29.1 C
Cairo
الثلاثاء, يونيو 2, 2026
الرئيسيةتحقيقاتقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.. هل يحل القانون إشكاليات الأسرة... أم يضع إشكاليات...

قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.. هل يحل القانون إشكاليات الأسرة… أم يضع إشكاليات جديدة على كاهلها؟

الإشكالية القائمة: المحكمة تُطلِّق لكن لا تُزوِّج، والكنيسة تُزوِّج لكن لا تُطلِّق، وليس من منفذ سوى تغيير الدين؟!

تغطية: د. ماريانا يوسف

في قاعة جدرانها تفيح برائحة الثقافة والمواطنة، وسط نخبة من صفوة المثقفين والمفكرين المصريين المؤمنين بأهمية الحوار المجتمعي وفعالية المناقشة الإيجابية، استضاف مركز الكلمة للأبحاث والدراسات صالونه الثقافي تحت عنوان قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

وضمّت المنصة النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس مجلس إدارة المؤسسات التعليمية بسنودس النيل الإنجيلي، والقس رفعت فكري، الأمين العام المشارك بمجلس كنائس الشرق الأوسط، والقس عيد صلاح، راعي الكنيسة الإنجيلية بعين شمس ورئيس المجلس القضائي والدستوري بسنودس النيل الإنجيلي. وأدار الحوار الدكتور ثروت صموئيل، مدير مركز الكلمة للأبحاث والدراسات.

د. ثروت صموئيل: وجود قانون مدني منظَّم للأحوال الشخصية يحفظ الحقوق ويوضح الواجبات داخل الأسرة ويمنح إطارًا قانونيًا عادلًا للتعامل مع القضايا الزوجية

استهل الدكتور ثروت صموئيل، مدير مركز الكلمة للأبحاث والدراسات، كلمته بالتأكيد على أن الزواج في الفكر المسيحي ليس مجرد نظام اجتماعي لتنظيم الحياة، ولا مجرد علاقة عاطفية مؤقتة، بل هو دعوة إلهية عميقة تمس قلب قصد الله للإنسان منذ الخليقة الأولى. فمنذ أن قال الله: “ليس جيدًا أن يكون آدم وحده”، أعلن أن الإنسان خُلق ليعيش في شركة ومحبة وعلاقة.

لذلك أصبح الزواج أحد أهم المؤسسات التي تحفظ الإنسان نفسيًا وروحيًا واجتماعيًا. وأضاف أن مركزية الزواج المسيحي تنبع من كونه صورة حية لعلاقة المحبة بين المسيح والكنيسة، حيث تتحول الحياة الزوجية إلى مساحة للنمو والعطاء والغفران والشركة الروحية. فالزواج المسيحي لا يقوم فقط على المشاعر، بل على العهد والالتزام والاستمرارية.

مستكملاً: إننا في عالم تتسارع فيه التغيرات، وتتعرض فيه الأسر لكثير من الضغوط والتحديات الفكرية والاجتماعية والتكنولوجية، تزداد الحاجة إلى إعادة اكتشاف معنى الزواج المسيحي الحقيقي، ليس باعتباره تقليدًا دينيًا، بل كأسلوب حياة يحمل رسالة وقداسة ومسؤولية.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الزواج المسيحي اليوم، ليس لتغيير جوهر الزواج، بل لفهم كيف يمكن للبيت المسيحي أن يعيش قيم الإنجيل وسط واقع معاصر متغير، محافظًا على المحبة والاحترام والشراكة والحضور الإلهي في قلب الأسرة.

وعن أهمية وجود قانون مدني منظَّم للأحوال الشخصية، قال صموئيل إن وجود قانون كهذا سيسهم في حفظ الحقوق وتوضيح الواجبات داخل الأسرة، ويمنح إطارًا قانونيًا عادلًا للتعامل مع القضايا الزوجية والإنسانية المعاصرة. كما يساعد على تحقيق الاستقرار المجتمعي وتقليل النزاعات من خلال إجراءات واضحة تراعي كرامة الإنسان وحقوق جميع الأطراف.

لافتًا إلى أن القانون مر بمراحل كثيرة وصعبة حتى وصل إلى مجلس النواب؛ فالبداية كانت مع إقرار مجلس النواب للدستور المصري عام 2014. وبالطبع كانت هناك محاولات سابقة، لكن الانطلاقة الأساسية كانت في عام 2014 حين نصت المادة الثالثة من الدستور على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، واختيار قياداتهم الروحية، وتنظيم شؤونهم الدينية.

من هنا بدأ التفكير في أن يكون هناك قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين. بعد ذلك استمر، من عام 2014 حتى 2020، نقاش بين الكنائس المختلفة للتوافق فيما بينها، وهو ما كان يمثل تقريبًا العقبة الكبرى أمام القانون.

فاجتمعت الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية مرات عديدة، أو ممثلوها، وكانت النقطة الأساسية في الاختلاف هي انحلال الزواج أو التطليق في المسيحية.

وعندما اختلفت الطوائف الثلاث: الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية، بدأوا يفكرون في وضع أبواب عامة وأبواب خاصة لكل طائفة من الطوائف الثلاث.

بعد ذلك جاءت مرحلة التشريع، وذلك في وزارة العدل من عام 2020 حتى 2022. فبعد أن وافقت الكنائس على المسودة المشتركة، تم تسليم المشروع إلى وزارة العدل. وفي الوزارة عُقدت مجموعة من الاجتماعات بين مستشارين قانونيين في الدولة ومجموعة من ممثلي الكنائس المختلفة، وتمت صياغة القانون بحيث يكون صحيحًا من الناحية القانونية.

بعد ذلك انتقل إلى مجلس الوزراء خلال الفترة من 2022 إلى 2023، حيث رُفع إلى مجلس الوزراء الذي وافق عليه وأحاله إلى مجلس النواب لمراجعته وإقراره، وهو الآن في أروقة مجلس النواب.

وتُعد المواد من 42 إلى 48، الخاصة بالتطليق، من أكثر المواد إثارة للجدل.

النائب فريدي البياضي: القانون خطوة جيدة كنا ننتظرها، لكن الأفضل إقرار زواج مدني إلى جانب الزواج الديني لا بديلاً عنه

من جانبه، أكد الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس مجلس إدارة المؤسسات التعليمية بسنودس النيل الإنجيلي، أن فكرة هذا القانون تعود جذورها إلى عصور مبكرة. فمنذ الفتح الإسلامي لمصر لم تكن هناك لوائح منظَّمة للأقباط، وحين ذهبوا إلى الوالي مطالبين بتنظيم أحوالهم، كان الرد أن يحتكموا إلى شرائعهم الخاصة. وبذلك كانت الأمور تُدار من خلال رجال الدين دون وجود لوائح قانونية واضحة.

وتابع البياضي قائلاً: منذ عام 1977 بدأت أول محاولة جادة لوضع قانون موحد بين الكنائس. وظلت الأمور تتأرجح بين الكنائس والدولة، فكانت الحكومة تطلب من الكنائس الاتفاق فيما بينها أولًا، بينما كانت الكنائس تجد صعوبة في الوصول إلى توافق كامل. وعندما كانت تُقدَّم مقترحات، كانت تعود مرة أخرى للمناقشة، فاستمرت العملية بين أخذ ورد منذ عام 1977 دون أن يتبلور مشروع قانون نهائي أو يتحرك إلى حيز التنفيذ.

وأشار إلى أنه شارك لفترة في بعض مراحل إعداد القانون من خلال وجوده بالمجلس الإنجيلي، وكان يطّلع على ما يُعرض من مواده. وقال إن التعامل مع المشروع كان يتم بدرجة كبيرة من السرية، حتى إنه في آخر اجتماع قبل تقديم القانون إلى مجلس الوزراء، دعا وزير العدل عددًا من رجال الكنيسة وبعض البرلمانيين، وكان من بينهم البياضي.

وأضاف: “تسلّمنا نسخة من المشروع مكتوبًا عليها: سري للغاية وغير قابل للتداول. وكان أول اعتراض لي هو: كيف يكون قانون يمس المجتمع كله سريًا وغير قابل للتداول؟ كيف يمكن للناس أن يبدوا رأيهم في قانون دون حوار مجتمعي حقيقي؟”.

وأوضح أن حوارًا مجتمعيًا قد جرى بالفعل، لكنه كان محدودًا وفي نطاق ضيق، اقتصر غالبًا على بعض القيادات الكنسية، ولم يصل إلى الشارع أو إلى قطاعات واسعة من المواطنين، وهو ما اعتبره أحد أوجه القصور في مناقشة المشروع.

واستكمل قائلاً إن الاتجاه الغالب داخل القيادات الكنسية كان اتجاهًا محافظًا، مع اختلاف التفسيرات والرؤى بين الطوائف المختلفة. وأضاف أن اعتراضه الأساسي كان يتمثل في ضرورة طرح القانون للنقاش المجتمعي الواسع، لأن المشكلات التي يعالجها لا تخص القيادات الكنسية وحدها، بل تمس المواطنين بصورة مباشرة.

واستطرد قائلاً إن القانون يمثل تقدمًا مقارنة بالوضع السابق، لأن المسيحيين لم يكن لديهم قانون موحد، بل لوائح متعددة يعود بعضها إلى أكثر من مئة وعشرين عامًا. فهناك لائحة الطائفة الإنجيلية الصادرة عام 1902، ولائحة الأرثوذكس عام 1938، إلى جانب لوائح أخرى للطوائف المختلفة.

وأوضح أنه قبل عام 1955 كانت توجد المحاكم الملية، حيث كانت لكل طائفة محاكمها الخاصة التي تنظر في شؤونها. لكن الدولة ألغت هذه المحاكم في ذلك العام، وقررت تطبيق لوائح الطوائف من خلال المحاكم المدنية. وفي الوقت نفسه صدر نص يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية عند اختلاف الملة، وهو ما جعل تغيير الملة أحد المخارج القانونية للتطليق.

وأشار البياضي إلى ضرورة التفرقة بين “الطلاق” و”التطليق”، موضحًا أن الطلاق هو إنهاء الزواج بإرادة منفردة، وهو غير موجود في المسيحية، بينما التطليق هو حكم قضائي تصدره المحكمة بإنهاء العلاقة الزوجية.

وأضاف أن اللوائح السابقة كانت تسمح بالتطليق في حالات محدودة للغاية، أبرزها إثبات الزنا، وهو أمر كان شبه مستحيل عمليًا، لأنه يتطلب إما اعترافًا صريحًا أو شهادة شهود على الواقعة.

وأوضح أن القانون الجديد لم يوسع أسباب التطليق بشكل مباشر، لكنه وسّع وسائل إثبات الزنا. فكل فعل يُعد خيانة زوجية يمكن أن يُستخدم كقرينة أو دليل، مثل الرسائل والمراسلات والصور والمقاطع المصورة أو غيرها من الأدلة التي تثبت وقوع الخيانة الزوجية.

وأضاف أن المشروع فتح أيضًا بابين جديدين؛ الأول هو بطلان الزواج في حالات الغش أو التدليس في أمور جوهرية أخفاها أحد الطرفين قبل الزواج. أما الثاني فهو “الانحلال المدني للزواج”، والذي يجيز إنهاء العلاقة الزوجية إذا استمر الانفصال الفعلي بين الزوجين ثلاث سنوات كاملة وفشلت جميع محاولات الصلح.

وأشار إلى وجود خلاف واضح بين ما وصفه بالتيار المحافظ والتيار المدني. فهناك من يرى أن القانون قد وسّع أسباب التطليق بما يتجاوز النصوص الكتابية، بينما يرى آخرون أن الكنيسة لا تزال تحتفظ بسلطة واسعة في مسائل التطليق والزواج الثاني.

وقال: “رأيي الشخصي أن الحل لهذا الخلاف هو وجود قانون للزواج المدني إلى جانب الزواج الديني، وليس بديلاً عنه. فليس كل من كُتب في بطاقته أنه مسيحي ملتزم بالتعليم المسيحي أو يمارس الحياة الكنسية، ولذلك لا ينبغي إلزام الجميع بنمط واحد من الزواج”.

وأضاف أنه ضد إجبار جميع المواطنين المسيحيين على الزواج الكنسي، ويرى أن إتاحة الزواج المدني ستوفر حلاً لكثير من الإشكاليات القائمة.

وأوضح أن الأزمة الحالية تتمثل في أن المحكمة تستطيع إصدار حكم بالتطليق لكنها لا تُجري الزواج، بينما الكنيسة تُجري الزواج لكنها قد ترفض إتمام زواج جديد بعد التطليق، وهو ما يترك بعض الأشخاص في وضع قانوني واجتماعي معقد.

ورأى أن وجود نظام للزواج المدني والطلاق المدني من خلال الدولة سيؤدي إلى وجود قانون أسرة موحد لجميع المصريين، مع بقاء الحق لمن يرغب في الزواج الديني أن يلتزم بتعاليم مؤسسته الدينية واختياراتها.

وأكد أن من أبرز الإيجابيات التي يتضمنها المشروع توسيع مفهوم إثبات الزنا وكسر العلاقة الزوجية، إلى جانب تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الميراث وسائر الحقوق والواجبات الأسرية، بما في ذلك النفقة، حيث يتحملها الطرف القادر ماليًا بغض النظر عن كونه رجلًا أو امرأة.

وأوضح أن هذه النقاط كانت محل جدل سابق بسبب التخوف من تعارضها مع بعض أحكام الشريعة الإسلامية، إلا أنه يرى أن المادة الثالثة من الدستور تكفل للمسيحيين الحق في الاحتكام إلى شرائعهم الخاصة في هذه المسائل.

وفي المقابل، أبدى اعتراضه على المادة 32 المتعلقة بكسر رابطة الزواج بسبب الزنا، موضحًا أن بعض الطوائف لا تسمح للطرف المذنب بالزواج مرة أخرى مطلقًا، بينما تسمح طوائف أخرى بذلك بعد الرجوع إلى الرئاسة الدينية.

وقال إن هذا التوجه يثير تساؤلات تتعلق بمفهوم التوبة وإمكانية منح فرصة جديدة للشخص الذي أخطأ ثم عاد وتاب، معتبرًا أن إغلاق الباب بصورة نهائية يحتاج إلى إعادة نظر.

كما أشار إلى بعض المواد التي تحتاج إلى تعديلات محدودة، ومنها مواد الحضانة. فرغم إشادته بإعطاء الأم الأولوية في الحضانة ثم الأب بعدها مباشرة، فإنه يرى أن زواج الأب أو الأم بعد الانفصال لا ينبغي أن يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الحضانة، بل يجب أن يكون معيار بقاء الحضانة أو انتقالها هو مصلحة الطفل أولًا وأخيرًا.

وأضاف أن القانون نص على عدم سقوط الحضانة عن الأقارب الآخرين لمجرد الزواج إلا إذا ثبت وجود ضرر على الطفل، ويرى أن هذا المبدأ كان من الأولى تطبيقه أيضًا على الأب والأم.

وأشار كذلك إلى أن من أبرز السلبيات عدم إدراج باب خاص بالتبني، مؤكدًا أن المادة الثالثة من الدستور تتيح للمسيحيين المطالبة بهذا الحق، وأن اللحظة الحالية تمثل فرصة مهمة كان ينبغي استثمارها لإدراج هذه القضية ضمن القانون.

واختتم مداخلته بالتأكيد على أهمية إجراء حوار مجتمعي واسع حول مشروع القانون، وإتاحة الفرصة لمناقشة التعديلات المقترحة قبل إقراره، معربًا عن أمله في أن يحصل القانون على ما يستحقه من نقاش مجتمعي وأن يخرج إلى النور بعد استكمال مراحله التشريعية.

القس عيد صلاح: القانون جعل الكنيسة تتحكم وتضع يدها على رقاب العباد

من جهته، قال القس عيد صلاح، راعي الكنيسة الإنجيلية بعين شمس ورئيس المجلس القضائي والدستوري بسنودس النيل الإنجيلي، إن مشروع القانون يتضمن عددًا من النقاط الإيجابية، من بينها التسمية نفسها، إذ جاء بعنوان قانون الأسرة للمصريين المسيحيين بعيدًا عن مصطلح “القانون الموحد”، على غرار “قانون بناء الكنائس الموحد”، لأن القانون بطبيعته ليس موحدًا، بل يتضمن أحكامًا خاصة بست طوائف مختلفة.

وأضاف أن هذه هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها مصطلح “قانون الأسرة للمصريين المسيحيين”، بعدما كانت التشريعات والمدونات القانونية السابقة تصدر تحت مسميات مثل “أهل الذمة” أو “غير المسلمين”. كما أشاد بمادة المواريث التي أقرت المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، معتبرًا أنها تتوافق مع ما جاء في الكتاب المقدس.

وعلى الجانب الآخر، أشار إلى أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين يتضمن عددًا من الإشكاليات القانونية والدستورية والكنسية، موضحًا أن لديه ما وصفه بـ”عشرة مآخذ رئيسية” تحتاج إلى إعادة نظر قبل إقرار القانون بصورة نهائية.

وأوضح أن أولى هذه الملاحظات تتعلق باستخدام مصطلح “الطائفة” وتقسيم المسيحيين إلى ست طوائف، معتبرًا أن هذا التوصيف يكرس للمذهبية والطائفية ويتعارض مع مفهوم المواطنة، كما أنه -بحسب رأيه- لا يتسق مع نص المادة الثالثة من الدستور التي تتحدث عن “مبادئ شرائع المصريين المسيحيين” باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وأشار كذلك إلى خلو مشروع القانون من النص على التبني، رغم أن المادة الثالثة من الدستور، وفق رؤيته، تتيح ذلك. وأضاف أن المبررات المتعلقة بالنظام العام أو خلط الأنساب وغيرها من الاعتراضات يمكن معالجتها من خلال ضوابط قانونية واضحة وصارمة.

كما انتقد الإشارات الواردة في بعض مواد القانون إلى “الطوائف غير المنصوص عليها”، والتي تشمل -بحسب ما ورد في المشروع- السبتيين وشهود يهوه، معتبرًا أن هذه الصياغة تمنح شرعية غير مباشرة لبعض الجماعات أو الاتجاهات الدينية المختلف عليها كنسيًا. ودعا إلى الاكتفاء بالنص على “تغيير الدين” دون الإشارة إلى الطوائف الأخرى.

وتوقف القس عيد صلاح عند ما يُعرف بـ”التصريح الثاني”، موضحًا أن مشروع القانون يمنح الكنيسة سلطة الفصل في منح تصاريح الزواج الثاني بعد صدور أحكام التطليق. وقال إن الكنيسة تصبح طرفًا أساسيًا في تقرير مصير الأسرة من خلال منح هذا التصريح أو رفضه، وهو ما يجعلها صاحبة القرار النهائي في بعض الحالات.

وأضاف أن هذه المادة حصنت قرارات الكنيسة بصورة كبيرة، بحيث إذا قررت الكنيسة عدم منح التصريح لشخص ما فلن يتمكن من الزواج مرة أخرى، وهو ما اعتبره بمثابة “عقوبة أبدية”. كما تساءل عن مدى إمكانية الطعن على هذه القرارات حال رفض التصريح، وما إذا كانت الكنيسة تُعد مرفقًا عامًا تخضع قراراته للرقابة القضائية.

وأشار إلى أن القانون منح الكنيسة سلطة واسعة في هذا الملف، لافتًا إلى أن الكنيسة الإنجيلية سارت في هذا الاتجاه رغم أن الفكر الإنجيلي -بحسب قوله- يقوم على الحرية الشخصية وعدم الخضوع لسلطة كنسية مطلقة.

أما فيما يتعلق بخريطة أسباب التطليق في القانون، فأوضح أنها وردت بصورة عامة في المواد من 43 إلى 48 بالنسبة لجميع المسيحيين باستثناء الكنيسة الكاثوليكية، التي لا تعترف بالطلاق مطلقًا، وإن كانت تقر بعض أسباب التطليق أو بطلان الزواج.

وأضاف أن الكنيسة الإنجيلية تعتمد خمسة أسباب للتطليق في المادتين 44 و48، بينما تعتمد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أربعة أسباب، مع التوسع في مفهوم الزنا من خلال ما يُعرف بـ”الزنا الحكمي”. أما الكنيسة السريانية الأرثوذكسية فلديها ستة أسباب، في حين تعتمد الكنيسة الرومية الأرثوذكسية أربعة عشر سببًا، والكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية خمسة عشر سببًا.

كما أشار إلى أن مشروع القانون أقر مفهوم “الانحلال المدني” في إحدى مواده، في الوقت الذي لم يعترف فيه بالزواج المدني، معتبرًا أن ذلك يمثل مفارقة قانونية، خاصة أن وزارة العدل سبق أن أعدت مشروعًا للزواج المدني للمسيحيين عام 2016.

وأكد أن مشروع القانون تضمن عددًا من المصطلحات غير المنضبطة أو غير المعرفة تعريفًا دقيقًا، مثل “البطلان” و”الموانع” و”الانحلال”، مشيرًا إلى أن بعض المواد توسعت في أسباب البطلان والموانع، في مقابل تضييق أسباب التطليق.

كما انتقد ما ورد بشأن “الزنا الحكمي”، معتبرًا أن بعض الصياغات قد تؤدي إلى وصم اجتماعي للأسر، خاصة مع اعتبار بعض الأفعال أو التصرفات قرائن على الخيانة الزوجية. وأوضح أن قانون العقوبات المصري يحدد مفهوم الزنا بصورة واضحة، ولا يرى حاجة إلى التوسع في توصيفات إضافية قد تثير إشكالات اجتماعية أو قانونية.

واختتم القس عيد صلاح حديثه بالتأكيد على أهمية إعادة مناقشة مشروع القانون بصورة أوسع وأكثر شمولًا، بما يحقق التوازن بين المرجعية الدينية والضمانات الدستورية والحقوق المدنية للمواطنين المسيحيين في مصر، ويضمن معالجة القضايا الخلافية قبل إقرار القانون.

القس رفعت فكري: المسيح لم يضع شريعة للزواج والطلاق… وعند صعوده قال: “اذهبوا وتلمذوا” ولم يقل: “اذهبوا وزوِّجوا”

من جانبه، أكد القس رفعت فكري، رئيس مجلس الحوار بسنودس النيل الإنجيلي والأمين العام المشارك بمجلس كنائس الشرق الأوسط، أن حالة الارتباك التي يشهدها الأقباط تجاه مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ترجع إلى سببين رئيسيين.

وأوضح أن السبب الأول يتمثل في عدم فهم نصوص الكتاب المقدس فهمًا صحيحًا، مشيرًا إلى أن السيد المسيح نفسه لم يضع شريعة تفصيلية للزواج أو الطلاق، بل حضر عرس قانا الجليل وصنع معجزته الأولى هناك بصفته ضيفًا، أو كما يُقال: “أحد المعازيم”.

أما السبب الثاني، بحسب قوله، فهو أن الكنيسة أقحمت نفسها في ملف ليس من صميم رسالتها الأساسية. وأضاف: “المسيح قبل صعوده إلى السماء قال لتلاميذه: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، ولم يقل لهم: اذهبوا وزوِّجوا جميع الأمم”.

وتناول القس رفعت فكري النصوص الإنجيلية التي يستند إليها البعض في بناء مفهوم “الطلاق لعلة الزنا”، موضحًا أن إنجيلي مرقس ولوقا لم يذكرا هذا الاستثناء مطلقًا، بل قدما حديثًا يفهم منه عدم جواز الطلاق. أما إنجيل متى فهو الوحيد الذي أشار إلى هذه المسألة، لكن المسيح – بحسب تفسيره – كان يتحدث عن مبدأ أخلاقي وليس عن شريعة قانونية تفصيلية.

وأضاف أن الزنا في البيئة اليهودية لم يكن عقابه الطلاق، بل الرجم، ولذلك يرى أن المسيح لم يكن يتحدث عن الزنا بالمفهوم المتداول حاليًا باعتباره علاقة جنسية بين شخص متزوج وشخص آخر، بل كان يتعامل مع جدل فقهي يهودي قائم في عصره حول أسباب الطلاق.

وأوضح أن المجتمع اليهودي في زمن المسيح كان منقسمًا بين مدرستين فقهيتين شهيرتين: بيت هليل وبيت شماي، وكان لكل منهما فهم مختلف لأسباب الطلاق.

فقد رأى بيت هليل أن أي أمر يزعج الزوج يمكن أن يكون سببًا للطلاق، حتى لو كان أمرًا بسيطًا، بينما قصر بيت شماي الطلاق على حالات الفحش أو الانحراف الأخلاقي الجسيم.

وأشار إلى أن بيت شماي كان يقول: “لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته إلا إذا وجد فيها سلوكًا فاضحًا”، بينما كان بيت هليل يجيز الطلاق حتى لأسباب بسيطة، ووصل الأمر بالحاخام عقيبا إلى القول إن الرجل يمكنه أن يطلق زوجته إذا وجد امرأة أجمل منها.

وأكد أن المسيح كان يخاطب مجتمعًا يجيز للرجل أن يطلق زوجته بإرادته المنفردة، وهو أمر يختلف تمامًا عن الواقع المسيحي الحالي، حيث لا يوجد طلاق بالإرادة المنفردة، بل ما يُعرف بالتطليق القضائي.

وانتقل القس رفعت إلى الجانب اللغوي للنصوص الإنجيلية، موضحًا أن اللغة اليونانية تستخدم مصطلحين مختلفين لما يُترجم عادة بكلمة “زنا”.

فالمصطلح الأول هو “بورنيا ” (Porneia)، ويشير إلى حالة من الفحشاء أو العلاقة غير الشرعية، مثل المساكنة غير القانونية أو زواج المحارم أو غيرها من العلاقات التي تُعد باطلة من الأساس.

أما المصطلح الثاني فهو “مويخيا ” (Moicheia)، ويعني زنا الرجل أو المرأة المتزوجة.

وأشار إلى أن المسيح -بحسب فهمه- لم يستخدم في حديثه عن الطلاق كلمة “مويخيا” التي تشير إلى زنا المتزوجين، بل استخدم كلمة “بورنيا”، التي تتعلق بعلاقات غير شرعية من أصلها.

وأضاف أن المقصود هنا هو الحالات التي يكون فيها الزواج نفسه باطلًا أو قائمًا على أساس غير مشروع، مستشهدًا بحالة الرجل الذي تزوج امرأة أبيه في كنيسة كورنثوس. وفي هذه الحالة يكون المطلوب هو إنهاء العلاقة غير الشرعية وليس تطليق زواج صحيح.

وقال: “لذلك أتمنى ممن يرددون عبارة: لا طلاق إلا لعلة الزنا، أن يراجعوا المقصود بالنص، لأن المسيح – بحسب هذا الفهم – لم يكن يتحدث عن زنا الزوج أو الزوجة بالمفهوم الشائع اليوم”.

وتساءل: “إذا أخطأ أحد الزوجين ثم تاب وقَبِل الطرف الآخر توبته، فكيف يمكن أن نقول بعد ذلك لا طلاق مطلقًا أو لا زواج ثاني للمخطئ؟ أين التوبة؟ وأين الغفران؟”. مؤكدًا أن المسيح وضع مبادئ عامة ولم يضع منظومة تشريعية تفصيلية.

وأضاف أن المهندس ديفيد ويصا، في كتابه “الطلاق في الكتاب المقدس”، استخرج أسبابًا للطلاق من نصوص العهد القديم، وتحديدًا من سفر الخروج، حيث ورد أن للزوجة حقوقًا أساسية على زوجها تتمثل في الطعام والكسوة والمعاشرة الزوجية، وأنه إذا حُرمت من هذه الحقوق فلها أن تخرج حرة.

وأشار إلى أن بعض الكنائس تتمسك بعبارة “الطلاق لعلة الزنا” دون دراسة كافية لسياقها ومعناها، متسائلًا: “من قال إن المقصود هو الزنا الجسدي فقط؟ ألم يقل المسيح أيضًا: من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه؟ فلماذا لا يُنظر إلى زنا الفكر أو النظرة بالمعيار نفسه؟”.

ورأى أن كثيرًا من الجماعات والطوائف تفسر النصوص بحسب رؤيتها الخاصة ثم تفرض هذه التفسيرات على أتباعها باعتبارها التفسير الوحيد الصحيح.

وأشار إلى أن الكنائس المعاصرة وسعت من أسباب التطليق لتشمل تغيير الدين، رغم أن المسيح -بحسب رأيه- لم يذكر ذلك ضمن الأسباب، وقال: “إذا كان تغيير الدين سببًا مهمًا إلى هذا الحد، وكان المسيح يعلم المستقبل، فلماذا لم يذكره صراحة؟”.

وأضاف أن من يستشهدون بآباء الكنيسة لا يلتفتون إلى وجود آباء آخرين قدموا رؤى أكثر اتساعًا في هذا الملف.

واستشهد بما نُسب إلى القديس كيرلس السكندري، البطريرك الرابع والعشرين الملقب بعمود الدين، من أن التصرفات الخاطئة هي التي تحل الزواج أمام الله، وليس مجرد الوثائق الرسمية.

كما أشار إلى ما كتبه القديس غريغوريوس النازيانزي، الذي رأى أن بعض الحالات الأخرى قد تحتاج إلى فحص وتمحيص وحكمة رعوية، وليس إلى أحكام جامدة أو مطلقة.

وتوقف كذلك عند تفسير العلامة أوريجانوس لإنجيل متى، حيث أشار إلى أن بعض رؤساء الكنائس سمحوا في ظروف معينة بزواج المرأة مرة أخرى أثناء حياة زوجها، رغم مخالفة ذلك للنصوص الحرفية، تفاديًا لشرور أكبر ومراعاة لظروف إنسانية معقدة.

واختتم القس رفعت فكري حديثه بالتأكيد على أن الوصية في المفهوم المسيحي وُضعت لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل الوصية.

وأضاف أن الكنيسة – في رأيه – تجاوزت حدود دورها الطبيعي عندما احتكرت مسألة تزويج أتباعها ومنحت نفسها سلطة تقرير مصيرهم الأسري، رغم أن الزواج حق أصيل من حقوق الإنسان.

وأشار إلى أن الزواج الكنسي بصورته الحالية لم يدخل إلى الكنيسة الأرثوذكسية إلا في قرون متأخرة، مؤكدًا أن الأصل هو الاعتراف بحق الإنسان في الزواج وتكوين الأسرة.

واختتم بالقول إنه يؤيد إتاحة الزواج والطلاق المدنيين، مع الحفاظ على حق من يريد الزواج الكنسي في اللجوء إلى كنيسته، ومن يكتفي بالزواج المدني في الاكتفاء به. وأضاف أن منع التطليق أو الزواج الثاني مدنيًا وكنسيًا يمثل -من وجهة نظره- انتقاصًا من حقوق الإنسان.

ورأى أن مشروع القانون بصورته الحالية قد يدفع بعض الأشخاص إلى تغيير الدين باعتباره المخرج الوحيد من الأزمات الزوجية، معتبرًا أن ما كان يُعرف سابقًا بتغيير الملة كان أقل ضررًا من دفع الناس إلى تغيير ديانتهم بسبب تعقيدات قوانين الأحوال الشخصية.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا