جورجينا بهنام حبابه
صحافيّة وقاصّة عراقيّة
تتسارع وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط على نحوٍ مقلق، الأمر الذي يُلقي ظلالًا قاتمة على واقع مسيحيي الشرق ويُعمق معاناتهم. ومع تصاعد الصراعات وتكرار الأزمات، تزداد الخشية من تبعات ذلك كله على هذا المكون الأصيل، وتبقى التساؤلات بشأن مستقبله وسبل صموده في أرضه التاريخية تبحث عن إجابة.
حفلت الأيام القليلة الماضية بوقائع عدة زادت المشهد العام تعقيدًا ووضعت مسيحيي الشرق أمام تحديات جديدة. فقد شهدت الأراضي المقدسة تصعيدًا غير مسبوق، حين استهدف قصف إسرائيلي كنيسة العائلة المقدّسة للاتين في غزة. وأوقع القصف ثلاثة شهداء مدنيين فضلًا عن إصابة عشراتٍ آخرين، بينهم كاهن الرعية.
لا يخلو هذا الاستهداف من تداعيات قاسية على الوجود المسيحي في القطاع، فهذه الكنيسة تُعد الملاذ المسيحي الأخير في غزة، إذ لجأت إليها عشرات العائلات منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. وسبق وتعرضت لأضرار جزئية في يوليو 2024 بعد قصف محيطها، ما أثار حينها استنكار رؤساء الكنائس في الأراضي المقدّسة.
انتهاك الإرث المسيحيّ في العراق
من جانبهم، يُواجه مسيحيّو العراق مصاعب جديدة من نوعٍ آخَر، تضاف إلى سلسلة مآسي الاضطهادات والتهجير التي عاشوها بعد 2003. إذ رفع البطريرك الكلداني الكاردينال لويس روفائيل ساكو الصوت، مطالبًا الحكومة العراقيّة بحماية الإرث المسيحي العراقي المهدد بالانتهاك، بحسب معلومات بلغت البطريركية الكلدانية من مصادر وصفتها بالموثوقة.
واستغاث ساكو برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، مطالبًا بدرء خطر الانتهاك عن مواقع تاريخيّة مسيحيّة مقدّسة في محافظة النجف تعود إلى القرن السادس الميلادي، تضم «مقبرة المناذرة» حيث قبور «بطاركة عظام» لكنيسة المشرق، و«مقبرة أم خشم» التي يعود تاريخها إلى زمن مملكة الحيرة، والحيلولة دون منحها لمشاريع استثماريّة.
استهداف كنيستَين في سوريا
على صعيد متصل، لم تكد مأساة تفجير كنيسة مار إلياس تغيب عن واجهة الأحداث في خضم ما يشهده بعض المناطق السورية من نزاعات متجددة، حتى عاد استهداف الكنائس في البلاد إلى الصدارة من جديد.
وبرزت حادثة تخريبٍ جديدة طالت كنيسة مار ميخائيل في قرية الصورة الكبرى في ريف محافظة السويداء، على يد مجموعة متطرفة. وتمثلت في تحطيم الرموز المسيحية، والعبث بالهيكل ومحتوياته الطقسية، وتمزيق غطائه القماشي. وأُضرمت النيران في السقف والجدران، ما أدى إلى تفحم الأيقونات العلوية والصليب المركزي أمام الهيكل.
سبقت هذه الحادثة محاولةٌ فاشلة لتفجير كنيسة مار إلياس المارونية، في قرية الخريبات-ريف طرطوس الشرقي، أحبطتها الأجهزة الأمنية بتعاون الأهالي، وأوقفت ثلاثة أشخاص كانوا يخططون لتفجير سيارة مفخخة تحتوي قرابة 20 كيلوجرامًا من المتفجّرات.
مأساة متفاقمة
وكان المطران يعقوب مراد، راعي أبرشية حمص وحماة والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك، أعرب عن قلقه البالغ إزاء الوضع المأسوي المتفاقم في سوريا على غير صعيد، داعيًا إلى إنقاذ مستقبل الوجود المسيحي فيها.
وقال في خلال حديثه مع وكالة الأنباء الفاتيكانيّة (فيدس) إن «سوريا اليوم انتهت كدولة»، مستدركًا برجاء المؤمن المسيحي: «يسوع يريد أن تبقى كنيسته حاضرة في سوريا، إذ لا يمكن أن تكون مشيئة الله إفراغ بلادنا من مسيحييها».
رغم ما يعيشه مسيحيو الشرق من تحديات متجددة تُضاعف كل يومٍ هشاشة واقعهم المثقل بتبعات أزمات بلدانهم السياسيّة والأمنية والاقتصادية، يبقى رجاؤهم الوطيد وإيمانهم الراسخ سندًا وحافزًا للثبات في أرض الآباء والأجداد.