19.4 C
Cairo
الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيأول دعوى قضائية ضد الله! (7) الخصم والمشتكي

أول دعوى قضائية ضد الله! (7) الخصم والمشتكي

أ.د. أماني ألبرت

يتكرر المشهد مرة أخرى من داخل قاعة العرش السماوي، حيث يقف الخصم في المحكمة يشتكي مرة أخرى على أيوب. “وذات يومٍ آخر جاء الملائكة ليمثلوا أمام الله، وجاء الشيطان أيضًا معهم، ليمثل أمام الله. فقال الله للشيطان: “من أين جئت؟” فقال الشيطان: “كنت أتجول في الأرض وأتمشى فيها.” فقال الله للشيطان: “لعلك لاحظت عبدي أيوب، فإنه لا مثيل له في الأرض، رجلٌ كاملٌ وصالحٌ، يتقي الله ويبتعد عن الشر. أنت حرضتني عليه بلا سببٍ، فسمحت لك بأن تبتليه ومع هذا فهو إلى الآن متمسكٌ بكماله.” فقال الشيطان لله: “لأنه نجا بجلده! فالإنسان مستعدٌ أن يضحي بكل ما عنده لينجي نفسه، ولكن مد يدك الآن واضربه في عظمه ولحمه، فإنه يشتمك في وجهك!” فقال الله للشيطان: “إذن، سلمته لك، إنما لا تقتله” (2: 1-6). ومرة أخري يشتكي الشيطان، ومرة أخري يضع الرب حدودًا للعدو ويأذن له للتصرف في حدود معينة. “فخرج الشيطان من محضر الله، وضرب أيوب بقروحٍ مؤلمةٍ من بطن قدمه إلى قمة رأسه. فتناول أيوب شقفةً، وأخذ يحك بها جسمه وهو جالسٌ على الرماد. فقالت له زوجته: “أنت إلى الآن متمسكٌ بكمالك! اكفر بالله ومت!” فقال لها: “تتكلمين كواحدةٍ جاهلةٍ! هل نقبل الخير من الله، ولا نقبل الشر؟” في كل هذا، لم يرتكب أيوب خطًا بشفتيه” (ترجمة الحياة الجديدة).

ونجد أيوب متمسكًا بصديقه مرة أخرى حتى حينما وُضِعَتْ علاقتهما على المحك، رغم الألم الذي يعانيه ورغم إلحاح أقرب الناس له بالانقلاب ضد الله. لقد كان على قناعة تامة أنه حتى لو الله هو سبب كل ما يمر به من مآسي، فلن يتركه، ومرة أخرى لم يخطئ أيوب بشفتيه ولم يتحدث ضد الله.

محكمة مماثلة

مثلما وقف الشيطان ليشتكي على أيوب، يقف الخصم ليشتكي علينا أمام الله الآب، بخصوص خطايانا الماضية، حماقاتنا الحالية، تقصيرنا الروحي، ويفتري متهمًا إيانا نحن أيضًا.

ويفتري مشككًا في نوايانا ونحن نعبد الرب، فنحن نعبده كي يمنحنا ويعطينا ويحل لنا مشاكلنا ولا نتبعه من أجل مَنْ هو، ويذكر سفر الرؤيا الشيطان باعتباره “المشتكي على إخوتنا… الذي يشتكي عليهم نهارًا وليلًا أمام إلهنا” (رؤيا 12: 10).

وبينما يشتكي الشيطان علينا أحيانًا يكون على حق فنحن بطبيعتنا خطاه ولكن بسبب عمل المسيح على الصليب، بسبب دمه المسفوك لتطهيرنا، وبسبب احتمائنا فيه واغتسالنا بالدم، يقف المحامي عنا في قاعة المحكمة ليُفحم الشيطان، يقف الرب يسوع المسيح فهو “رئيس كهنتنا العظيم ” (عبرانيين 4: 14)، ” يشفع فينا” (رومية 8: 34). وأمام الله الآب يقف المسيح يشفع فينا ويرد على المشتكي ويدحض كل أدلته.

وبينما المحكمة الفعلية منعقدة في السموات، قد يفوت عن أذهاننا أن نقف مبهورين بعمل الشفيع أو شاكرين له أو حتى التصرف وفق قوانين محكمة السماء بل نتصرف بالعكس!

ففي الوقت الذي علينا أن نحمده ونشكره لأنه يحامي ويدافع عنا ويعطينا المعونة لنعبر التجربة وننتصر، نظن في أنفسنا أننا شيء، وإذ يضلل الشيطان أذهاننا نعقد نحن محكمة لله! نتهمه فيها ونلومه ونعاتبه دون فهم! فيحدث معنا مثلما حدث مع الشعب قديمًا حين “وَقَعُوا فِي الله” (مزمور78: 19) أو تذمروا على الله قائلين: هل يستطيع أن يفعل لنا هذا؟

علينا أن ننتبه في أكثر أوقاتنا تذمرًا على الله، فالمحكمة منعقدة ونظرتنا قاصرة ومعكوسة، كيف ننقلب على مصدر دفاعنا الوحيد؟

بهذا نحن نمنح الخصم أسباب أخرى يشتكي علينا ويتهمنا فيها، فيبدو أننا خننا محبتنا الأولى، وبينما يهاجمنا الشيطان ويطالب الله بممارسة العدل والدينونة، يمد المدافع عنا يديه المجروحة أمام الآب السماوي، فقد دفع المسيح الثمن، فقد عوقب عن خطايانا مرة واحدة وإلى الأبد على الصليب، فقد أحبنا إلى المنتهي وبررنا بموته، فيسمع الآب توسلات الشفاعة، ويُخزي المضاد. وبصوت عال تتردد في قاعة المحكمة “مَنْ سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرر. مَنْ هو الذي يدين؟ المسيح يسوع هو الذي مات، بل هو الذي قام، الذي هو عن يمين الله، الذي بالحقيقة يشفع فينا” (رومية33:8-34).

المسيح يقف ويحامي عن المغتسلين بدم الحمل، المؤمنين أن دمه يطهرهم من كل خطاياهم، نعم.. الشيطان يعلم أن معركته خاسرة وحججه واهية، ولكن هذه المعركة ستستمر في قاعة المحكمة حتى يتم تقييد الشيطان وإلقائه في النهاية في الجحيم. ولكن أحيانًا لا تُحسم معارك معينة بل قد تأخذ أكثر من الوقت المتوقع، فيبدو أن العدو أكبر حجمًا، لماذا؟

لأن المحكمة لها نظام وقانون معين تعمل كي تُصدر الحكم النهائي في قضيتنا، وحتى يصدر الحكم لصالحنا لابد أن نسلك وفق قواعد المحكمة السماوية.

فبينما محكمة السماء منعقدة والمشكلة قائمة، يشتكي علينا الشيطان أمام القاضي الله الديان العادل، فيدافع عنا الشفيع الرب يسوع المسيح بسرعة ولا يقبل الشكايات ويظل يدافع حتى لا يصدر حكم الديان العادل. وبينما قاعة المحكمة منعقدة، نكون نحن في مكان آخر!

هذا المكان هو مكان الألم، حيث نلوم الله الذي تركنا ولم يتدخل من أجلنا. وبينما ينجح العدو في خداعنا حتى لا ندرك هذا المشهد السماوي، نتجاوز في كلماتنا ومشاعرنا ونخطئ بأفواهنا معترضين على طريقة إدارة الله للأمور.

الله القاضي ديان وعادل، والمسيح شفيعنا واقف يحامي عنا، ولكن هذا لا يعني ألا نتواجد في قاعة المحكمة لنقوم بدورنا ونحسم المعركة، فعدم تواجدنا ووقوفنا أمام مجلس القضاء، استسلامنا وعدم مقاومتنا يعطي العدو حق الامتلاك والانتصار ويطيل من وقت القضية، وهذا ما حدث قبلًا “وجدت ثروة الشعوب كعشٍّ، فجمعت بيدي كل الأرض كما يجمع البيض المتروك. ولم يكن هناك من يرفرف بجناحيه، أو يفتح فمه، ليحمي العش مني” (إشعياء10: 14). لقد تمكن الخصم من أخذ وسلب ثروات الشعوب لأنه لم يقف أمامه أحد ويقول: كفى، لم يفتح أحد فمه ليحمي ما له.

وجودنا أمام المحكمة السماوية يحسم الحروب في توقيتها، ولكن عدم مثولنا قد يعطل الأمور، وبينما نحن غائبون يقدم المشتكي الخصم أدلة ضدنا حتى يحصل على حكم ضدنا من الله الديان العادل. نعم، المحامي عنا شفيعنا يسوع المسيح لا يقبل أن يتم الحكم علينا، فيدافع ويظل يدافع ويطلب تأجيل حتى نمثل أمام مجلس القضاء، وبينما نظن أن الله تأخر علينا وطالت الأمور ولم تُحل، نكون نحن سبب التأخير بغيابنا عن التواجد أمام القاضي.

وبينما نحن في مكان آخر نتذمر بطفولية على الله، يقف الشفيع مجاهدًا ويطالب بمد الأجل حتى لا يصدر الحكم ضدنا، والمد يمنحنا فرصة حتى نظهر أمام المحكمة السماوية ونأخذ موقعنا.

المقاله السابقة
المقالة القادمة
مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا