28.4 C
Cairo
الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةتحقيقاتماذا يحدث في "إمارة" المنيا ... أحداث نزلة الجلف أحدث مثال

ماذا يحدث في “إمارة” المنيا … أحداث نزلة الجلف أحدث مثال

ماذا يحدث في “إمارة” المنيا … أحداث نزلة الجلف أحدث مثال
مطالبات حقوقية بإصدار قرار جمهوري أو تشريع بتجريم الجلسات العرفية في القضايا ذات البعد الطائفي

تحقيق: إيهاب أدونيا

تنتهي كثير من أحداث التوترات والاعتداءات الطائفية بما يُعرف بجلسات الصلح العرفي، وهي أقرب للجنة تحكيم تشكل عقب وقوع نزاع، وتضم محكمين ورجال دين من أصحاب النفوذ، وتقوم اللجنة بدراسة أدوار الأطراف المختلفة، ثم تصدر حكمها الملزم. لا تتضمن أحكامها الحبس أو العقوبات السالبة للحرية، في حين تشمل الاعتذار وتوقيع غرامات مالية أو التهجير.

ونحن مجددًا هنا أمام شائعة صغيرة أو حتى حقيقة عن علاقة بين مراهق مسيحي ومراهقة مسلمة تتحول لحرب مقدسة في “إمارة” المنيا، والتي تتلاحق أحداثها ولا تتوقف نزاعاتها وأحداثها الطائفية على مر السنوات، وبعد ما قام المتشددون بحرق المزارع وتكسير البيوت والاعتداء على العزل، أقروا بجلسة عرفية حكموا فيها بغرامة مليون جنيه وشرط جزائي 2 مليون جنيه وتهجير قسري لعائلتين قبطيتين من القرية.

هذا بخلاف فيديو منتشر على كل الصفحات السوشيال ميديا لمظاهرة المتشددين بالقرية تهتف: “لا إله إلا الله”، ونساء القرية “تزغرد” والبنات تضحك وتصور زفة كاملة فرحًا بطرد المسيحيين من بيوتهم. ورغم عدم التيقن أن الفيديو تخص تلك الحادثة الطائفية أو غيرها لكن يوضح الفيديو وكأن الأقباط المطرودين غزاة وليسوا أهل بلد واحدة، تقاسموا في وقت ما الطعام والشراب والفرح والحزن.

كانت الزفة الدينية والاحتفال الجماهيري والجلسة العرفية بنكهة العصور الوسطى، فالذي يشعل النار في بيوت الأقباط يرى نفسه مجاهدًا، والذي حكم بالجلسة العرفية يراها غزوة مباركة، وهم في الحقيقة مغيبين بأفيون الدين.

جلسة عرفية بقرية “الجلف” تُلزم أسرة قبطية بمغادرة القرية وغرامة مليون جنيه والأسرة ترفض وتلجأ للقضاء

في مشهد يعكس استمرار اللجوء إلى الأعراف القبلية بديلًا عن القانون، شهدت قرية الجلف التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا عقد جلسة عرفية بحضور المئات من أبناء القرية وعدد من المحكِّمين، وذلك على خلفية واقعة اتُّهم فيها شاب قبطي يُدعى سامح إسحق، أسفرت عن قرارات اعتبرها متابعون “مجحفة” بحق أسرته.

انعقدت الجلسة في حضور ممثلين عن عائلتي الشاب والفتاة، وعدد من وجهاء القرية، حيث جرى التأكيد على أن الحادث لم يكن مدبرًا مسبقًا، بل تصرفًا فرديًا “وليد اللحظة” من شاب طائش – بحسب ما ورد في محضر الجلسة.

وتوصل الحضور إلى اتفاق وُصِفَ بأنه “صلح ودي”، تم بموجبه إلزام والد الشاب ببيع منزله ومغادرة القرية مع أسرته، كما تم تغريم جده، ويُدعى نابليون، مبلغ مليون جنيه، إلى جانب فرض شرط جزائي بقيمة مليوني جنيه على أي طرف يخل ببنود الاتفاق.

أعلن أحد قادة الجلسة عبر مكبّر صوت بنود الاتفاق أمام الأهالي، والتي تضمنت:

1- تغريم الجد “نابليون” مليون جنيه.

2- وضع شرط جزائي بمليوني جنيه على الطرفين في حال الإخلال بالاتفاق.

3- استمرار الإجراءات القانونية بحق المتهم المقبوض عليه وترك الحكم للقانون.

4- وقف أي منشورات أو كتابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

5- التأكيد على روح الإخاء والوحدة بين أبناء القرية.

6- إشراف العمدة محمود على تنفيذ الاتفاق.

7- ورغم أن البيان العلني لم يذكر تهجير الأسرة صراحة، إلا أن أحد أقباط القرية أعلن أمام الحضور التزامه ببيع منازل أسرة المتهم ومغادرتهم القرية، وهو ما قوبل بتصفيق وهتافات من بعض الأهالي.

وأكد أحد أقباط القرية أن موافقة الأسرة على هذه الشروط جاءت نتيجة حالة من الخوف والتوتر التي سيطرت على القرية، خاصةً بعد تعرض منزل الجد ومنزل عم الشاب القبطي للاعتداء عقب صلاة الجمعة، حيث أُشعلت النيران بهما دون وقوع إصابات، إذ كانت الأسرة قد غادرت منازلها مسبقًا خشية الاعتداء.

ويعيش الجد “نابليون” البالغ من العمر 65 عامًا في منزل مكون من ثلاثة طوابق مع زوجته، بينما يقطن إسحق مع زوجته وأبنائه الثلاثة في منزل آخر مكون من ثلاثة طوابق، ومن المقرر أن يتم بيع المنزلين تنفيذًا للاتفاق.

ولم تتضمن الجلسة أي قرارات بشأن تعويض الأقباط عن الأضرار والخسائر التي لحقت بمنازلهم أو ممتلكاتهم جراء الأحداث، إذ تم تجاهل هذا الجانب تمامًا، وتركز الهدف – بحسب أحد الحضور – على إخراج أسرة الشاب من القرية فقط.

وأشار عدد من الأهالي الأقباط إلى أن ما جرى يمثل تناقضًا بين الدعوة لاحترام دولة القانون وبين فرض أحكام عرفية تخالفه، مؤكدين أن قبولهم بالاتفاق كان بدافع الحفاظ على حياتهم وسلامة أسرهم، خصوصًا بعد امتناع أبنائهم عن الذهاب إلى المدارس خوفًا من التصعيد.

وفي وقت لاحق، رفضت الأسرة المسيحية قرارات الجلسة العرفية ولجأت للقضاء.

دراسة حقوقية تؤكد: أحكام الجلسات العرفية معظمها لإرضاء الجانب الأقوى (المسلمين) على حساب الجانب الضعيف (المسيحيين)

في دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان “في عُرف مَنْ؟ دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومسئولية الدولة”، وُجِدَ أن القرارات الصادرة عن الجلسات العرفية تختلف تبعًا لسبب المشكلة والتداعيات المترتبة عليها، ولكن جاءت في معظمها غير متطابقة مع القواعد المتعارف عليها في الصلح العرفي المرعية في حالة ما إذا كان أطراف النزاع من نفس الديانة، وكذلك اختلفت القرارات باختلاف ديانة الطرف الأصلي المدان أو المتسبب في المشكلة.

وجاءت قرارات الجلسات العرفية في النزاعات الخاصة ببناء وترميم الكنائس في معظمها لإرضاء الجانب الأقوى (المسلمين) على حساب الجانب الضعيف (المسيحيين)، واتخاذ قرارات بغلق المبنى مع الضغط على المسيحيين للتنازل عن حقوقهم القانونية، لا سيما في الحالات التي تم خلالها الاعتداء على الكنيسة أو ممتلكات المسيحيين.

وتشير الدراسة أنه في حالات التوترات المرتبطة بالتعبير عن الرأي في الشأن الديني، أو التي تقع على خلفية اتهام أهالي لمسيحي بما يُعرف بـ “ازدراء الأديان”، فعادةً ما يتم الضغط على المسيحيين للاعتذار، حتى أولئك الذين لا تربطهم صلة بما حدث، مع تهجير أسرة هذا الشخص، والنص صراحةً على استكمال إجراءات محاكمة المتهم بازدراء الإسلام، في حين لا يتعامل التعامل مع وقائع الاعتداءات على ممتلكات المسيحيين بنفس الطريقة.

وتؤكد الدراسة أن القرارات الصادرة عن الجلسات العرفية تمثل انتهاكًا واضحًا للدستور، حيث نصَّت في كثير من الحالات كما أشرنا على غلق كنائس ومبانٍ دينية استجابةً للأغلبية الرافضة لوجود الكنيسة، وهو ما يُعد عدوانًا على حرية العقيدة وحق ممارسة الشعائر الدينية، كما اتخذت قرارات بالتهجير، وهو أمر حظره الدستور بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم، كما أنها تمثل إهدارًا للحق في الوصول للعدالة، وجبر الضرر للمجني عليهم.

لماذا يقبل الضحايا بأحكام الجلسة العرفية؟

قد يتساءل البعض: لماذا يقبل الضحايا بالاشتراك في مثل هذه الجلسات التي غالبًا لا تنصفهم، بل تمنعهم من استكمال الإجراءات القضائية الطبيعية للحصول على حقوقهم؟

يلعب نمط العلاقات الاجتماعية القبلي، السائد في الريف المصري والمناطق العشوائية على أطراف المدن، دورًا كبيرًا في الضغط على الأطراف الضعيفة التي تمثل الضحايا للقبول بالمشاركة في هذه الجلسات، حيث تعرف العائلات بعضها بعضًا معرفة جيدة، وتتداخل علاقتها الاقتصادية والاجتماعية. كما يؤدي ضغط مؤسسات الدولة ورؤيتها لوظيفتها في حماية السلم الاجتماعي وحياة وممتلكات المواطنين إلى الإسراع بحل عرفي، لتسوية الخلافات خوفًا من تفاقمها وتداعياتها، والحشد بسببها، أي أن هذه المؤسسات تفضل تحقيق الاستقرار على تحقيق العدالة والمساواة.

يضاف إلى ذلك أن تكلفة التقاضي في مصر مرتفعة، في ظل بطء إجراءات التقاضي التي تصل أحيانًا إلى عدة سنوات، فقد تنجح هذه الجلسات في إنتاج حلول سريعة، حتى لو تحمل الضحايا جانبًا من الخسائر.

وتختتم الدراسة بأن وجود آليات اجتماعية فعالة تساعد في الحد من النزاعات الطائفية وتحجيم حدة التوترات التي تصاحبها أمر إيجابي ومهم ومطلوب، لكن ما يحدث في الجلسات العرفية حوَّل هذه التدخلات إلى سلوك قبيح وأداء غاشمة ظالمة، تُستخدم لدعم المعتدين على حساب الضحايا، وخلق نظام عدالة بديل قائم على توازن القوى وفرض الهدوء على حساب العدالة.

 بيان لرفض التهجير القسري: فلتذهب دولة القانون إلى المنيا أو ستذهب المنيا بدولة القانون

أطلق الناشط القبطي رامي كامل، مدير مؤسسة شباب ماسبيرو للتنمية وحقوق الإنسان، بيان إدانة ورفض للجلسات العرفية، حيث شجب البيان الجلسة العرفية التي أقيمت بقرية نزلة الجلف بعد الأحداث الطائفية التي وقعت بها. وأشار إلى أن الجلسة العرفية خارج إطار القانون على أثر أحداث عنف طائفي وقعت في القرية المذكورة بسبب شائعة علاقة شاب مسيحي بفتاة مسلمة، مؤكدًا أن تلك الجلسة العرفية وما شابها بمثابة تراجع عن كل مكاسب دولة المواطنة في الفترة الماضية.

وأضاف البيان: “حكمت الجلسة بكل تجبر واستخدام لقوة الأغلبية والأمر الواقع على الطرف المسيحي رغم عدم ثبوت الواقعة بصورة قانونية ورغم أن الذين أصدروا الحكم لا يملكوا قانون سلطة إصدار أحكام، ولكن رغم ذلك أصدروا أحكامًا هي إدانة لدولة القانون، فالعقاب الجماعي والتهجير القسري والأحكام العرفية غير المستندة لقانون هي جرائم في القانون المصري والقوانين الدولية.”

وقام رامي بجمع عدد كبير من التوقيعات المنددة بنتائج تلك الجلسة العرفية من سياسيين وحقوقيين غيورين على حقوق المواطنة وعلى إعمال القانون والدستور.

وطالب الموقعون على هذا البيان السادة المسئولين بوقف هذه الممارسات وإعلاء دولة القانون وإنهاء مظاهر الجلسات العرفية الخارجة عن القانون، مؤكدين احترامهم الكامل لتحقيقات النيابة وأحكام القضاء وسيادة مؤسسة الدولة، كما أكدوا أيضًا رفضهم القاطع لأن يتجبر بعض المسئولين المحليين على دولة القانون ويظنوا أنهم فوق الدولة وخارج القانون. واختُتم البيان بمقولة: “فلتذهب دولة القانون إلى المنيا أو ستذهب المنيا بدولة القانون.”

أين مشروع قانون إنشاء مفوضية مكافحة التمييز؟

رغم مرور ما يقرب من عشر سنوات على هذا النص الدستوري، لم يُناقَش مشروع القانون حتى الآن، على الرغم من أنه يمثل إحدى أهم الأدوات التشريعية لترسيخ المساواة وتعزيز قيم المواطنة ومنع تكرار مثل هذه الأحداث المؤسفة.

ورغم أن عددًا من النواب تقدموا عدة مرات بمشروع قانون له آخرها كان منذ عامين تقريبًا لإنشاء مفوضية مكافحة التمييز، تنفيذًا للاستحقاق الدستوري المنصوص عليه في الفقرة الأخيرة من المادة (53) من الدستور المصري، والتي نصَّت على أن تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض، إلا انه ما زال حبيس الأدراج، مع أن إنشاء مفوضية مكافحة التمييز بات ضرورة وطنية عاجلة وليس ترفًا سياسيًا؛ فهي التي ستعمل على رصد مظاهر التمييز والتعصب، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والثقافية التي تُنتج مثل هذه التوترات، إلى جانب اقتراح السياسات والإجراءات الكفيلة بتعزيز ثقافة التعايش والسلام المجتمعي.

عماد جاد: التهجير القسري مقتصر على الأقباط فقط أيًا كان المخطئ، الحل في “دولة القانون”

وفي ذات السياق، أكد النائب عماد جاد أن مصر تشهد من حين إلى آخر جريمة من جرائم التهجير القسري لمواطنين على هويتهم الدينية، وذلك بموجب جلسة أو فرمان عرفي وفق تقاليد القبائل، وفي حضور ممثلين عن مؤسسات الدولة المصرية وأحيانًا أعضاء البرلمان من المنطقة وأيضًا رجال دين، ولا تزال تلك الجرائم ترتكب حتى يومنا هذا، كانت آخرها حادثة بني مزار، وفي وقائع غالبًا غير مؤكدة أو شائعات أو أخبار كاذبة.

وأضاف أن تلك الجرائم تخالف المادتين 62 و63 من الدستور المصري، والمخجل أن الجلسات العرفية تتم تحت عين وتأييد من الأجهزة الأمنية والتنفيذية وربما تشرف على تنفيذها في مراحل معينة وقد تستفيد من ذلك ماديًا وأحيانًا معنويًا.

ولفت إلى أن التهجير القسري مقتصر على الأقباط فقط أيًا كان المخطئ، فقد يكون الأقباط معتدى عليهم أو احترقت منازلهم أو قُتل منهم أحد ويهجرون أيضًا، بل قد يدفعون غرامة مالية كذلك وهو شيء يثير الاشمئزاز فهو أعلى قيم الاستبداد والظالم لأنه “موت وخراب ديار أيضًا”.

وكشف جاد عن التاريخ الأسود للتهجير القسري على مر العهود، فأشار إلى فرار عدد من الأسر القبطية من محافظتي أسيوط والمنيا في مطلع السبعينيات إبان حكم السادات بسبب جرائم الجماعات المتطرفة واعتداءاتها المتكررة على الأقباط وفرض إتاوات عليهم بمعرفة الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة، واستمر الأمر كذلك طوال عهد مبارك وبلغ الذروة في زمن المرشد والجماعة وتحديدًا بعد ثورة 25 يناير. وطالب جاد بتفعيل المادة (63) من الدستور المصري، وتوجيه المسئولين في الأجهزة الأمنية والتنفيذية بضرورة تطبيق القانون وإلغاء الجلسات العرفية، فالحل يكمن في «دولة القانون ذات الهيبة»، والأمر يتوقف على الإرادة السياسية، وهل هناك رغبة حقيقية في تطبيق الدستور والقانون ومواجهة التمييز بين المصريين.

إسحق إبراهيم: الجلسات العرفية تجسد عودة للقبلية وعدوان سافر على الدستور

من جانبه، أكد الحقوقي إسحق إبراهيم، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن علاقة رضائية بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة نتج عنها تحريض وتجمهر وتحطيم نوافذ منازل مسيحيين لا يمتون بصلة للشاب وحرق عشش بالأراضي الزراعية، واختُتم الأمر بجلسة عرفية للصلح.

ويرى إسحق أن معالجة الأحداث الطائفية بنزلة جلف مركز بني مزار سيئة ومريرة وتعكس رغبة في إخفاء وجود مشكلة أكثر من التعامل مع مسبباتها وسُبل حلها من جذورها.

وأشار إلى أن من تداعيات هذه المعالجة التأثير على نمط وشكل علاقات الأسر خوفًا من تكرار الوقائع. مع الأخذ في الاعتبار التقاليد الاجتماعية والثقافية داخل الريف، خصوصًا فيما يخص المرأة: جسدها، حقوقها، حريتها. وهذا لا يعني الإقرار بهذه التقاليد وتبرير انتهاكاتها.

وأضاف أن التدخلات العرفية ليست جريمة أو خطيئة بالتعريف، لكن طريقة استخدامها وقراراتها تجسد عودة للقبلية وعدوان سافر على الدستور.

ووضع إبراهيم افتراضية مثلًا أن سلوك شخص ما إذا افترضنا أنه خطأ أو جريمة (بغض النظر عن أن العلاقة رضائية) هو خطأ فردي لا يجوز أن يلصق بعائلته وبطبيعة الحال المشتركين معه في الديانة. نحن أمام حادث شهد عقاب جماعي وتعدي على منازل مسيحيين لا يجمعهم أي صلة بالشاب. ثم أكدت اللجنة العرفية هذا المنحى بتجاهل حالة الترهب والاعتداء، وإجبار المشاركين من المسيحيين على تقديم اعتذار والإقرار بعدم معرفتهم المسبقة بهذه العلاقة.

واستطرد بأن لجنة التحكم أقرت بأن العقوبة ليست لها صلة بالإجراءات القضائية، وهذا جيد لكن السؤال هو: على أي أساس فُرضت عقوبة المليون جنيه؟ هل هذا عرف أنه في حالة وجود علاقة عاطفية بين شاب وفتاة على غير رغبة الأهل؟ وماذا عن حالات الاعتداء والهلع التي أصابت آخرين بسبب ديانتهم؟ ماذا تساوي في تقدير محكمي الجلسات العرفية؟ إجمالي العقوبة محاكمة الشاب ودفع أهله مليون جنيه. بالإضافة إلى تهجير الأسرة .

وأضاف أن القرارات تضمنت منعًا للكتابة على صفحات التواصل الاجتماعي، في المجمل، بينما نُشرت فيديوهات لمئات وهم يهتفون أثناء خروجهم من الجلسة: “لا إله إلا الله”.

وانتقد الجلسات العرفية التي تُعقد بخصوص أحداث العنف الطائفي لأنها تعكس موازين القوى، وتنتهك حقوق الأطراف الضعيفة، وغالبًا ما تصاحبها قرارات مخالفة للدستور.

ويصا البنّا: الجلسات العرفية تحولت من وسيلة للتهدئة إلى أداة لقتل القانون وإهدار العدالة

من جانبه، يؤكد الكاتب الحقوقي ويصا البنّا أنه كلما اشتعلت فتنة أو وقعت جريمة تهز ضمير المجتمع، يخرج علينا مَنْ يرفع شعار «نريد الصلح» ويقترح «جلسة عرفية» وكأنها الحل السحري لكل أزمة.

لكن الحقيقة أن الجلسات العرفية في مصر تحولت من وسيلة لتهدئة النفوس إلى أداة لقتل القانون وإهدار العدالة.

تحت لافتة “الصلح خير”، تضيع الحقوق، ويُغلق ملف الجريمة بلا حساب، ويخرج الجناة مبتسمين كأن شيئًا لم يكن.

وأضاف أنه في الجلسة العرفية يتحول الضحية إلى متهم، ويُطلب منه التنازل باسم “السلم الأهلي”، بينما يعرف الجميع أن السلم الحقيقي لا يقوم على الظلم ولا على دفن العدالة. في قرى كثيرة، آخرها قرية الجلف بمركز بني مزار، يتكرر المشهد نفسه:

اعتداءات، تخريب، خوف، ثم “جلسة عرفية” تجمع مَنْ أشعلوا النار ومَنْ احترقوا بها، ليُقال بعدها إن الأمور “اتحلت”.

ويتساءل ويصا: ما الذي حُلَّ فعلًا؟ وهل عاد الحق إلى صاحبه؟ وهل نال المعتدي عقابه؟ أم أننا فقط أزحنا التراب فوق جرح مفتوح ونظن أنه اندمل؟

واستطرد البنا قائلًا إن الجلسات العرفية ليست مصالحة، بل صفقة صمت تُبرم على حساب الضعفاء، وهي قنبلة مؤقتة تُبقي النار تحت الرماد حتى تنفجر من جديد عند أول احتكاك.

والأخطر أنها تُرسِّخ في العقول أن القانون بلا قيمة، وأن مَنْ يملك الصوت الأعلى هو الذي ينتصر في النهاية.

واختتم بأن دولة القانون لا تُبنى بالترضيات، بل بالعدالة، ولا تُصان وحدة الوطن بالمجاملات، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وألا يكون الصلح بديلًا عن العقاب، والمسامحة لا تعني الإفلات من المساءلة. فمن يعتدي يجب أن يُحاسَب، ومن يُخطئ يجب أن يُعاقَب، لأن العدالة هي التي تحفظ السلام… لا الجلسات العرفية.

وأخيرًا … فإن الجلسات العرفية هي إقرار علني بضعف الدولة وغياب سيادة القانون أمام مجموعات من المتشددين. وتُعتبر تلك الجلسات أكثر شكل من أشكال الاضطهاد والتمييز التي يعاني منها الأقباط في مصر.

وعلى الدولة المصرية أن تستيقظ من سباتها لتحقيق الاستقرار في أكثر المحافظات طائفية وهي المنيا، فمحافظة المنيا تحتاج إلى إستراتيجية شاملة لإحلال الأمن والتنمية معًا، خاصةً في القرى والمناطق الريفية التي تشهد بين الحين والآخر خلافات طائفية أو اجتماعية، الأمر الذي يتطلب تعاونًا مؤسسيًا بين الأجهزة الأمنية والمجتمع المدني، مع تفعيل مبادئ المواطنة المتساوية ورفض أي شكل من أشكال العنف أو التمييز.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا