في صخب الحياة اليومية وضغوطاتها المتزايدة، يعمل داخل أجسادنا نظام داخلي دقيق يهدف إلى حفظ التوازن والاستجابة للتحديات. ويقع في صميم هذا النظام هرمون الكورتيزول، الذي يُطلق عليه غالبًا هرمون التوتر. ولكن اختزال دوره في الاستجابة للتوتر فقط يُعد تبسيطًا لوظائفه الحيوية المتعددة، فهو عنصر أساسي لا غنى عنه في تنظيم عمليات أيض الطاقة، وتقليل الالتهابات، والحفاظ على ضغط الدم.
يتناول هذا المقال ماهية الكورتيزول، وكيفية تنظيمه داخل الجسم، وتأثير اختلال توازنه على الصحة البدنية والنفسية، وذلك من خلال حديثنا مع د. وافي فهيم فانوس – الحاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من القصر العيني والبورد الأمريكي في الطب الطبيعي.
قال د. وافي في البداية إن هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، يؤدي وظائف حيوية في الجسم، لكن أي خلل في مستوياته -سواء بالزيادة أو النقصان- قد يؤدي إلى آثار صحية كبيرة ومشاكل مزمنة.
الكورتيزول هو هرمون ستيرويدي يُفرز بشكل رئيسي من قشرة الغدة الكظرية (Adrenal Glands)، وهما غدتان صغيرتان تقعان فوق الكليتين. ويتم تحفيز إفراز الكورتيزول بواسطة الهرمون الموجّه لقشر الكظر (ACTH) الذي تفرزه الغدة النخامية في الدماغ، استجابةً لإشارات من منطقة ما تحت المهاد (Hypothalamus)، في دورة معقدة تُعرف باسم محور HPA.
ويتبع إفراز الكورتيزول نمطًا يوميًا (إيقاعًا يوميًا)، حيث يكون أعلى في الصباح للمساعدة على الاستيقاظ، ثم ينخفض تدريجيًا خلال اليوم ليصل إلى أدنى مستوياته ليلًا.
وأوضح د. وافي أن زيادة هرمون الكورتيزول تُعرف باسم متلازمة كوشينج (Cushing’s Syndrome)، ومن أبرز آثارها على جسم الإنسان:
زيادة الوزن، خاصة في منطقة البطن.
ترقّق الجلد وسهولة ظهور الكدمات.
ارتفاع ضغط الدم وسكر الدم.
زيادة خطر مقاومة الإنسولين والسكري من النوع الثاني.
هشاشة العظام وزيادة خطر الكسور.
تقلب المزاج، القلق، الاكتئاب، وسرعة الانفعال.
مشاكل في الذاكرة والتركيز.
اضطرابات النوم (الأرق).
ضعف جهاز المناعة وبطء التئام الجروح.
عدم انتظام الدورة الشهرية وزيادة نمو شعر الوجه والجسم لدى النساء.
أما نقص هرمون الكورتيزول فيُعرف باسم مرض أديسون (Addison’s Disease)، ومن أبرز أعراضه:
التعب والإرهاق الشديد والمستمر الذي لا يزول بالنوم.
انخفاض الطاقة والإحساس بالوهن.
انخفاض ضغط الدم، خاصة عند الوقوف، وقد يؤدي إلى الدوخة أو الإغماء.
فقدان الوزن غير المبرر.
فرط تصبغ الجلد (اسمرار الجلد في المناطق المعرضة للاحتكاك).
فقدان الشهية، الغثيان، القيء، الإسهال، وآلام البطن.
انخفاض سكر الدم.
وفي الحالات الشديدة والمفاجئة من نقص الكورتيزول، قد تحدث حالة طارئة تُعرف بـ أزمة أديسون (Addisonian Crisis)، وهي حالة تهدد الحياة وتتطلب علاجًا طبيًا فوريًا.
وأشار د. وافي إلى أن الكورتيزول يؤثر بشكل مباشر على القلب والأوعية الدموية، إذ يُفرز وقت التوتر وله دور كبير في تنظيم ضغط الدم ونبض القلب. فهو يزيد من إنتاج مواد قابضة للأوعية مثل الإندوثيلين-1، ويقلل من إنتاج أكسيد النيتريك الذي يعمل على توسيع الأوعية الدموية، ما يؤدي إلى تضييقها وارتفاع ضغط الدم.
أما عن تأثير الكورتيزول على عضلة القلب، فيحدث من خلال تفاعله مع الكالسيوم، مما يؤثر على قوة انقباض القلب، ويجعله أكثر حساسية لهرمونات التوتر مثل الأدرينالين، فيزيد من النبض والانقباض. كما يعمل الكورتيزول على زيادة عدد مستقبلات الأدرينالين والنورأدرينالين في القلب والأوعية، مما يجعل تأثير هذه الهرمونات أقوى.
وأوضح د. وافي أن هناك علاقة وثيقة بين الكورتيزول والأدرينالين والنورأدرينالين، إذ يعملون كفريق وقت التوتر، ولكل منهم دور محدد:
الكورتيزول: يعمل على المدى الطويل، ويُجهّز الجسم للتعامل مع الضغط، كما يحفّز تحويل النورأدرينالين إلى أدرينالين داخل الغدة الكظرية.
الأدرينالين والنورأدرينالين: يرفعان النبض وضغط الدم، ويوسعان الشعب الهوائية.
ويجعل الكورتيزول الجسم أكثر حساسية لهذين الهرمونين، مما يضاعف تأثيرهما، وقد يكون ذلك سببًا في ارتفاع ضغط الدم الثانوي الناتج عن خلل في الغدة الكظرية. وفي حالات مثل متلازمة كوشينج، يؤدي ذلك إلى ارتفاع مزمن في الضغط وزيادة ضربات القلب، بل وقد يسبب اضطرابات في نبض القلب أو نوبات قلبية عند استمرار التفاعل الزائد لفترة طويلة.
أما عن تشخيص اضطرابات الكورتيزول، فيتم عادةً بسحب عينة دم في الصباح الباكر عندما تكون مستوياته في أعلى درجاتها، وأخرى في المساء للمقارنة.
وفيما يخص العلاج، أوضح د. وافي أن طريقة العلاج تختلف باختلاف الحالة:
في نقص الكورتيزول (مثل داء أديسون) تُستخدم أدوية تعويضية مثل الهيدروكورتيزون.
في زيادة الكورتيزول (مثل متلازمة كوشينغ) تُستخدم أدوية تقلل إنتاجه مثل الكيتوكونازول.
وفي ختام حديثه، شدد د. وافي على أن الحفاظ على توازن الكورتيزول هو مفتاح الصحة البدنية والنفسية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
ممارسة الرياضة بانتظام.
الحصول على قسط كافٍ من النوم الجيد.
اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن.
ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل اليوجا والتأمل.
نيفين عاطف مشرقي