرى إلى صوابه وإلى إلهه.
حقًا! الكنيسة هي الوسيلة المعينة من الله لنشر الإنجيل، وهي أداة الله في الأرض التي يعبر من خلالها عن نفسه للعالم. فالكرازة هي الدور الأول والرئيسي للكنيسة.
أجل! لقد كان الهدف من موت المسيح وقيامته أن يكون الخلاص متاحًا لكل العالم، وقد أتم الرب يسوع هذه المهمة على أكمل وجه، ثم أعطى الكنيسة مسؤولية الإعلان والتبشير بها. ولهذا قال لتلميذي عمواس: كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، مبتدأ من أورشليم. وأنتم شهداء لذلك.” (لو24: 45-47).
ولقد أوصى تلاميذه قائلاً: اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.” (مر16:15). (انظر أيضًا 1كو9:16؛ 2تي4:2).
ولكي نكون وكلاء أمناء على الكرازة بالإنجيل، علينا أن ندرك بعض الأمور:
أولًا: الكرازة تكليف وتشريف
إنه امتياز لا يعادله امتياز لكل شخص أن يقبل دعوة الكرازة ويكون وكيلًا على الكرازة بالإنجيل. تاج على رؤوسنا، ووسام على صدورنا أن نعمل في حقل الرب. نشعر بالفخر عندما نعمل بجوار شخصية مرموقة، فكم بالحري عندما نعمل مع ملك الملوك ورب الأرباب! فمكتوب عن التلاميذ: “وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة (مر16:19).
نعم! لا يوجد شخص حفر اسمه في التاريخ لمجرد أنه كان يمتلك رصيدًا كبيرًا من المال… كل الذين حفروا أسماءهم في التاريخ هم أصحاب الرسالة. فكم كان يمتلك إيليا، إليشع، عاموس، هوشع، بطرس، بولس، الأم تريزا، أو لليان تراشر؟ هل تقبل هذا الامتياز؟!
حقًا! إنه امتياز لأنك ستتمتع بأعظم وعد، عندما قال الرب يسوع: “وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.” (مت28:20). لم يكن هذا الوعد لكل الناس وفي كل العصور، إنه وعد للكارزين. فالآية السابقة لهذا الوعد مباشرة هي: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28:19). ثم يأتي الوعد ويبدأ بكلمة “وها” (حرف العطف) الذي يبين قوة الارتباط بين الكرازة ووعد المعية. وهناك عشرات، بل مئات الوعود بالبركة والسعادة لكل من يكون وكيلًا أمينًا في الكرازة.
ثانيًا: معنى الكرازة
عندما نقول “الكرازة بالإنجيل”، عادة ما ترتبط كلمة “الإنجيل” في أذهاننا بكتاب، ويتجه التفكير إلى إنجيل متى، مرقس، لوقا، يوحنا، أو العهد الجديد كله. ولكن هذا غير صحيح لمفهوم كلمة الإنجيل، فهي لا تشير إلى الكلمة المكتوبة، بل إلى العمل الإلهي الذي قام به الله في المسيح يسوع. فالإنجيل هو إنجيل المسيح، وليس إنجيل متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. ولعل هذا ما يؤكده الرسول بولس في: “قد أَكملت التبشير بإِنجيل المسيحِ.” (رو15:19) (انظر 2كور2:12؛ إنجيل ربنا يسوع 2كو4:4؛ إنجيل نعمة الله، أع 24: 20).
الشخص الذي كان يصنع صلحًا وسلامًا بين اثنين متخاصمين، أو بين عائلتين متنازعتين، أو بين بلدين متحاربتين، كان يُطلق عليه:
1- “كارز”. واليوم، المؤمن يطلق عليه “كارز”تصالحوا مع اللهِ!” (2 كورنثوس 5:20).
فلقد أعطانا خدمة المصالحة، فكم من أناس في خصام مع نفسها، ومع غيرها، ومع إلهها، وفي احتياج شديد إلى كارز ينادي لها بالمصالحة!
2- المروج لسلعة ما: الشخص الذي كان ينادي ويعلن عن بيع سلعة معينة كان يُطلق عليه “كَارِز”. والمؤمن اليوم “كارز” يعلن عن أغلى وأجمل وأهم سلعة في الوجود: عن محبة الله وخلاص الرب. فيعلن قائلًا: “اليوم، إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم… فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم، لكي تاتي اوقات الفرج من وجه الرب.” (أع3:15، 19).
ثالثًا: سمات الوكيل الأمين
الوكيل الأمين على الكرازة بالإنجيل يجب أن يتسم بعدة سمات، أذكر منها:
أ. صاحب قلب ملتهب على الخطاة، فنرى على صفحات الوحي المقدس عدة صور تؤكد لنا هذا المعنى. ففي: (مز119:136) “جداول مياه جرت من عيني، لأنهم لم يحفظوا شريعتك”، وهنا نرى المرنم يبكي كثيرًا على الذين لم يحفظوا في قلوبهم شريعة الله. فالحقيقة أن الخطية تبعدنا عن كلمة الله، ولكن كلمة الله تبعدنا عن الخطية. ومن يحفظ كلمة الله، تحفظه كلمة الله، وينكسر من يكسر وصايا الله.
ويسجل (عز9:3) عندما سمع أن “الزرع المقدس (شعب الله) قد اختلط بشعوبِ الأَرْضِ”، يقول: “مزقت ثيابي وردائي ونتفت شعر رأسي وذقني وجلست متحيرًا.” لقد شعر عزرا بالحزن العميق والألم الرهيب وهو يرى شعب الرب يختلط بالشعوب الأخرى، يشاكلهم ويشابههم، وأضحى لا يختلف عنهم.
وهل ننسى نحميا عندما سمع أن شعب الرب في شر عظيم وعار، مكتوب: “فلما سمعت هذا الكلام جلست وبكيت ونحت أيامًا، وصمت وصليت أمام إله السماء.” (نح1:4).
وكذلك يقول أرميا: “يا ليت رأسي ماء، وعيناي ينبوع دموع، فابكي نهارًا وليلًا قتلى بنت شعبي.” (أر9:1).
ويقول الرسول بولس: “إن لي حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبي لا ينقطع. فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد.” (رو9:2).
ويقول لقسوس أفسس: “كان يخدم بدموع كثيرة، متذكرين أني ثلاث سنين ليلًا ونهارًا لم أفتر أن أنذر بدموع كل واحد.” (أعمال 20:18-19).
أما قبل هذا وذاك، فنجد المثل الأعلى لنا في شخص الرب يسوع، حيث نرى مشاعره الرقيقة وعواطفه الجياشة عندما تطلع إلى أورشليم وبكى عليها، إذ هو مكتوب: “وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلًا: إنك لو علمت أنت أيضًا، حتى في يومك هذا، ما هو لسلامك! ولكن الآن قد أخفي عن عينيك. فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحيقون بك ويحاصرونك من كل جهة.” (لو19:41-43).
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: من يبكي اليوم على عمل الله؟ ومن يبكي على رجوع الخطاة؟
ب. صاحب حجة قوية مقنعة
يقول الرسول بطرس: “بل قدسوا الرب الإله في قلوبكم، مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف.” (1 بطرس 3:15).
فعلى الكارز أن يتسلح بالعلم والمعرفة والدراسة المتعمقة، واستخدام أدوات العصر في أساليب الكرازة المختلفة للوصول إلى الناس وإقناعهم بالرسالة. فنرى على سبيل المثال لا الحصر الرسول بولس عندما ذهب إلى تسالونيكي ليكرز هناك، مكتوب: “فدخل بولس إليهم حسب عادته، وكان يحاجهم ثلاثة سبوت من الكتب.” (أع17:2). ومعنى “يحاجهم” أي يقدم الحجة والبرهان والدليل القاطع على حتمية موت المسيح وقيامته. وكانت النتيجة كما يذكرها الوحي المقدس: “فاقتنع قوم منهم.” (أع17:4).
وعندما ذهب إلى كورنثوس، يذكر الوحي: “وكان يحاج في المجمع كل سبت ويقنع يهودًا ويونانيين.” (أع18:4).
وعندما ذهب إلى أفسس، يذكر الوحي: “دخل المجمع، وكان يجاهر مدة ثلاثة أشهر محاجًا ومقنعًا في ما يختص بملكوت الله.” (أع19:8).
نعم! كلما كان الكارز واسع الثقافة، قوي الحجة، ولديه قدرة على التواصل والاتصال مع الآخرين، كلما استخدمه الرب بقوة.
لقد قيل عن أبولس الإسكندري أنه كان “فصيحًا مقتدرًا في الكتب”، ونتيجة لذلك: “لأنه كان باشتداد يفحم اليهود جهرًا، مبينًا بالكتب أن يسوع هو المسيح.” (أع18:24، 28).
جـ. يتميز بالقدوة الصالحة
يجب على الكارز أن يدرك أن صوت الأعمال أقوى من صوت الأقوال. فالقدوة أكثر تأثيرًا وإثمارًا من مئة عظة. فمن ينادي بشيء، مهما كانت روعة بلاغته وقوة برهانه، لكنه لا يعيش ولا يترجم ما يقوله في حياته، لن يكون له أي تأثير في سامعيه.
إن سر فاعلية بولس في تعليمه أنه كان يترجم ما يقوله في حياته اليومية… فنسمعه يقول لأهل تسالونيكي: “ليس أن لا سلطان لنا، بل لكي نعطيكم أنفسنا قدوة حتى تتمثلوا بنا.” (2تس3:9).
ويقول لتلميذه تيطس: “مقدمًا نفسك في كل شيء قدوة للأعمال الحسنة، ومقدمًا في التعليم نقاوة، ووقارًا، وإخلاصًا.” (تي2:7).
وينصح تلميذه تيموثاوس قائلًا: “لا يستهن أحد بحداثتك، بل كن قدوة للمؤمنين: في الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة.” (1تي4:12).
د. يفيض بالمحبة الحقيقية
هناك علاقة طردية بين محبة المستمعين للمتكلم وقبولهم لرسالته. فالدارس المدقق لرسائل الرسول بولس يجدها مفعمة بروح المحبة. فنراه لم يتردد في أن يطلق على نفسه لقب “أَبو الكنائس” التي كان يخدم بها. ولا يوجد أدنى شك في أن الرسول بولس عندما أطلق على نفسه هذا اللقب كان يعني المحبة والاهتمام والعناية بمن يخدمه. فنراه يقول لأهل تسالونيكي: “كما تعلمون كيف كنا نعظ كل واحد منكم كالأب لأولاده، ونشجعكم.” (1تس2:11).
لقد كان بولس يشعر بتوحد مع الشعب الذي يخدمه، فكانت عظاته ورسائله ممتزجة بأسمى درجات المحبة والغيرة والعطف على الناس.
نعم! المحبة الصادقة تجعل الإنسان خارج ذاته، لا يفكر إلا في الآخرين، وفي كيفية إنقاذهم من الشر والخطية. إن الكرازة القوية لا تبدأ إلا بمحبة حقيقية، فالحب يعطي قدرة على الاحتمال والصبر والمثابرة والعطاء للآخر بلا حدود. والمحبة تعطي فوق الطاقة.
والحقيقة التي لا يشوبها أدنى شك أن المحبة الحقيقية هي اللغة الوحيدة التي يسمعها بوضوح الأصم، والتي يتحدثها بطلاقة الأبكم، والتي يراها واضحة كالشمس الضرير. فالمحبة لا تسقط أبدًا.
عبرة في عبارة
ثقتي وتجربتي أن خدمة الله تاج على الرأس.
ويقيني وإِيماني أنه عندما أجتهد وأجاهد في ميدان الخدمة، سأفوز بالكأس.
ورجائي وانتظاري أن غدًا أمجاد الأبدية أعظم مما أحياه اليوم وعشته بالأمس.